النقاط على الحروف

، بقلم فيصل سليم التلاوي

تمهيد:

قبل أيام معدودات كنت على موعد مع مهرجان (القراءة للجميع)، الذي يقام في قاعة المكتبة الوطنية بعمان، و يستمر أربعة أيام، و ذلك لأنني أنتظره و ينتظره غيري من القراء – على ندرتهم في هذا الزمن – من العام إلى العام، لرخص ثمن ما يعرضه من كتب، مما يجعلها في متناول الجميع.

و لحرصي الشديد على حضور الافتتاح، خشية أن يتخطف الناس الكتب القيمة في الساعات الأولى للعرض، فإنني قد حضرت مبكرا قبل حوالي نصف ساعة من موعد الافتتاح، أو لعلني قد حضرت في الموعد المحدد الذي أعلن عنه في الصحف، دون أن أحسب حساب التأخير المعتاد في مثل هذه المناسبات. فأخذت أسلي نفسي و أزجي وقت الانتظار، بتأمل اللوحات الفنية المعروضة في صالة للعرض خارج معرض الكتاب، و من بينها لوحات لآيات قرآنية و رسائل مكتوبة بالخط العربي القديم قبل تنقيطه و تشكيله. و كم هالني و ملأني إعجابا ما شاهدته من تحف بديعة في رونقها و أناقتها.

و رغم انقضاء بضعة أيام على ذلك المشهد البديع، فإنه لم يبرح خيالي، و لا زلت أتملاه و أتمعنه كأنه لا يزال ماثلا أمامي، فأقارن بين رسم تلك الحروف غير المنقوطة و بين حروفنا الحالية، على الهيئة التي انتهت إليها في القرنين الأول و الثاني الهجريين، ثم جمدت عند تلك الهيئة، التي تركت كل كلمة و قد أحاط بها دفقة من رذاذ النقاط و حركات التشكيل و التنوين و علامات الشدة، المنثورة عالي الكلمة و سافلها، فأجد ذلك النوع الأول من الكتابة الخالية من التنقيط أبهج منظرا و أكثر أناقة و أسرع كتابة، من كلماتنا الحالية الغارقة وسط غمامة من النقاط و الحركات، التي تحيط بها من كل جانب، و وددت لو بقيت كتابتنا دون تنقيط، و حافظت على ذلك المنظر الجمالي البديع، لكن أنىّ لنا ذلك، و من أين نأتي بالسليقة السليمة القادرة على التمييز بين الحروف دونما نقاط تميزها عن بعضها مثلما كان يفعل الأولون؟

بداية التنقيط:

مهما تعددت الروايات حول بداية التنقيط، فإنها تجمع على رأي واحد كان هو الدافع المحرك لهذا الاجتهاد، و هو تفشي الخطأ و عدم القدرة على التمييز بين الحروف المتشابهة رسما، كالباء و التاء و الثاء و النون، و الفاء و القاف، و العين و الغين، والجيم و الحاء و الخاء، و الصاد و الضاد، و السين و الشين، خاصة بين حديثي العهد بالإسلام من غير العرب.

فإذا كان لدى العرب من الملكة الفطرية، ما يساعدهم على تمييز الحروف المتشابهة بالسليقة من خلال سياق الكلام، فإن المسلم الذي لسانه غير عربي لا يمكنه التمييز بين الحروف المتشابهة في مظهرها، ولذلك فقد اجتهدوا في ابتكار وسيلة للتغلب على هذه المعضلة.
و تكاد معظم الروايات تجمع على أن نصر بن عاصم الليثي، و هو من تلامذة أبي الأسود الدؤلي، هو أول من وضع النقاط على الحروف، و ذلك بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي، تلافيا لما شاع من الأخطاء بين المسلمين من غير العرب، و كان أستاذه أبو الأسود الدؤلي قد سبقه بوضع حركات التشكيل ( الضمة و الفتحة و الكسرة )، بتوجيه من الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - تلافيا للحن و تسهيلا للنطق السليم و ضبطًا لأواخر الكلمات.
التوقف عند الخطوة الأولى:

خلال القرنين الأول و الثاني الهجريين واكب علماء اللغة تطور الأحداث، و توسع المجتمع الإسلامي و انفتاحه، بإقبال أبناء الشعوب المسلمة في البلاد المفتوحة حديثا على تعلم اللغة العربية مثلما أسلفنا القول، فذللوا لهم الصعب بابتكار التشكيل أولا، ثم التنقيط ثانيا لتسهيل نطق الحروف و كتابتها بصورة سهلة ميسورة، و قد كان ذلك العمل قفزة هائلة بمقاييس ذلك الزمان، و تطويرا خلاقا سهّل على المسلمين، و متعلمي العربية من غير العرب سبل النطق و الكتابة بالعربية.

و السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا كان المجتمع خلاقا و متطورا و مبتكرا خلال القرنين الأوليين، ثم جمد على تلك الهيئة التي تركها عليه نصر بن عاصم الليثي؟ و لماذا لم يلحق بتلك الهيئة المبتكرة للحروف أي محاولة للتطوير و التجديد و الإضافة، طيلة ثلاثة عشر قرنا لاحقة، حتى غدت مسألة تنقيط الحروف و كأنها أمر وقفي لا يجوز المساس به، و كأنه لا يحق لنا و لا لغيرنا ممن سبقنا، أن يمس ما أبدعه و ابتكره علماؤنا الأقدمون.

