غربة.. بلقيس

، بقلم عبد الجبار الحمدي

جميل هو الحزن... حزن الغربة!! تلك التي تصنع منك شاعرا، أديبا، مثقفا، تملك الحس المرهف وجعا ترتاده كعلاج في كل لحظة تخلو بها الى نفسك... والاجمل ان تترجم كل أوجاعك أبيات شعرية مليئة بالصدق لتعبر عن انعكاس ولهك بحجم غربتك عن الوطن، ربما تكون ملفوفة بباقة ورود ذابلة، مثل حنينك الذي تحمله آنات.. برغم كل ما تعانيه من وجع في غربة مع ذكريات تراها بصور شاحبة، بجانب مفردات تآكلت بداخلك مع الاختلاط بالجديد بما حولك ... ثم يأتي اللقاء ليفجر براكين كل مشاعرك أبيات غربة عَزَفتَها مع نقاط دموعك التي تساقطت ولها على رائحة الأرض والأهل، وكل الطيبين... فتتذكر هنا سرت؟؟ هنا وقعت؟؟ هنا لعبت؟ وهناك أنزويت بعد ان ضربت أبن الجيران؟ أما هنا فقد وقفت مع أمي وأبي، اخوتي ناسي، كل الناس هم أهلي بخيرهم وشرهم... لكن هل يكفي ما أحمله من حب مترجم على شكل أبيات شعرية ان يفي غرض الوطن وفضله علي!!؟؟

سؤال حيرني كثيرا... فبالغربة هناك أنظر الى الوطن من باحة جهازي المتطور بتكنلوجيا الازرار والصباح المشرق الآمن.. أشم عبق الزهور، أتلمس الإنسانية في التعامل ... إنصهرت معهم كلهم حتى بت أتناسى وطني ومن أكون في لحظات معينة، حين لا أراه على باحتي تلك... إلا أن واعز بداخلي، فطرة أسميها هي من تدفع بي الى أن أكتب بآلامي بوجع تجارب غربتي تلك التي اصفها بمصداقية لأنها مرآتي الحقيقية التي تعكس كل تعاملي مع الحياة... كثيرا ما تبادر الى ذهني سؤال؟ هل يكفي ما أقوم به نحو وطني وابناء وطني؟؟؟؟ هل فعلا تلك الكلمات التي أبوح فيها كل معاناةِ الشخصية بفراق أجبرت عليه، أو ربما يكون في بعض الاحيان رغبة مني للهروب من الواقع الذي أعيش كافيا لرد الجميل؟؟

وسؤال يتبعه سؤال .. ما هي قياسات ومعايير رد الجميل الى وطني، أهلي، ناسِ واصدقائي؟؟ أتكفي دموع لقاء؟؟؟ قبلة شوق لتراب ضرجت ذرات ترابه بدماء الكثيرين بحجة أو بأخرى، أصدقكم القول لا أدري؟؟؟؟

كثيرا ما أشم رائحة خبز أمي، بيتنا، كتبي، رائحة خن الدجاج، رائحة حظيرة بقر الجيران... رائحة النفايات، المياه الآسنة.... كلها طيبة، لأنها من وطني... بعدها أعود أسال، هل يكفيك وطني ابيات شعر أكتبها؟؟

ماذا يمكنني ان أغير فيك؟ بعد أن تسربلت الحزن ثياب بالية راقت لك رغم خشونتها.
ماذا يمكنني أن أحدثه فيك من تغيير؟ وقد أمسك بمداخل ومخارج انفاسك من لا وطنية لهم، بل لا إنسانية... ماذا أسميهم مرتزقة؟ عاهات؟ أذناب وبقية أذناب بالية؟؟ مسميات شتى ربما لم تسمع بها من قبل، أستطيع أن آتي بأبجديات الحروف كلها سبا وشتما وهجاء، لكن... هل يكفي ذلك لرد الجميل إليك؟ لا أظن .. فأنت يا وطني أكبر من كل جمل المدح أو الغزل، بل انت قصائد الشعر وبيوتاته، إنك الوطن... بكل ما تعنيه الكلمة للذي يعي مساحات فضائلك ونبلك وصدق رائحة ترابك.

هكذا انت لي يا وطني... وطن لا يمكنني ان أرد الجميل له، حتى لو نسخت روحي كتابة معلقات شجون غربتي وعذاباتي دواوين طويلة... أتعلم لماذا؟؟؟ لسبب بسيط... هو أني لا أشعر بك إلا من خلال ذكرياتي .. أما التغيير الذي أصبو إليه، فيجب ان يكون من داخلك أنت، على أرضك، ومما رأيت أسمح لي أن أقول: يا لخيبة أملي فيما رأيت... أجساد خالية من روح حب الوطن، أرواح خالية من الطموح، طموحات فردية ربما!؟ لكنها دون إنسانية... كيف يمكن أن أغير من فقد إنسانيته؟؟؟

