صدور كتاب جديد للدكتور علي العلوي

صدر عن دار الوطن بالرباط، كتاب "الذات المغتربة والبحث عن الخلاص: الشعر المغربي المعاصر أنموذجا" للدكتور علي العلوي في 295 صفحة من الحجم الكبير. ولقد جاء هذا الكتاب للإجابة على السؤال التالي: هل هناك شعراء مغاربة معاصرون مغتربون؟ هذا السؤال المحوري تم تفكيكه إلى أسئلة فرعية هي:

ما الذي ساهم في توليد مشاعر الاغتراب لدى الشاعر المغربي المعاصر؟

ما هي ملامح الاغتراب في الشعر المغربي المعاصر؟

ما هو رد فعل الشاعر المغربي المعاصر المغترب تجاه مشاعر الاغتراب لديه؟

هذه الأسئلة هي ما صاغ عناوين الفصول الأربعة لهذا الكتاب، كما أن الإجابة عنها كانت بمثابة مقاربة لموضوع الذات المغتربة والبحث عن الخلاص في الشعر المغربي المعاصر من زوايا مختلفة تتمحور حول أشكال حضور الاغتراب الذاتي، وكذا المكاني، علاوة على كيفية تعاطي الشاعر المغربي المعاصر مع مشاعر الاغتراب لديه، وردود فعله تجاهها، إذ إنه لم يحصر أشعاره في تصوير حزنه واغترابه، وبكائه على حاله وحال أمته، وإنما سعى إلى الخلاص من اغترابه، من خلال توطيد أشكال الوعي بهذه الحال لديه، ولدى غيره، وكذا استنهاض الهمم، وحث النفوس على سلوك سبل التغيير المنشود.

وأهم الخلاصات التي توصل إليها الكتاب هو أن اغتراب الشاعر المغربي المعاصر كانت وراءه عوامل ذاتية وموضوعية؛ ذاتية تتعلق بحالته النفسية من حيث الانقباض والانبساط، وبتفاعله مع الظروف والأحداث التي تبرز داخل الوطن والأمة باستمرار؛ وموضوعية تتعلق بالواقع الذي يحيط به سواء أكان ذلك على المستوى الاجتماعي أم السياسي أم الثقافي أم الاقتصادي.
ولقد تفاوتت حدة الاغتراب سواء الذاتي أو المكاني من شاعر إلى آخر، وذلك تبعا لشخصية كل واحد على حدة، ولشكل تقبله للوضع الذي يعيش فيه إما سلبا، وإما إيجابا؛ فجميع الشعراء صوروا صمتهم عبر الكلمات، وصوروا بكاءهم، ونفيهم وتيههم على وجه هذه الأرض، وغير ذلك من التيمات والمحاور المثبتة في فصول هذا الكتاب، إلا أنهم اختلفوا في شكل هذا التصوير حينما أشركوا الطبيعة وغيرها في التعبير عما يختلجهم، مستحضرين ذواتهم المحترقة بلهيب الاغتراب.

هكذا اتخذ الصمت صورا عديدة لدى الشاعر المغربي المعاصر، تعكس مدى تفاعله مع ذاته من جهة، ومع ما يحيط به من جهة ثانية. أما البكاء، الذي شكل ثاني التيمات الثلاث التي تأسس عليها الاغتراب الذاتي، فهو حنين إلى مراحل مضت، وهو في الوقت نفسه أسف على واقع الحال؛ وهو أيضا بحث عن المواساة، وعن شكل من أشكال العزاء، وسعي إلى التخفيف عن الذات.

وأما فيما يتعلق بمحور النفي والتيه فقد تفاوتت مستويات تصوير ذلك في القصيدة المغربية، حيث إن كل شاعر جَسَّدَ حالة تيهه وضياعه وفق درجة تحمله للوقائع والأحداث من حوله، وكذا أشكال تقبله لما آلت إليه الأوضاع التي تتحول أمامه باستمرار.

