دستور مصر وموازين القوى المختلة

، بقلم محمود عبد الرحيم

حين نطلق على مسودة الدستور المصري الجديد وصف «دستور 30 يونيو» أو «الدستور العسكري» أو «دستور السيسي»، فليس من قبيل المبالغة، وانما اقرار واقع، وتوصيف موضوعي لوضعية مصر الآن، وموازين القوى داخل المجتمع المصري التي باتت مختلة لصالح الجنرالات بزعامة قائد الجيش، على حساب شركاء الأمس من الإسلاميين بقيادة جماعة الإخوان، الذين سبق ووضعوا دستورا يمكن وصفه بـ«الدستور الإخواني» حين كانت كفة الميزان تميل لصالحهم، وإن احتفظ الجنرالات بمكاسب فيه، فيما القوى المدنية بأحزابها وحركاتها الليبرالية واليسارية أثبتت في كل الصفقات الكبرى والمعارك والأحداث الممتدة منذ إبعاد الديكتاتور العجوز مبارك عن السلطة، انها خارج المعادلة، مجرد مجموعات محدودة الأثر تتأرجج بين المعسكر «العسكري» والمعسكر «الديني»، وتصطف وراء من معه الغلبة، بحثا عن مكاسب انتهازية محدودة، أو دور«الكومبارس»، بعد أن عجزت أن تكون رقما صعبا في معادلة القوى في الشارع، وارتاحت للدور الثانوي غير المكلف، وظهر للعيان أنها جماعة مصالح بلا ثقل أو أدوات ضغط، أو بالأحرى مجموعة أشخاص من الاكاديميين والمثقفين والمهنيين وبعض رجال الأعمال والحزبيين، الذين وجودهم إعلامي فقط، وليسوا تنظيما بآليات العمل السياسي، وقواعده المتعارف عليها.

ومثلما كانت «الجمعية التأسيسية» بتشكيلتها ذات الأغلبية الدينية، وملابسات تكوينها وآليات عملها المريبة، وقيادة كادر إخواني لها هو سعد الكتاتني في نسختها الأولى، والقاضي الإخواني حسام الغرياني في نسختها الثانية، وما انتجته من «دستور 2012» المعروف بـ«الإقصائي والطائفي»، تعكس هيمنة التيار الديني بقيادة الإخوان على المشهد في تلك المرحلة، ومحاولة تحصين مكتسباتهم، وتوفير أدوات حماية لهم، وأيضا إقرار التفاهمات بين الجماعة والجنرالات على مصالح كل منهما، وكان «حزب النور» السلفي العنصر المستحضر لدعم هذا التحالف، الذي بدأ إبان انتفاضة يناير الشعبية، فإن الوضعية لم تختلف كثيرا مع «لجنة الخمسين» المعينة بقيادة أحد رموز نظام مبارك البارزين ووزير خارجيته السابق عمرو موسى، وأغلبية من المحسوبين على المؤسسة العسكرية و’النظام المباركي’، المنخرطين في مؤسساته الرسمية وشبه الرسمية، أو من هم في أحزاب المعارضة الشكلية، وبعض المثقفين والاكاديميين والحزبيين الباحثين عن دور وراء الجنرالات، وبمشاركة أيضا «حزب النور» الذي تم إدخاله للعملية السياسية للعب دور المحلل للصفقات المشبوهة، وأداة ضغط في يد من صنعه، ووفر له التمويل الضخم والحضور الواسع في الساحة الإعلامية والسياسية.

