حوار مع كئيب....

، بقلم محمد مسلم الحسيني

لا يضحك ولا يبتسم عندما يمر مؤديا تحية الصباح، وسرعان ما ينهمك في عمله متجنبا الإحتكاك بالآخرين أو الكلام معهم.....هذا هو ديدن زميلنا في العمل الذي لم يتغير منذ ان عرفناه.... نشعر فيه وكأنه موجود معنا بجسده دون فكره، فهو يعطي الإنطباع وكأنه يعيش في عالم بعيد وغريب غير عالمنا الذي نعيش...! له شخصية قاتمة، كثيرا ما تثير التساؤلات، ورغم وجوم وجهه كانت عيونه تشع ذكاءا وفطنة!

وفي يوم من الايام، شاءت الصدف أن نلتقي على طاولة واحدة ونحن نصيب طعام الغداء في المطعم الكبير داخل المؤسسة.... عندها صحت مع نفسي وجدتها ! كما صاح أرخميديس في حمامه حينما اكتشف نظرية وزن السائل المزاح! فلقد جاءت الفرصة ولن تفلت منّي....فسأبحث عن سرّ وجومه وإنعزاله ومهما كلّفني الأمر... وهكذا انتعش الحديث بيننا وحصل الحوار....

قلت له: أرى في وجهك غيوم...

نظر لي نظرة غامضة ثم قال: بل في نفسي مطر....

قلت: الحياة متعة فاسرح في مناكبها...

قال: خذ مني المتعة وأرفع عني الألم....

قلت: فيها مال وبنون وقلب حنون.
قال: المال يأتي ويروح ، فحينما يأتي لا أفرح فيه وعندما يزول أبكي عليه. فمن كثرة حبي له صار هدفا .... وهذا ما أتعبني!

قلت: والبنون؟

قال: لا أريد أن أظلم أحدا كما ظلمت... فأنا لا أودّ أن أصنع من سيعاني مثلي أو أكثر منّي....

قلت: والحب؟

قال: بحثت عنه طويلا فلم أجده، وعندما وجدته كان عذابه أكثر من متعته.....

قلت: في الدنيا ربيع ، تورق الأشجار فيه ويغني به العندليب وتفوح فيه عطور الياسمين....

قال: في الدنيا خريف، تتساقط الأوراق فيه وترحل فيه الطيور وتختفي عنه العطور…. فما الدنيا إلاّ أضداد والليل لا يبوح أسراره للنهار....فقد تعبت من حياة لا راحة بها إلآ بعد تعب ولا أنس فيها إلاّ بشقاء.....

قلت: الحياة تطور....

قال: التطور نتاج الماضي والحاضر، فمن يخطئ بفهم الماضي يضيع في متغيرات الحاضر ولا يجيد صنع التطور.

قلت: وفيها مستقبل.....

قال: المستقبل لن يكون أبهى من الماضي والحاضر ...فأنا لا أتحسر على ذكريات الماضي وغير سعيد بمجريات الحاضر ...فكيف تريدني أن أنشد المستقبل !؟

قلت: وفيها شباب....
قال: الشباب طيف راحل سرعان ما يطويه الزمن.... فقد تصحرت فروة رأسي وتشاردت الأسنان عني وجفت عصاراتي ووهن العظم مني...... فالذي بنيته في ربيع شبابي تحطم بخريف عمري فما أسرع رحلة العمر!

قلت: الحياة قيم وأخلاق وسيرة....
قال: سمعت عن القيم ولم ألمسها وبحثت عن الأخلاق ولم أجدها وقرأت عن السيرة فلم أدركها. فالإنسان يناقض أقواله بأفعاله ويخفي الجوهر بالمظهر، فيلبس الوهم ويخلع الحقيقة!

قلت: الحياة سعادة ، فإبحث عن مقوماتها...
قال: السعادة شعور قبل كلّ شيء وأنا لم أجد مبررات هذا الشعور في ذاتي.

ثم بدأ يتكلّم وبدون انقطاع بتحمس وعصبية وبطريقة لم أعهده يتكلم بمثلها من قبل، فقال وكأنه يخطب أمام الملأ :

الإنسان في هذه الحياة يسير برحلة قصيرة....عبثيّة...غير ضرورية.... رغم أنه لا يريدها، لكنه يلتزم بها وينشدّ لها... يتعذب فيها ويستهون العذاب.... يتعب منها ويبحث عن المبررات... يتمسك بها وهي زائلة..... يطمئن لها وهي غادرة..... يعشقها وهي كارهة..... يبكي عليها بدل أن يبكي منها.....يرتفع فيها دون أن يترفع عنها.... يتحصّن فيها ولا يتحصّن منها.... يستقبلها وهو يصرخ ثم يودعها وهو يئن... يلعن ماضيه لكنه يتطلع لمستقبله..... !

أردت أن أقاطعه بعد أن أسهب في لعن الحياة وذمّها فقلت له مبيّنا تشخيصي لحالته: نظرتك المتشائمة نحو الحياة يا صديقي تدلّ على أنك رجل كئيب !
قال: الكئيب هو الذي يصحو من غفوة الوهم ويطّلع على كنه الحقيقة، فيعرف الحياة بواقعها الصحيح دون سجن المطاليب وغشاوة الالتزامات.....

رجعت الى داري وأنا أفكر بأمر هذا الرجل....أستغرب من درجة تشاؤمه وتطرف مفاهيمه، أتساءل مع نفسي عن أسباب هذا العارض ولماذا يرى بعض الناس هذا العالم الجميل بمنظار قاتم .... كنت أدعو الله أن يشفيه...أن يعافيه.....أن يزيل عنه هذه الكآبة!.

وقبل النوم وبين طيّات الفراش فكرت مليّا بطبيعة الحوار الذي دار بيننا ...تمعنت فيه...راجعت كلّ الكلمات... قلبت كلّ الأوجه..... توقفت عند كلّ معنى....ثم بدأت أحاور نفسي بنفسي وقد كان الحوار عميقا قاسيا.... حتى شعرت بالتعب والإرهاق...

يا إلهي....ماذا أصابني....!؟ فقد بدأت أتفهم معاني كلماته وأقتنع فيها رويدا رويدا....
أقتحم النهار الليل وجاء الصبح ثقيلا....لكنني لم انهض من فراشي.... بل وجدت نفسي مرميّا بأحضان الكآبة !!!