ديوان

«العصيان» لماجد أبو غوش في اليوم السابع

، بقلم جميل السلحوت

استضافت ندوة اليوم السابع في المسرح الوطني الفلسطيني في الشاعر ماجد أبو غوش، حيث ناقشت بحضوره ديوانه العصيان الذي صدر في رام الله في الأيام القليلة الماضية، ويقع الديوان الذي صمم غلافه الفنان بشار الحروب ويحوي عشرات القصائد في 148 صفحة من الحجم المتوسط.

مما يذكر أن ماجد أبو غوش ليس جديدا على الشعر، فقد سبق وأن صدر له أحد عشر ديوانا قبل ذلك.

بدأ النقاش مشرف الندوة ابراهيم جوهر فقال:

الشاعر المشاكس (ماجد أبو غوش) في كتابه الأخير الجديد (عصيان) يتصعلك ويتمرد ويحتج ويتألم ويحلم. يعشق ويلهو. يعبث ويشتم. يثور ويشكو ويبكي.

وبكاء الشاعر ليس كالبكاء؛ يبكي أصدقاءه الذين مروا وخانوا!

ويبكي ملكته البعيدة!

ويبكي جبلا بعيدا يحلم بتناول منقوشة الزعتر في حضنه المسوّر بالحراب.
وجدت أثر المدينة في شخصية الشاعر. المدينة الحديثة وهي تواصل تورّمها وتهميشها وطحنها للناس البسطاء الحالمين بالوردة والمحبوبة والوطن تصير غولا يخيف ويلتهم. (ماجد الصعلوك المتمرد) يهرب من المدينة الطاحنة إلى المغارة والحانة. أحيانا يصل حدود الكرمل وعكا ويافا، وأحيانا القدس، ويعود إلى حانته أو مغارته أو همومه ومقهاه.
وجدت في (عصيان) سيرة متمرد يحتج على غدر الأصدقاء والزمن والثائر الذي استبدل أولوياته.

ركّز أبو غوش في (عصيانه) على المكان والإنسان، واعتمد الشراب رفيقا دائما والعشق دافعا لمواصلة المسير.

هنا وجدت الرجل يصرخ ويقترب من (الانتحار) أو (الانفجار) وهو يحذّر المارقين الفاشلين وكل من حاد عن الجادّة.

وقال جميل السلحوت:

يعصي الواقع ويطيع الوطن

في ديوانه الأخير" عصيان" الذي صدر في تشرين أول 2013 يرسّخ الشاعر ماجد أبو غوش مسيرته الشعرية، والتي تتمثل بانحيازه الى الفقراء والمهمّشين والكادحين الذين يحترقون بنار الأرض، طمعا بوطن حرّ ودولة مستقلة لا حواجز احتلالية في شوارعها، ولا جدران تحاصرها، دولة لا سُرّاق ولا فساد فيها، دولة تحافظ على انسانية الانسان التي امتهنتها قوى الظلم والعدوان، ومن يعرف ماجد أبو غوش عن قرب سيجد فيه الانسان العادي الطيّب المتمرّد على واقع لا يجوز السكوت عنه، لذا فهو يعتمر قبّعته، ويلفّ سجائره راضيا بالعيش الكفاف، لكنّه في الوقت نفسه ساخط غاضب متمرّد ثائر على السّلبيات كلّها، فهو من صعاليك هذه المرحلة بالمفهوم الايجابي للصعلكة، تماما مثلما كانت صعلكة ما قبل الاسلام، لكن صعلكة شاعرنا تواكب العصر. لذا فهو ساخط على المحتل الذي سلب الوطن، ويمعن في الأرض الفلسطينية قتلا وتنكيلا وعدوانا واستيطانا، وساخط على الفساد المستشري، وعلى افرازات أوسلو وغيرها. والشاعر أبو غوش ابن قرية عمواس -احدى قرى اللطرون-التي تمّ تهجير مواطنيها وتدميرها هي وزميلاتها يالو وبيت أولا في حرب حزيران 1967، ليبنى عليها لاحقا متنزه عام باسم متنزه كندا "Canada park" تخليدا للصداقة الاسرئيلية الكندية. يعيش حياة اللجوء والتشرد والمعاناة كما هو حال الملايين من أبناء شعبه، لكنّه يطلّ على مسقط رأسه من بعد ويحلم بيوم العودة الموعود. لذا فان يافا وحيفا وغيرهما لم تغب عن شعره، تماما مثلما هي ليست غائبة عن وجدانه.