هذه اللجنة أيضا أتت بمنتج دستوري مشبوه، يجسد مكاسب من اختار منتسبيها، ويجعل للجنرالات حصانات وضمانات تتلاءم مع مساحة الدور المتسع الذي باتوا يلعبونه في المجتمع، واستحقاقات 30 يونيو التي أعادت بقوة للواجهة نظام مبارك وشبكة مصالحه، وجعلت من المؤسسة العسكرية الوصي على مؤسسة الحكم، بل فوق كل المؤسسات، والمعبر عن الارادة الشعبية، نيابة عن الشعب، الذي بات عبارة عن حشود يتم استحضارها لمهمة محددة هي إعطاء التفويض للجنرالات ليقرروا ما يشاؤون، ثم الابعاد عن التأثير في المشهد، والاكتفاء بالفرجة. وللأسف، فإن الحالة المصرية تنسف كل القواعد والأعراف في وضع الدساتير، ومنطقه وفلسفته، من حيث أنه عقد اجتماعي ينظم العلاقة بين السلطة والشعب، أو بين المؤسسات المختلفة، ويحدد بدقة الحقوق والواجبات للحاكم والمحكوم.

وأن الدستور يعمل على إحداث توزان بين كل القوى السياسية والاجتماعية، والمصالح المتضاربة، ويحدد قواعد المنافسة العادلة على السلطة، بشكل يضمن تكافؤ الفرص بين جميع اللاعبين، ولا يجعل الغلبة لأحد. كما أنه يستبدل «شرعية القوة» بـ«الشرعية الدستورية» الحامية للارادة الشعبية، كونه المرجعية الأساسية وأبو القوانين الذي يجب أن ينصاع الجميع له، ولا ينتهكه، أو يحوله لحبر على ورق، أو وثيقة يجري تفسيرها حسب الأهواء، أو شعارات براقة تخفي وراءها آليات الفساد والاستبداد. فما جرى ويجري على الأرض عكس ذلك تماما، فالسلطة في مصر الماضية والحالية، هي من أتت برجالها ليصنعوا لها دستورا يعطيها الصلاحيات التي تريد، ورغم الشعارات المنمقة، فواقع الحال أنه لم تتم بعد كتابة دستور لكل المصريين، أو للمستقبل، كما هو المأمول، وانما لصالح وتوجهات فئة أو جماعة مصالح مهيمنة، وللحظة الراهنة بكل اشكالياتها.

ولاشك أن القواعد والقـــــيم المؤسسة لدولــــة ديمقراطية مدنية حديثة، إن كانت في الواقع لا تجد قـــناعة حقيقيــــة لدى الأطراف المؤثرة في اللعبة السياسية في مصر، ولا يوجد وعي جماهيري وانحياز لها، مقــــارنة بالحماس للاصطفاف خلف فكرة القوة والاستقرار، المسيطر على ذهنيـــة الأغلـــبية، بصرف النظر عن ثمن ذلك الذي يتم خصـــمه من الحقــوق والحريات، فالدستور أيضا يعمل على تأصيل ذلك، وتعـــرية حقيقة أنه ما هو الا محصلة الصراع الســـياسي وموازين القـــوى لكل التيارات، فيما حصة الشعب منه مواد أشبه بوعــــود مجانية كتلك التي يطلقها المرشحون في الانتخابات، ثم يتراجعـــون عنها، ويخرجون لسانهم للناس إبان فوزهم، من دون أن يكون من حق الجماهير المحاسبة، أو عقاب من خدعهم وغرر بهم، أو باع لهم الأوهام، خاصة بعد أن يكون صاحب حصانة، ومحميا بالقوة المادية أو المعنوية.

ولعل من يسترجع خطاب الإخوان ورئيس الجمعية التأسيسية والحملات المروجة للدستور الذي وضعوه، ويقارن ذلك بخطاب (أبناء السيسي-مبارك) و(جماعة 30 يونيو) ووسائل إعلامهم لن يجد اختلافا يذكر، فنفس المفرادت التي تلعب على مشاعر الجماهير، وتبتزهم للتصويت لصالح الدستور، مرة بوعد الاستقرار والبناء، ومرة بالتخويف من الفوضى والفتنة وتعطيل عمل المؤسسات وعودة النظام القديم.

