صفحات سوداء من حاضرنا

«الصفحة الرابعة»السياسة العرجاء

، بقلم عثمان آيت مهدي

قرّر الوزير السماح لجميع التلاميذ الراسبين في الشهادة المصيرية بإعادة السنة، فرح الأولياء لهذا القرار وهتفوا: يحيا الوزير. قام المدير بإحصاء تلاميذه الراسبين وأعاد تسجيلهم، ثمّ توزيعهم حسب الأقسام المسموح له بفتحها. دخل الأستاذ إلى القسم بصعوبة لأن القاعة لم تستطع احتواء جميع التلاميذ المعيدين والمنتقلين من الصف الأدنى، اكتظاظ رهيب، نظر في هذا الجمع الغفير، ثمّ قال: رحماك ربي، كيف أقضي سنة دراسية مع هؤلاء؟ لتسقط أيّها الوزير ولتسقط معك سياستك العرجاء.

ضياع فرصة اللقاء

سقط الخبر على مكتب الوالي سقوط النيزك على الأرض، لقد أحدث هلعا واضطرابا كبيرين، بعد أسبوع سيقوم الرئيس بزيارة تفقدية للولاية، يدشن خلالها مشاريع سكنية وهيكلية. بدأ السباق ضد الساعة: طلاء، تنظيف، تعبيد للطرقات المهترئة، تعليق صور عملاقة ترحّب بالرئيس وتمجّده. في أقلّ من أسبوع أصبحت المدينة عروسا ليلة زفافها.

عند نهاية الأشغال واستعداد الوالي لاحتضان الرئيس، يسقط خبر آخر أشدّ قوّة من النيزك الأوّل. لقد ألغيت الزيارة لوقت لاحق. راح الوالي يشتم الرئيس ويقلب كفّيه حسرة على ضياع فرصة اللقاء به.

متلازمة لاربان

أقسم بأغلظ الإيمان بأن يوقف جميع العمال، ويحرمهم من جميع حقوقهم ما لم ينته العمل في تعبيد الطريق في ظرف أسبوع، ليكن عملهم ليلا ونهارا وتحت الشمس المحرقة وإن جاوزت الخمسين درجة في الظل. إنّه تهديد مباشر وصريح.

يصل الوالي على متن سيارة فخمة سوداء، وراءه كوكبة من السيارات التابعة للولاية، تمر جميعها على الطريق المعبد حديثا، يتوقف الموكب عند نهاية المشروع، يستقبلهم رئيس العمال، يفتح باب سيارة الوالي الذي ينزل ببطء شديد، يرتمي عليه مقبلا جبهته وخديه ويبادره بالكلام: سيدي وولي نعمتي، لقد عملت ليل نهار من أجل إتمام المشروع في وقته، أنا خادمك وعبدك الأمين، تقبل منّي هذا العمل قربانا لرضاك وعفوك.

الشخصية اللغز

لم تدم إقامته بهذه المدينة أكثر من ثلاثة أشهر حتى أصبح محط أقوال كبار القوم. إنّه مقرب من ضباط العسكر، وقد يكون مقربا من الرئيس نفسه، إنّه يعرف أسرار وخبايا السلطة، ذوقه في اختيار ملابسه وربطة عنقه وتسريحة شعره وهدوئه وثقته بنفسه توحي بأنه شخص يعتمد عليه. أصبح الجميع يترصد فرصة اللقاء به وتقديم بعض الهدايا له، رشاوى وعمولات بالعملة الصعبة..

عندما بدأ يشعر بالحرج، ترك رسالة في غرفته بالفندق الكبير للمدينة يقول فيها: أحبائي، لقد سعدت بأيّامي معكم، آسف على الرحيل، فلكلّ بداية نهاية، أنتقل إلى مدينة أخرى علّها تحمل لي أفراحا ومسرات جديدة.