والقارئ للديوان سيجد أن الشاعر أبو غوش انسيابي في لغته، فهو لا يتصنع اللغة ولا يتحذلق بمفرداتها، فلغته انعكاس لشخصيته، لغة هادئة وغاضبة حسبما يتطلب الموقف، فهو يكتب نصوصه الشعرية عن همومه، وهي ليست هموما شخصية، بل هي هموم الغالبية العظمى من أبناء شعبه، فهو يكتب عن جدار التوسع الاسرائيلي الذي يمزق أرض الوطن، ويكتب ملتاعا عن الحروب التي شنّها ويشنّها المحتلون على قطاع غزّة المحاصر. ويكتب عن حنينه للقدس التي لا يستطيع الوصول اليها مع أنّها على مرمى حجر من رام الله حيث يعيش، ويشتعل حنينه الى مدن وقرى كانت عامرة بأهلها قبل حين، وجرى اقتلاعهم منها في غفلة من التاريخ، انه يستذكر أصدقاء منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر. ويكتب عن الحبّ وعن المرأة العاشقة والعشيقة، ويهرب الى الخمور أحيانا- ليس لأنه سكّير- بل للهروب من واقع لا يحتمل، أو لغسل الذّات من واقع مأزوم لا يمكن تحمّله.
وقصائد شاعرنا واضحة تأثّرها باللغة "الدرويشيّة" فلشعر الراحل الكبير محمود درويش سطوة واضحة على قصائد شاعرنا، وتبلغ ذروتها الى درجة التناصّ في أكثر من موضع، أو درجة اعادة صياغة الجملة الشعرية.

يبقى أن نقول بأنّنا أمام شاعر جميل غاضب يعرف ما يريد، ولا يريد أن يكون مهادنا في وقت يكون السكوت فيه وعنه معيبا.

وقالت نينا برهوم:

الى الشاعر الذي وصف نفسه بـ " المشاغب، الثمل، الوقح، شبه المجنون، المغضوب عليه، الممنوع من السفر"
لاحظتُ وصفك لنفسك من خلال شعرك في كتابك " عصيان"، فلا أذكر أنني قد قرأتُ كتابا مرتين سوى كتابك...شعرتُ بأنني تائهة، بين طيات كلماتك الشعرية، ذات المجاز لواقعنا المؤلم..

ما أستطيع قوله لأعبر عن مدى فهمي وشعوري لما كتبت أنك جعلتني كقارئة لشعرك أن أغطس في خربشات نحياها...خربشات موجعة، تحاول مراراً وتكراراً أن تدفن أحلامنا وخيالنا، لكننا إن دفنا هذا الحلم فسوف نجول في الأزقة عراة...

أنت حقيقة متمرد وعاصي بالمفهوم الإيجابي، وضوحك وصراحة كلماتك انبثقت من تعلقك بالبلد التي هجرت منها، ولوعتك لحبيبتك يافا الملكة...ما أستطيع قوله بإختصار يصعب على الشاعر الفلسطيني أن لا يتمرد بكلماته، فهذا ما نملكه لنشاكس به..
نهاية لبداية الحديث لستَ المشاكس المشاغب الوحيد، فكلنا قد نتقن جيداً هذا الفن من خلال رحلتنا المغتربه...

وكتبت صابرين فرعون:

اجد أبو غوش الشاعر المتمرد..ابن عمواس والذي اعتقل عدة مرات من قبل الاحتلال الاسرائيلي والذي مُنع من السفر لخارج الوطن منذ العام 2011 بقرار من محكمة بلدية القدس وهي محكمة الشؤون المحلية الاسرائيلية يصافح مدننا الفلسطينية من رأس الناقورة وحتى النقب..في رحلة الحب والوطن..لا شك من أنه تأثر بغسان كنفاني فها هو يضع بصمته في العصيان والتمرد والثورة..يعتبر أدبه ضربا من السريالية والرمزية التي تحمل أسمى الرسائل التي ينقلها لنا وهي الوطن.. يهتم بالمضمون وليس بالشكل، لذا فإن لوحاته تحمل شيئا من الغموض في بعض الأحيان، كما أنه لا يثق بالحداثة السياسية والاقتصادية، لذا يعتبر من الشعراء المحبَطين اتجاه الأوضاع السياسية والأمنية على صعيد الوطن العربي ...
إن المدينة جزء من وطن لا يتجزأ بالنسبة للشاعر.. فلسطين ببناتها حيفا ويافا وعكا والكرمل ورام الله والقدس وأريحا لها أثرٌ كبيرٌ على الشاعر كي يتغنى بها، فهي أجمل المدن الفلسطينية والتي شهدت أحداثا سياسية وتاريخية على مدى عصور...

