إشارة في ليلة خريفية

، بقلم حسن المير أحمد

كلما حلّ الخريف، تتسربل بحزن غريب فوق حزنك الدائم، ويجتاحك الحنين مثل غيم ثقيل، فتشعر بقلبك وقد تحول إلى ورقة يابسة تسقط عن غصنها مع أول هبة ريح رطبة يحملها الفصل الرمادي الكئيب.

سكون عميق يعيد شريط الأحداث القديمة الموجعة على شاشة الذاكرة، فتعيث في الروح تمزيقاً وطعناً حتى تخبو أنفاسك ويهدك الإنهاك.. تتكىء على مرفقك تصغي إلى ما حولك، فلا تسمع غير الحفيف.. تنشد إغفاءة تعيد إليك شيئاً من قوتك المفقودة، لكن الأرق الذي يلازمك يأبى أن يتغيب لحظة واحدة وكأنك تستلقي فوق كتلة من الجمر المتقد.

هذا الخريف أتى مبكراً، أكل قضمة من صيفك المارق سريعاً، فتغير الطقس والمزاج، وأحسست بأن الوقت يحاربك ويمزق أضلاعك منتشلاً ضلعاً وحيداً ليضعه عقرباً للثواني في ساعة الانتظار.
كلما حلّ الخريف، يصمت الكون مثل هاتفك الأخرس منذ حين، حتى يكاد أن يتحول إلى مجرد حجر مشلوح على طاولتك الباردة.. تنتحي في الزاوية المظلمة، تنظر إليه متمنياً أن يحمل صوتاً بعيداً يهدىء قلقك وتوترك، لكن السكون يلف المكان.. ولا من رنين!!

تمر الدقائق لزجة مثل تيه في ضباب رمادي كثيف.. تمسك "طبشورة" وترسم خطاً ثم آخر، وتتالى الخطوط بانتظار بشرى تنبثق من باطن ذاك الهاتف الحجري، تحول رطوبة القلب إلى فراشات ربيع في غير موسمها..

من زحمة البرد والظلمة، يعزف الهاتف لحناً شجياً يخالف الريح الخاطئة متمرداً على شحوب الخريف، وحين تجيب ينبثق همس خفيف دافئ تعرف نكهته مثلما تعرف لون عينيك، وأكثر.. يقول: "لقد طال البعاد، ولم يأت الحمام الزاجل يحمل منك إشارة تذكرني بالسنابل وصدى صوتك الراجع من بين الحقول".. عندها تعاودك العافية، وينتشي قلبك راقصاً مع القبّرات على سفوح التلال، آملاً أن تطوي ليالي الخريف صفحتها.. وتمضي، ويبقى الربيع مزهراً في الفصول الأربعة!!