موعد انتظار

، بقلم دينا سليم

هززت إبريق الشاي لكي أصرف مجرى السائل من أوراق النعناع التي طغت عليه فسدته، توقفت برهة مع الذكريات القديمة قبل أن أصبّ الشاي في فنجاني، الماضي يعود الآن، وهزّة يديّ جدتي تعود إلى ناظري فجأة، جدتي التي دللتني وصبت لي الشاي في فنجاني فيما مضى، كل صباح وقبل أن تقبّلني قبلة وداع النهار، وفي المساء كنا نخرج معا في موعدنا، موعد الإنتظار الذي طال، نشق عباب المساء بخطواتنا السعيدة، نركض معا، هي بقدميها الضعيفتين وأنا بقدميّ الصبية المقبلة على الحياة، مشوارنا يبعد مائتي خطوة وربما ثلاثمائة حيث رصيف محطة سكة الحديد، هناك انتظرنا طويلا القطارات الآتية بدون عنوان، نبحلق بوجوه السائقين بحملقة حمقاء مني وبحملقة لهفة من عيني جدتي، لا وجه يشبه وجه جدي! وعندما يفرغ الرصيف من الركاب نعود مهزومتين صامتتين إلى البيت، نُسكت خيبتنا، نُهديء من تلهفنا ونقرر أن نلبي طموحنا باللقاء، سنوات كثيرة مضت ونحن ننتظر الغد، كبرتُ فكبرت معي أحلامي بأن ألتقي جدي الذي لم أعرفه سوى من صورة وحيدة له معلقة على جدار الغرفة، ومضت السنوات لم يصل جدي إلى المحطة، غادرت جدتي الحياة وهي تنتظره متجاهلة مستنكرة أنه فُقد منذ عشرات السنين في معمعة حرب بلهاء غيّبت الأسماء والأجساد والأرض عندما فرغت بندقيته من الطلقات.