عصيان وهو النتاج الأدبي العاشر للشاعر أبو غوش عبارة عن نقلة فكرية للقارئ العربي في قرننا الحادي والعشرين، ليتذوق الأدب بصورة ليست بالجديدة، وإنما طريقة تقديمه هي الابداعية الجديدة، فقد مزج أبو غوش مقومات الشعر القديم كالوقوف على أطلال المحبوبة "الملكة\ ليلى\ الفراشة" والأغراض الشعرية من وصف وغزل بالبنية الحديثة للقصيدة"قصيدة النثر" مما يضعنا كمتذوقين أمام الانسيابية والبساطة والصدق لشعره الذي يكون غنائيا أحيانا، وقصصيا في أحيان أخرى، أمام شاعر هو خليفة للشعراء القدامى..أيضا النبيذ هو صديقه الحميم للكتابة كما أبي النواس في العصر العباسي...الحانة بالنسبة له ترمز للضمير ..للوعي في حالة اللاوعي فالصورة لا تكتمل إلا بصحبة الزق...

يرى الشاعر أن "هناك مدّا شعريا واضحا في مواجهة العولمة والاستلاب الثقافي من الاحتلال الإسرائيلي، الشعر ما زال في خندق المقاومة، وهنا في فلسطين المحتلة كلمة المقاومة واسعة جدا، وتشمل المقاومة الثقافية ضدّ كل محاولات طمس التراث وتدمير اللغة وقتل الإنسانية فينا، هنا الشعر مقاومة الغناء مقاومة الرقص مقاومة المسرح مقاومة الكتابة والقراءة " كما قال في أحدى المقابلات..اذا الوطن ليس مجرد فكرة تحيا بداخلنا، وإنما هي مسؤولية تقع على عاتق كل من ينتمي للقضية الفلسطينية والأرض والتراب المقدس.

هذا الشاعر الوفيّ لرفقائه ممّن قضوا وممّن لا يزالون يدافعون عن القضية، والأصيل في انتمائه يستحق منا الوقوف ولو بكلمة وفاء لسحابة الحرف والوجع والكرامة والحرية والوطن.
وكتب سامح خضر:

في ديوانه الجديد "عصيان" يتذكر ماجد أبو غوش كعادته من قضوا ومن مضوا من أعلام ورموز انسانية ووطنية وأدبية..ولا ينسى أن يقدم لنا في كل مرة صورة عن قرب للبسطاء والمهمشين الذي انتمى اليهم شعراً وعملاً. تقرأ قصيدة لماجد فتشعر أنك برفقة دليل سياحي يجوب بك فلسطين شمالاً وجنوباً..شرقاً وغرباً وكأنه يضع المدن بين يديك..ولا ينسي أن يتوقف بك أمام حانته المفضلة...يضحكنا حد البكاء حين نسمع ونقرأ ما يقوله "العمدة" في ساعة غضب..يفرغ طاقتك السلبية بمهارة المتخصصين ويملأك بطاقة وطنية دون جهد...يجعلنا نرى الوطن في منقوشة زعتر، أو برتقالة يافاوية يغطيها الندى، أو في موقد نار بدوي في جبال الخليل.

نشتم في قصائد ماجد رائحة خبز الطابون في قرية فقيرة صغيرة منسية...وتتذوق فيها نبيذ الحرية...تقرأ لماجد فتشعر أنك تنتمي له أو أنه قد خطف منصب الناطق باسمك دون استئذان.

لست ناقداً أدبياً لاقوم بتحليل مفرداته وصوره الشعرية، لذلك أقول ما أقول كقارىء ينحاز لبيت شعر جميل ولقصيدة تحرك الساكن بداخلي.