إننا نعيش في عصر السرعة، و عصر تكنولوجيا المعلومات و الثورة الرقمية، التي قربت كل بعيد، و سهلت كل صعب في شتى نواحي الحياة، و تزودنا كل يوم بجديد. فلماذا لا يكون لنا مساهمة في تطوير أدوات نطقنا و كتابتنا، ولحاقنا بركب الحضارة السريع؟ لماذا استطاع القدماء ابتكار ما سهل على أبناء عصرهم سبل القراءة و الكتابة، و لم نحاول نحن لا تسهيلا و لا تطويرا بعد ذلك؟

إن هيئة هذه الدفقة من النقاط و حركات التشكيل و الشدة فوق الكلمة و تحتها، ليس منظرا جذابا و لا حضاريا في مظهره لدى النظرة الأولى.

فإذا انتقلت إلى الجانب العملي وجدت التنقيط عامل إعاقة و إبطاء، مثله في ذلك مثل حركات التشكيل (الفتحة و الضمة و الكسرة)، التي فصلنا القول في مقال سابق بأنها أحرف ثلاثة ناقصة في أبجديتنا ( ألف صغيرة و واو صغيرة و ياء صغيرة )، و تستحق أن يُبحث لها عن ثلاثة رسوم تدخلها وسط الكتابة، و لا تتركها معلقة حول الكلمات، لتصبح حروف العلة في لغتنا ستة أحرف و ليست ثلاثة، مثلما هو الحال في باقي اللغات كالإنجليزية و الفرنسية مثلا.

إن العودة لوضع النقاط و الحركات أثناء الكتابة، يستنزف أكثر من نصف الزمن اللازم لكتابة مادة معينة. فتخيل نفسك عند فراغك من كتابة كل كلمة، و أنت تتوقف لتعود فترش حفنة من النقاط قَلّت أو كثرت، بحسب نوع حروفها أعلى الكلمة أو أسفل منها، ثم تعود لتستكمل مسيرتك الكتابية للكلمة التالية، ثم تعاود التوقف لرش دفقة جديدة من رذاذ النقاط، ثم تعاود الكتابة و هكذا دواليك. إن مثل ذلك كمثل الإنسان الماشي الذي يقدم رجلا ثم يؤخر أخرى عقب كل خطوة.

إن توالي هذا التوقف و الرجوع للخلف عند الانتهاء من كل كلمة، لأمر يبطئ الكتابة و يعيق سرعتها، و يجعلها تستغرق ضعف الوقت اللازم أو أكثر، فيما لو كانت الحروف متصلة مسترسلة دونما نقاط.

إلى جانب أن هذا التوقف المتتابع يؤدي إلى قطع الاسترسال و التواصل في كتابة الجملة حتى نهايتها. و ربما يستتبع ذلك انقطاع الفكرة الواحدة المتصلة و المتسلسلة بهذا التوقف و الرجوع المتكرر كل آن.

فهي إذا ثلاثة دواعٍ تستدعي تطويرا لموضوع التنقيط:

أولها: جمالي حيث أن الحروف غير المنقوطة أكثر جمالا و أناقة و رشاقة.

و ثانيها: إبطاء و إعاقة الكتابة، بحيث يستغرق الكاتب ضعف الوقت اللازم تقريبا.

و ثالثها: إمكانية انقطاع الأفكار و ضياع تسلسلها، بانعدام الاسترسال و التواصل الدائم، عند الاضطرار للتوقف و العودة عند نهاية كل كلمة.

اقتراح حروف غير منقوطة:

و بناء على ما تقدم، فإن من الضرورة الملحة أن يعاد النظر في الحروف المنقوطة، فيفتح باب الاجتهاد للبحث عن بدائل غير منقوطة، ما دام الأمر ضمن باب الاجتهاد، و ليست هيئة الحروف أمرا وقفيا على صورة لا تتغير و لا تتبدل، و قد سبقنا من قبلنا من أصحاب القرنين الهجريين الأوليين، فاجتهدوا في ابتكار ما كان في زمنهم تسهيلا، وصار في زمننا تعقيدا و مبعث إبطاء و إعاقة، فما المانع من المبادرة باستبدال الحروف المنقوطة بحروف جديدة غير منقوطة، على أن يترك الأمر لأهله من ذوي الاختصاص، و أهل المجامع اللغوية في شتى العواصم العربية، ليتداولوا الفكرة و يمحصوها، ثم ليختاروا رسوما مناسبة للتفريق بين الحروف المتشابهة.

و لو جاز لصاحب هذه الفكرة أن يقترح بدايات لهذا الحل على سبيل المثال، فإنه يقترح مثلا التفريق بين السين و الشين بجعل السين دون أسنان و الشين بأسنان أو جعل سنين للسين و ثلاثة أسنان للشين، و الصاد مثلا دون السن الصغير الذي يتبعها، بينما الضاد مقترنة بذلك السن الصغير، و التفريق بين الفاء و القاف بطول عنق إحداهما و تقصير عنق الأخرى و هكذا.

هذه مجرد اقتراحات أولية لحروف دون نقاط، و عندما يشتغل على ذلك أهل الاختصاص من اللغويين، فمن المؤكد أنهم قادرون على ابتكار رموز و صور و هيئات مناسبة. و عندما يتم الاتفاق عليها و الإجماع على صورتها النهائية، يصار إلى اعتمادها في المناهج الدراسية و المطبوعات في المراحل التمهيدية فالابتدائية فالمتوسطة مرحلة فمرحلة بشكل تدريجي.
و بهذا نخدم لغتنا و نطورها، لتواكب العصر الذي نعيش فيه، بما يزخر به من تقنية و دقة و سرعة، بدل أن نظل في المكان الذي وضعنا فيه نصر بن عاصم الليثي
على حسن صنيعه - قبل ثلاثة عشر قرنا لا نبرحه أبدا.