سر النص الأدبي

، بقلم فاروق مواسي

من أدبـيّـاتــي:

....................................

نص أدبي له حلاوة وطلاوة، ونص آخر لا تستمرئه إن لم تستهجنه. نص يمتلك مقومات الحيوية، ونص آخر تطلّـق الأدب لأجله أربعـًا في أربع. تقول تارة إنها لغة النص، وتقول طورًا إنه المضمون الإنساني المعبِّر، وقد تقول – ببعض الضبابية – إنه تلاحم بين الشكل والمضمون.
وإزاء موازنات عديدة سيصعب عليك تبيان سر الروعة التي أخذتك وبهرتك.... ذلك أن في النص الأدبي سرًا كامنًا في طياته وثناياه، تشي عنه اللغة كثيرًا في تواشجاتها وعلائقها.

وإذا كان القرآن قد أشار إلى (الروح) التي هي من أمر الله فإن في العمل الأدبي سرًا أو كيمياء أو إكسيرًا يُـلبس النص طاقة الحياة. وقد حدثتنا الأسطورة اليونانية أن (بيجماليون) صنع تمثالا في غاية الفن والإبداع هو (جيتا) ، فلما رآه على ما هو عليه من جمال تمنى أن تهبه الآلهة القدرة على النطق. وقد يكون النطق رمزًا للتعبير عن الحيوية، أو السر المنبعث فيها.

ومهما أوتي العلم من طاقة تحليلـية فإنه يقف عاجزًا في كثير من المواقف الجمالية، يقول بلاشير معترفًـا بعجزه عن تذوق شعر المتنبي – بعد أن ألف دراسة ضافية عنه:

" فبالنسبة إلينا لا يزال سر بعض الأبيات التي يؤخذ بها الشرقيون كما هو، لا من حيث الفكرة التي تعبر عنها، ولا من حيث الفن الذي تتجلى فيه. ولا من حيث الإيقاع الذي تتصف به، بل من حيث تمازجات مؤتلفة بين الأحرف الصوتية والساكنة لا تستطيع أذننا تذوق سحرها".
( انظر النص، وتعليقات مارون عبود عليه في كتاب الرؤوس ص222 ).

قد يظن البعض أن تجديدات العروض كافية لإجازة (شاعر)، وفي هذا التصور خطأ سافر. فهذا أبو العتاهية قال عن نفسه (أنا أكبر من العروض)، وكان مولعًا بالتجديد في الأوزان، يصوغ أغاني الملاحين على دجلة، ولكن لم يقل عنه أحد أنه في مستوى إبداع أبي تمام الذي لم يعرف عنه أنه خرج على الأوزان المألوفة.

و(تناسب الأجزاء) مصطلح في مفهوم "عمود الشعر" - حسب شرح المرزوقي- ليس فيه مقاييس ثابتة يستطيع الناقد أن يستعملها كالمسطرة. وتبقى المسألة نسبية ذوقية، وفيها بذرة السر الذي أشرت إليه.
ومن جهة أخرى يظن آخرون أن بعض الخروج عن المقاييس اللغوية كافٍ أن يُسقط العمل الأدبي، وفي هذا خطأ فادح أيضًا، وما أصدق قولة الفرزدق وتحديه: (علينا أن نقول ، وعليكم أن تتأولوا)،
وبالطبع فليس في هذا نموذج أو جواز مرور لكل مدّعٍ لم يتحصن باللغة والتراث وأوليات المعرفة.

يبقى السؤال: ما هو سر العمل الأدبي، ما هو الإكسير التي يحول الكلمات العادية إلى ذهب الأدب الرفيع؟ ما هو هذا الذي يطيل حياة النص؟

- إنه السر نفسه الذي تجده في إلقاء نكتة، يلقيها فلان فيجعلك تقفز من الضحك، ويلقيها آخر فيثير نفورك. ومذاق النكتة يختلف من جمهور إلى آخر، ومن وقت لآخر، فهنا يحللونها ويتفهمونها، وهناك لا تعني شيئا، ويعرضون عنها.
وهو السر نفسه الذي يجعلنا نستحسن ما يقول (س) ونردده – وأحيانًا كالببغاوات – ونرفض ما يقوله ( ص) علمًا بأن القولين متماثلان، بل هو السر في وصفنا لشخص "خفيف دم" ونتقبلهـ/ها، بينما نصف آخر/ى بثقل الدم، فنشيح بوجوهنا.
على ضوء ذلك.... حبذا أن يعرف أدباؤنا وخطباؤنا متى يجب أن يتحدثوا، ومتى يجب أن يصمتوا، وحبذا أن ينشروا المادة التي يرون أنفسهم مضطرين أو مسوقين لنشرها، مستلهمين رأي من حولهم - في كتاباتهم ، فإذا وهب الله الكاتب القدرة على تمييز أقوال الناس صادقة أو مغرضة فقد أوتي الحُسْنيين، فشتان بين من يدخل على قوم فيعرف بحسه وإدراكه أنه مقبول...أو أنه مرفوض، وبين من لا يعرف أنه يأتي ضيفـَنًا ثقيلا، ولا يعرف أنهم سيكسرون الزير وراءه.

كثير من أدبائنا المعروفين لا يعرفون أن قصائدهم أو قصصهم تخلو من الدماء، وهي أحوج إلى دعاء بجماليون الذي أشرت إليه، ولكننا في زخمة الصراعات السياسية نتقبلهم كما هم، وأيدينا على قلوبنا ألا تفسد أذواقنا، ونحن نتحسر على حسرة خالد بن صفوان في خطابة لرجل:
" رحم الله أباك، فإنه كان يقري العين جمالاً والأذن بيانـًا".
.... وعلى ذكر البيان، ألم يقل الرسول عليه السلام: "إن من البيان لسحرا" .....
فلماذا نعجب إن أكدنا سرية أو سحرية النص الأدبي أو كيمياءه؟؟!

.......................................................................

من كتابي "أدبيات". القدس- 1991، ص 24- 27. ، وأكتب المصدر كل مرة للتوثيق، فثمة من يستخدم النصوص في دراساته، والأمانة تقتضي أن أذكر المصدر في الأصل، مع أن النص يلائم الواقع والراهن.