قراءة نقدية لــ نص

«فكرة» للشاعر فراس عمر حاج محمد

، بقلم أيمن خالد درواشة

النص:

انتفاضاتي،
ابتهالاتُ الرجاء بخيبة الروح الكبيرةْ
اشتعالاتي المثيرةْ
وانتماءاتي المجيدة،
كلها صفرٌ، تردّت في متاهات مديدة
ليلها جَهِلٌ، عقيمٌ، مستطيل في المدارْ
يدور النجم في صدري، ويطحن الأعصاب ذكراها
وذاكرةُ اللقاءْ
وعقلي ماجن، ردّ الصدى مثل الصدى
ذاك النداءْ
والفكرة البلهاء شكَّ بها المغني
والنغمة الولهى تردت في المزارْ
حملت بريحْ،
واشتاقها حرف الخريفْ
ولفها الشجر المسيج بالحنين
ومات الورد منتصفَ الطريقْ
وتبخّر العطر المسافر في جسد الفرسْ
وعادت بالخروق على ملاءات السماءِ
تبحث عن جريحْ
عندي لكم خبر من الغيم السديمْ
البدر ليلا قد سقطْ
في فكرة شوهاء، نضّدها الخواءْ!

القراءة:

فراس حاج محمد الشاعر الذي يكتنفه الغموض والوضوح معاً، الشاعر الذي يجمع بين نقيضين، هو ذو الرمة بمعاناته وتناقضاته، والطرمَّاح الطائي في أسلوبه، والمسألة فنية قبل أن تكون تشابهاً.

ونحن نواجه هذا النص يدفعنا الشاعر لأن نتحرك في فضاء مفرغ، ومجال خاوٍ، ونكافح النص طويلاً، ونتحايل عليه بطرق عدة، ونتدبر معه مناهج متباينة علنا نجد إليه مدخلاً، لكنه يستعصي وينتهي بنا إلى طريق مسدود.

ابتهالاتُ الرجاء بخيبة الروح الكبيرةْ
اشتعالاتي المثيرةْ
وانتماءاتي المجيدة،
كلها صفرٌ، تردّت في متاهات مديدة
ليلها جَهِلٌ، عقيمٌ، مستطيل في المدارْ

يا لها من فكرة مجنونة شوهاء تاهت في زحام تلك الحوادث المعقدة، فهي مستطيلة في المدار فكيف تدور دون اصطدام رهيب وتبعثر في اللامتناهي.

تقول الكاتبة "فاطمة نزال" في معرض حديثها عن القصيدة:

"ولأن الفكرة ابنة لقيطة، ضاعت في زحمة من الهواجس، اجتاحت بالجنون عقلا تفرد بالحزن .. تماهى فيه، حتى أصبح من طقوس وجوده، ولأن التيار عكس اتجاه الريح، فمزقت أشرعة الأماني، كان علينا أن ندرك أن تبني الفكرة تلك، ما هو الا انتحار وهروب إلى اللاشيء".
وهنا تحلل الكاتبة سبب هذا التشرذم وغرائبية الفكرة، فهذه الفكره تائهة فوق سفينة في بحر لجيّ، فكرة ضاعت في زحمة الهواجس، واجتاحت بالجنون عقلاً تفرد بالحزن، هواجس عكسها التيار بخلاف ما يشتهي الشاعر، فكان تبني الفكرة ضرباً من ضروب الجنون.

يدور النجم في صدري، ويطحن الأعصاب ذكراها
وذاكرةُ اللقاءْ
وعقلي ماجن، ردّ الصدى مثل الصدى
ذاك النداءْ
والفكرة البلهاء شكَّ بها المغني
والنغمة الولهى تردت في المزارْ
حملت بريحْ،
واشتاقها حرف الخريفْ
ولفها الشجر المسيج بالحنين
ومات الورد منتصفَ الطريقْ
وتبخّر العطر المسافر في جسد الفرسْ

لو تتبعنا الظواهر اللغوية لوجدنا أن الفعل الماضي هو العنصر السائد (شك / تردت / اشتاقها / لفها / مات / تبخر / عادت…) وللفعل عادة دوراً مثلثاً (راجع دراسات في نقد الشعر)، إلياس خوري، ص89، دار ابن رشد، 1981.

