المدير

، بقلم فيصل سليم التلاوي

طوّحت بي سنوات العمر في بقاع شتى، وأرجاء تختلف في طبيعتها وعادات أهلها، وكان أن وجدت نفسي لبضع سنين، أعمل مدرسا في قرية نائية، تقع في وهدة بين جبال شاهقة ودروب وعرة، يخلفها السيل الذي يعقب كل "شتوة" مفاجئة قيعانا جرداء، إلا من صخور ناتئة وحجارة حطها السيل من علٍ، فيصبح مسلكها عسيرا على الأقدام، فكيف به على سيارات النقل الصغيرة القليلة في هذا المكان المنقطع.

وكان مدير المدرسة فتى من أبناء القرية ضئيل الجسم سليط اللسان، لا يكف عن إصدار الأوامر والنواهي.

رغم أن مديرنا الأستاذ محسن لم يكن يحمل من الشهادات العلمية ما هو أرفع شأنا من شهادة الدراسة المتوسطة، فقد كان تحت إمرته بضعة عشر مدرسا، كلهم من حملة الشهادات الجامعية، والخبرة الطويلة في حقل التربية والتعليم. إلا أن مؤهله الأعلى والأهم أنه من أبناء هذه البلاد، بينما الآخرون متعاقدون من بلدان عربية شتى.

وكنت أشاهد عجبا من الأمر لا أستطيع له تفسيرا، عندما أرى هؤلاء المدرسين الذين ربما كان معظمهم في مثل سن والد الأستاذ محسن، وهم يتسابقون لخدمته،
ويتفننون في ابتكار ما يسليه ويبهجه ويكسبهم رضاه، وهو منتشٍ مغتبط بهذه الألقاب والصفات التي يخلعونها عليه، فيحس أنه قد انتفخ إلى حجم هو أضعاف حجمه الحقيقي، فيحاول أن يصطنع لنفسه مشية أو هيئة تتناسب مع حجمه الافتراضي الجديد، فتراه يحاول إبراز صدره إلى الأمام، فيأتي ذلك على حساب بطنه وساقيه، التي تتضاءل فلا يعود يُرى منه غير صدر منتفخ كأنه معلق في الهواء، فإذا ما خطا خطوات أمام طابور الصباح وهو بهذه الهيئة، بدا للناظر وكأنه يترنح ذات اليمين وذات الشمال، حتى لتخشى عليه أن يغلبه صدره المنتفخ، فيميل على أحد جانبيه ويسقط أرضا.

كنت أحدث المدرسين عهدا بالمدرسة وأصغرهم سنا، ولم يكن بيني وبين مديري علاقة تتجاوز إتقان عملي والتزام حصصي، والتقيد الصارم بأوقات الدوام الرسمي. لكنني كنت و ما أزال لا أستطيع أن أمنع نفسي من تتبع دقائق الأمور التي تجري من حولي، ولا أستطيع التغاضي والكف عن مراقبة الأشياء ولو تظاهرت بغير ذلك، أو أجهدت نفسي في المحاولة.

ما كنت أرى مديري بحجمه الحقيقي، إلا عندما يطرق باب مدرستنا زائر قادم من إدارة التعليم مهما كان شأنه أو غرضه. عندها كان يحلو لي أن أمعن النظر إليه في جلسته خلف مكتبه، أو أثناء سيره بجانب الزائر، فأرى بدنه يضمر كثيرا، وينكمش على نفسه ليزداد ضآلة على ضآلته، ويومها فقط كان لسانه يقصر، فلا ينطق إلا إذا سُئِل ، وإذا تكلم امتقع لونه وتلعثم لسانه.

ورغم عزوفي الدائم عن دخول الإدارة، إلا للتوقيع بالحضور والانصراف أو لضرورة مُلحة، إلا أنني في مثل هذا اليوم كنت أختلق الأسباب لدخول الإدارة، وإلقاء نظرة فاحصة على هيئة مديري، ثم أمضي لشأني وقد شفيت غليلي.

ولم يكن لهذا التشفي الذي ذكرته من سبب معين، أو سوء تفاهم وقع بيني و بين الأستاذ محسن، فقد كان يكن لي مودة خالصة، ويخصني بالمشورة دون غيري، فيما يلتبس عليه فهمه من تعميمات وتوجيهات ترده من إدارة التعليم. ربما لأنه يلحظ قلة كلامي، ويثق بعدم إفشائي لأسراره، وقد كنت عند حسن ظنه، فها أنذا أبوح بسره للمرة الأولى بعد نيف وثلاثين عاما وعلى الورق فقط، وفي مكان بعيد لن يصل خطره إليه.

جئت المدرسة ذات صباح من أيام الشتاء القارس مبكرا كعادتي، فوجدت سيارة الأستاذ محسن في الساحة، وقد سبقني في الوصول على غير عادته. ما إن دخلت الإدارة لأوقع بالحضور، حتى وجدت مديري خلف مكتبه ينتفض مثل عصفور بلله المطر، وينفخ بكلتا يديه محاولا تدفئتهما، بينما ينكمش بدنه الضئيل على بعضه فلا يكاد يبين منه شيءٌ وسط هذه العباءة الفضفاضة، التي تلفع بها من رأسه إلى قدميه . ذهلت لِما رأيت من ارتجافه وسوء حالته، فبادرته فزعا:

- ما بك يا أستاذ محسن؟ هل أصابك مكروه؟ أ أوصلك إلى طبيب المستوصف؟

- لا،لا شيء ، ولكنني أشعر بالبرد فقط.

برد؟ إنه برد عادي مثل كل الأيام السابقة، لا يزيد عنها في شيء، لا شك أنك مصاب بنزلة برد.

أبدا، أبدا، كل ما هنالك أنني " ترو شت "(1)

لو أن كل من يتروش يصير حاله إلى ما صرت إليه لكف الناس عن الترويش.

ترو شت في "الجلة "(2) باكرا قبل طلوع الفجر.

في الجلة؟ ولماذا لم تتروش في المنزل؟

في المنزل؟ والبنات والحريم والأطفال؟

هذا يعني أنكم لا تغتسلون في المنزل أبدا؟ حتى الأطفال والحريم؟

لا. واستدرك مديري منتفضا، وقد خشي أن يكون قد وقع في زلة لسان تفتح عيني على سر غامض كنت أجهله.

الرجال والأولاد فقط يتروشون في الجلة، أما الحريم والبنات فربما يتروشن في البيت أثناء غياب الرجال في العمل والأولاد في المدارس.

وأردف مديري محاولا انتزاع ضحكة مصطنعة:

هذا إن كُنّ يتروشن.

كيف تتحمل أجسادكم برودة الماء عند الفجر؟ ولماذا لا تسخنون الماء في المنزل وتستحمون به، في سطل أو طست أو طنجرة أو أي وعاء؟

انفردت أسارير مديري وهو يستعرض معلوماته قائلا:

- والله لقد سمعت عن أناس يُفورون الماء ثم يتروشون به، لكن لا أدري أين؟

قلت من غيظي:

- سمعت؟! تظل تسمع بذلك إن شاء الله ولا تراه .

(تروش): استحم

(الجلة ): الغدير، أو الماء الجاري.