سؤال آخر حيرني، إن التحرر الذي عشته صب علي الكثير من الاحاسيس والمتغيرات، حتى بات شعار الجميع أهم من الأنا... هو رمز الحياة بالنسبة لي، لكن فيك يا وطني وجدت الأنا يسبقها فارق واحد انه لا يوجد الجميع نهائيا.... الأنا وصلت بسمها حتى قتلت الروح الطيبة في داخل كل إنسان...، كيف إذن تعتب علي وتطلب ان أغير ما لا يمكنني تغييره؟؟
وجعي كبير يا وطني، لكن صدمتي أكبر، بل خيبتي أجهضت كل طموحاتي، مزقت أرقام هواتف التواصل، اغلقت نافذة التكنلوجيا المحمولة معي، قد أبتسم لمن أراه مجاملة، لكن بالتأكيد أبتلع وجعي هالة من الضياع ، أفترشها حين وحدتي، أندب زمني الذي أعاق وطني، جعله بدون راع أو كفيل... وطن بلا دين، بلا تسامح، بلا صدق، واسمح لي ان أقول... بلا شرف، لقد مات الشرفاء بل أعدموا او إقصوا الى زوايا حالكة السواد، وعذرا يا وطن إن تجرأت وقلت أنك بلا دين... فقد شعرت أن الدين في وطن قد تلون، لم يكن كما في عهد اجدادي الذين وبرغم كل المضايقات من ذلك الطاغوت الذي مارس زبانيته عليهم أنواع التعذيب، سحل، ضرب،كي هتك بكارة، قتل كل ذلك.. إلا أنهم حافظوا على سريرة بياض الحس الديني، عاملوا عذريته بصيانة شرفه، لانه يعني الفرق بين الحق والباطل، لكن الآن فما أراه قد تغيرت معالم وجهه، فلا يمكنني التمييز لكثرة الصور... اسمح لي يا وطن أن اخرج من دائرة الدين هاته، لأنها دوامة لا تنفك تبقى تدور .. وتدور .. وتدور .. دون توقف...

أتراك يا وطني لا زلت تلومني!؟ أو تسأل بماذا عدت من غربتي إليك؟ ماذا يمكنني أن أفعله ومن مثلي لك وأبناء وطني؟ سؤالك هذا يقتلني، بل قتلني فعلا... فيا سيدي أني اقدم ما أستطيع... كلمات تداوي جرحي وجرح من استوطن الغربة بيوت فارهة، صحية آمنة بكل معنى الكلمة، قد لا تكون بمستوى من يسمع أو يقرأ عنها، فالوجع الذي أشعر به لا أظن أني أقارنه بوجعك، او وجع من لثم غربتك وهو على أرضك، أظنك سمعت المثل الذي يقول ( غريب الدار تنهشه الكلاب) واصدقك القول مرة أخرى... الكلاب في غربتي وديعة، إنها خير صديق... بل أفضل من البشر بكثير، إلا ان غربة إنسان في وطنه تنهشه كلابه هي من هربت منها، ليس كوني جبانة .. اقسم لك أني لست كذلك، لكن ماذا يمكن لصوت يصرخ في فضاء ويرتد صداه صفعات في غياهب سجون أن يفعل؟ نعم أعلنها أني لا أوفيك حقك... لكن لا تلمني على ما يحدث لك، فلست ممن أساء لك بمتغيرات التسميات والعناوين التي أزكمت الأنوف، فعفن من بعد عفن، وقيح من بعد قيح، لاشي جديد سوى المسميات، فلا زال اسلوب حياتك يا وطني هو ..هو لم يتغير، بل أصبح أسوء، سأعود الى غربتي، أترك فيك عبارات دونتها بين من أحب حقيقة وبين من أجامل... بهرج رأيته جذبني كفراشة، لكن سرعان ما خبى وبت أطير تائهة مع نفسي في عالم متاهات كل معاناة غربتي، والحقيقة هي أحلى من مرارة ما أحسست به حين وطأة تراب أرض أمي وابي وأحبتي، اعود خجلة أسألك... هل ضجرت مني؟ أو هل كرهت وجودي بين من مسحت القواميس كل الكلمات على أفواههم فباتوا يتحدثونا فقط بحد اللسان وفوق شفاه دون معاني للتطبيق؟ هل بات أهلي كلهم بهذه الصورة؟ لا أخفيك شعرت بصغر حجمي أمام عالمك، فهو يحمل بطيات نسماته الغربة بأشكال مختلفة، ملتف بدثارات ورقية مختلفة الألوان.. طغت الموضة عليها، فباتت تحمل مسميات غريبة على أذني، لكني سأبقى... وهذا وعد مني لك، أني سأحملك نبضا في صدري أبد ما حييت، سأبقى أعزف حزنك أشعار غربة حتى ينقطع حبر أيامي، لتبقى عناويني تزدان بغربتي عنك حبي الأول والاخير في وطن الغربة عنوانها جراح بلقيس.