عنصر علاقة: فالفعل يقيم علاقات الأشياء، فهو علاقة تحويلية يحول الأشياء، ويتحول بها، فهو محاولة للتركيز على الجدلية التي تقوم على الحركة، وعنصر الحركة : هذه الحركة تعبر عن حركة الانتقال من حالة إلى حالة، وحركة التحول الدائم الذي لا يعرف الاستقرار، فهو عنصر اضطراب وتوتر ودوران دائم حول حلقة مفرغة.

القصيدة تجربة مأساوية، ومعاناة، وضياع، وتشتت، وتمزق… لكن ما نهاية هذه الرحلة؟؟ قصيدة حافلة بالغرائب، والأحداث المتضاربة المشتتة، ومن الفكرة البلهاء يكون التمزق، وتبدأ رحلة المأساة.

القصيدة بما فيها من حزن وجنون وتفجير ترتكز على إيقاع واحد هو حالة التشرذم والتشظي بحالة الفكرة. كما أن الفعل تلخيص للواقع، ومحاولة للتعبير عن حركته، وهو إشارة هامة تؤكد حالة الانهيار أو الانتحار التي أشارت إليه الكاتبة فاطمة نزال.

تتابع الأفعال وتغيرها بشكلها الوارد في النص ما هو إلا دليل على لحظات المعاناة الحقيقية وتكسر الثابت والجوهر، لتصبح انفجاراً داخلياً لا يتوحد إلا في إطار نبرة مأساوية تشمل القصيدة كلها.

وعادت بالخروق على ملاءات السماءِ
تبحث عن جريحْ
عندي لكم خبر من الغيم السديمْ
البدر ليلا قد سقطْ
في فكرة شوهاء، نضّدها الخواءْ!

وكان استخدام الفعل المضارع قليلاً مقارنة مع الفعل الماضي، فلم يأتِ الفعل الماضي إلا للتداعي الذي هو ذاكرة الشاعر المحكوم عليها بهذه المأساوية المتناهية، وفي التداعي تبرز التفاصيل والجزئيات لترسم مسار التحولات، كما أنها ترمز إلى وقائع وأحداث، أما الفعل المضارع فاستخدامه كان لضرورة فنية، هو انطباق الفعل المضارع الدالّ على الحضور والاستمرار، وعلى مضمون التجربة التي هي وحدة متوازنة.

الصورة وحدة من الوحدات الأساسية التي برع فيها الشاعر في صياغة قصيدته، وهي أفضل سبيل لنقل تجربته، وتثبيت الآثار الشعورية للشعر في النفس، كما أن القصيدة صورة كبيرة أدت إلى نجاح العنصر الفني المتمثل بالصورة، وهي صورة من المزية الغامضة أو السريالية اللاواعية، ومع ذلك فهي ذات بعد عميق لتفسير الحالة.

كما استخدم الشاعر الصدمة الإيقاعية التي تشدّ الانتباه إلى جزيئات الصورة، فبعد سطرين متوازيين طولا يتراجع السطر إلى كلمة أو كلمتين ليستأنف السطر طوله الأول، لتاتيَ الصورة بالنهاية صورة صادمة مخيبة للآمال موزعة توزيعاً وترياً يحمل معنى التلاشي والاضمحلال.
لقد عمَّق الشاعر صورته ووفق في التنبيه إلى المضمون عن طريق توزيع مضمون السياق، إن إعادة القراءة مرة أخرى للنص تنبهنا إلى لفتة جمالية في هذا الجريان السريع للأسطر، الذي يقوم على تعابير ليست مألوفة تحمل معنى في انفراد كل واحد منها بسطر مستقل.
المناخ الموسيقي للقصيدة يزيد من قدرة اللغة على تحريك الخيال، وقد استخدم الشاعر تفعيلة فاعلاتن ومستفعلن لتنويع الإيقاع تصلح لوصف الانفعالات السريعة، أو للتصوير النابض بالفعل والحركة، والإيقاع لا يرتبط بالتفعيلة فحسب وإنما في كل عناصر البناء الشعري، ويكون له أكبر الأثر الجمالي في الأذن .

المأساة إذن تركيب فجائعي بين الرؤيا والواقع، وقد كان من الممكن تجاوز هذا الواقع إلا إن تركيبه الدرامي مع الرؤيا جعله جداراً صعب التجاوز والتخطي ويبقى (فراس حاج محمد) الشاعر الذي حمل بعمق كل معاني الحب والحزن والحنين والتشرد والتمزق والثبات.