أما فيما يتعلق بالاغتراب المكاني الذي يرى الدكتور علي العلوي أنه ينحصر بشكل جلي في المدينة، وبدرجة أقل داخل السجن، فيمكن استخلاص جملة من المواقف والتصورات التي ينطلق منها الشاعر المغربي المعاصر في تحديد موقعه من هذا النوع من الاغتراب، حيث إنه يرى أن المدينة لم تمنحه سوى الحزن والألم، ومع ذلك ظل يبحث عن وجهه فيها؛ أي ذاته، فلم يزدد إلا بعدا عنها واغترابا. ويرى أيضا أن السجن أسلوب من أساليب تكميم الأفواه، وكسر شوكة العزة في نفس الإنسان، حتى لا يصدح بكلمة الحق، في زمن استبيحت فيه الحرمات، وتم الاستيلاء على الخيرات.

أما في ما يتعلق بالفصل الأخير المرتبط بملامح الرفض والتمرد، فظل الشاعر المغربي مسكونا بهاجس التغيير، والتصدي للجهات التي تسعى إلى استبقاء الوضع على ما هو عليه من فساد واستبداد. ومن ثم، ظلت الثورة، من حيث كونها انقلابا مستمرا للأحداث وتتابعا متسارعا لها، هي السبيل الأنجع لمعانقة الحرية، والتحليق عاليا في السماء، وبعث الحياة من جديد في شرايين الأمة التي غرقت في يم التخلف، وجثمت عليها أصناف مصنفة من الظلم والقهر.
ولقد جعل الشاعر المغربي المعاصر من الكتابة رحلة مستمرة في مسيرة الحياة، منطلقها هي مشاعر الاغتراب والحزن، ومنتهاها هو تغيير الوضع الحالي إلى ما هو أفضل. ورحلة التغيير هاته تقتضي الاستعداد لها بما يتناسب معها، إلى جانب نكران الذات الفردية والجماعية، والنظر إليها باعتبارها ثمنا قد يدفعه الإنسان من أجل الوصول إلى المبتغى. ومن رحم المعاناة والأحزان تولد شرارة الرفض للوضع القائم القاتم، مما يوضح كيف شكل الموت هاجسا شعريا في تجربة هؤلاء الشعراء؛ وهو لا يعني الاستسلام والانهزام بل تحمل مسؤولية الحياة، وتحمل العبء مع البشر.

من جهة أخرى، جاء توظيف الرمز الأسطوري من لدن بعض الشعراء المغاربة باعتباره محركا لمشاعر التمرد والانبعاث، وكذا محفزا للذات على السعي إلى التغيير. ومن أجل ذلك استثمر شعراؤنا ما تتيحه الأسطورة من إمكانات تعبيرية وحمولات دلالية، أضفت على القصيدة أبعادا رمزية وجمالية، كما أنها ساعدتهم على التعبير عن مشاعر التمرد والرفض لديهم بالإيحاء والإيماء.

من جانب آخر، تحضر شخصيات الأنبياء، عليهم السلام، في الشعر المغربي المعاصر بوصفها رموزا للأبطال المحركين لعجلات التغيير واسترداد الحقوق، وكذلك رموزا للاطمئنان المرتبط بحتمية النصر، نصرة للقضايا العادلة الدالة على رفض الواقع والتمرد عليه، وكذا الوقوف ضد الطواغيت، وضد أشكال الاستبداد التي يمارسونها ضد الشعوب المستضعفة.

ولقد كان القصد من وراء استدعاء بعض ملامح معجزات الأنبياء، عليهم السلام، هو شحذ الهمم، وتحريك الضمائر والنفوس، من أجل حملها على تبني سبل المواجهة والتصدي للواقع الفاسد، والقيم الفاسدة.

ويشكل استحضار الشخصيات التاريخية في الشعر المغربي المعاصر محاولة لإعادة زرع بذور الشجاعة والوفاء لقيم الحق في النفوس القاحلة، علها تنبعث من رماد العجز والوهن الذي يلفها لكي تعيد الحياة لها، ولما حولها. إن مسيرة حياة هذه الشخصيات عامل ملهم للشعوب، يحثهم على طرق سبل التغيير وصناعة النصر الذي يقود إلى توطيد أركان الوطن، وأحوال المواطنة القائمة على الأمن والاستقرار، وكذا العيش الكريم.