ولا أحد يقول للجماهير أقرؤوا، وقرروا بارادة حرة، وانما قولوا نعم، وما وراء ذلك النهج من احتقار واستغلال للجماهير، وصيغة توجيه وتعبئة وحشد أشبه بإعطاء أوامر أو تعليمات، واننا نقرر لكم ونعرف أكثر منكم.

ومثلما دفع الإخوان بمسودة الدستور دفعا للرئيس قبل عرضه للحوار المجتمعي، لقطع الطريق على أية تعديلات وتمرير المواد المشبوهة والمعيبة بقوة الأمر الواقع، وتجاهل الاستجابة لردود الأفعال والانتقادات وصم الآذان عن دعوات تصحيح الأخطاء للخروج بوثيقة عليها توافق ورضاء شعبي، فعل الشيء نفسه عمرو موسى و(جماعة السيسي وحلفاؤه)، بل ان ذات الرد الساذج على المعارضين يتكرر، بأن ثمة فرصة لتعديل أية أخطاء أو مواد خلافـــية في البرلمان القادم، ولو كان ثمة ادراك بان ثمة ما يحتاج للحذف أوالاضافة أو التغيير، فلماذا لا يتم الآن؟ لكنها لعبة خداع لا تنطلي على أحد.

وأية عملية رصد وتحليل لخطاب أو سلوك كل من الإخوان والجنرالات وجماعتهما، على صعيد الدستور، أو فلسفة الحكم، ستصب في خانة أن ذات التوجهات واحدة، وهي تكريس مكاسب خاصة، والحفاظ على تركة الفساد والاستبداد، ونهج الهيمنة وشراء الولاءات، وتقريب الحلفاء وإقصاء المعارضين وتهميشهم، لكن ربما مفردات الخطاب تتغير في بعض المواضع، ويتم استخدام عنوان عريض هو الوطنية والتخوين عند الجنرالات وأنصارهم، والشريعة والتكفيرعند الإخوان وأشياعهم.

ويبقى شعار ‘الثورة’ و’الثورة المضادة’ و’المؤامرة الداخلية والخارجية’ مصطلحات يعمل كل طــرف على استحضارها وتأويلها، حسب متطلبات الدعاية الدفاعية أو الهجومية الخاصة بكل منهما، فيما الاثنان فعليا ينتسبان لـ’الثورة المضادة’، إن جاز اعتبار انه قد جرت في مصر ‘ثورة’، وليس حراكا شعبيا احتجاجيا، تم حرف مساره، وأقصى ما يوصف بـ’الانتفاضة’ المستغلة التي لم تصل لأية محطة، وأن المؤامرة بشقيها الداخلي والخارجي، انخرط فيها بقوة كل من الاخوان والجنرالات، وكلاهما استعان بالخارج في صراعهما على السلطة، وبكل الحيل المشروعة وغير المشروعة.

وكلاهما استغل الجماهير ورقة في الصراع ضد الآخر، أو أداة اكتساب شرعية مزيفة، ثم التنصل لهم، وتكريس وضعية العبيد والأسياد.

يبقى أن نؤكد أنه حتى تتبلور قوى مدنية حقيقية، وحتى يتم إدخال الجماهير للمعادلة وتحريرها من الاستغلال وتغييب الوعي، فلن يحدث توازن في موازين القوى في المجتمع، وستظل الكفة تميل مرة للتيار الديني، ومرة للجنرالات، أو لتحالفهما الشرير، وسيبقى الدستور والقوانين، ومجمل قواعد اللعبة السياسية في يد الطرف القوى يمرر ما يشاء، ويحصل لنفسه على أعلى ما يستطيع من مكاسب.

وتعديل هذه الوضعـــــية، والدخول لمرحلة التحول الديمقراطي الحقيقي، للأسف سيستغرق سنوات ليست بالقليلة، ويحتاج لنضالات ديمقراطية مفتوحة، ودفع ثمن ليس بالهين في مواجهة الاستبداد بوجهه الديني أو العسكري، وتفكيك شبكات المصالح الفاسدة ذات الدعم الاقليمي والدولي.