ماذا بقي من الجزائر التي صنعت مانديلا؟

، بقلم عثمان آيت مهدي

لمَ يتكالب بعض الجزائريين على الكرسي؟ ولمَ يتنابزون بالخيانة والنفاق والعداوة للوطن؟ أحبّا في الزعامة والقيادة أم طمعا في المسئولية؟ السياسة هي فن الممكن، أو قل هي ابنة الخيانة والكذب، لا يمارسها بهذا المفهوم إلا من كان أهلا لها، جديرا بها، يرى الحقّ باطلا، والباطل حقّا. إنّهم من شر ما خلق الله، الساعين في الأرض فسادا، العاملين على إشاعة الفتنة والخراب؟ وبالمقابل، لمَ يتأفف بعض الجزائريين من هذا الكرسي؟ ويعرضون عنه إعراض العدو عن عدوه؟ ويبحثون عن المجد والعظمة بالعمل الصالح والكلمة الطيبة والفكر المستنير؟ يرون الوطن حقّا، وخدمته واجبا، والإخلاص له خلقا يدخلهم تاريخ الرجال وقادة الأمم، ولا يتقربون من هذا الكرسي إلا تقديرا لمنزلته وخوفا من عدم تحمل مسئوليته.

بالأمس، كانت الجزائر مضرب الأمثال، أرض الثوار وقدوة الأحرار، أعجب بنضالها كبار هذا العالم، وتبنى أفكارها الساعون إلى حرية الشعوب، الحاملون لواء الانعتاق من عبودية الإنسان وقهره. ولا أجد في هذا المقام مثالا أحسن من الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا الذي عانى من ويلات نظام الأبرتايد، في وقت، كان الجزائري قد عانى من ويلات المستدمر الغاشم الذي احتلّه قرنا ونيّف من الزمن، فكان بعد ذلك أن تعانقت ثورة الجزائري ضد الاحتلال بثورة الجنوب الإفريقي ضد التمييز العنصري. وكان للجزائر الفضل والقدوة للزعيم نيلسون مانديلا والشعب الجنوب أفريقي، وهذا باعتراف الزعيم نفسه والكثير من الأقلام الصحفية والتاريخية الجادة.
تستقل الجزائر سنة 1962م، ويخرج "ماديبا" كما يلقب من أنصاره وشعبه من السجن في فيفري سنة 1990م، ويشاء أن تكون زيارته الأولى خارج بلده إلى الجزائر، الأرض التي أمدته بروح الثورة وتحدي الظلم والظالمين. كانت ذاكرة المناضل الأفريقي لمّا ألقى كلمته بإحدى قاعات الجزائر مفعمة بأسماء رجال ثورة الجزائر الأفذاذ، العربي بن مهيدي، كريم بلقاسم، مصالي الحاج، وتوفيق بوعتورة وغيرهم كثير. لم ينس زملاءه الجزائريين ضد المحتل رغم سنوات السجن والتعذيب، لأن إيمانه بالجزائر كان كبيرا، وإيمانه بهؤلاء الأبطال كان عظيما.
تُسلّم لمانديلا جنوب إفريقيا بسودها وبيضها، وأبى أن يكون الرئيس الحاكم بأمره والمستبد بهواه، وفضّل أن يكون المؤمن بقضيته العادلة، الساعي إلى المساواة والإخاء بين البيض والسود رغم سنوات التمييز والظلم. الزعيم الذي تخرج من مدرسة الجزائر الثورية يقول: "الكرسي لا يصنع العظمة" يكتفي بعهدة واحدة، وينتقل إلى العمل الخيري والإنساني، وتجسيد المبادئ التي ناضل من أجلها.

أمّا الجزائر التي صنعت مانديلا فكان لها مسار آخر قبيل الاستقلال، بعضهم حضّر نفسه للاستلاء على الحكم في الخفاء، فجهّز جيشا عرمرما ودخل به إلى الجزائر من بوابتها الغربية دخول الفاتحين أو دخول المحتلين. بعضهم الآخر، رفض الاستبداد والحكم المطلق ففضل التمرد ومرارة الهجرة. والبعض الآخر، أصيب باليأس من الثورة التي صنعت مانديلا وعميروش وبوضياف وفرحات عباس وبن بولعيد والقائمة طويلة، فاكتفى بالسكوت وملازمة البيت إلى حين.
هل كان مانديلا يجهل ما وقع لاستقلال الجزائر والمبادئ التي استوحاها من ثورتها العظيمة؟ هل كانت مريم ماكيبا المناضلة الجنوب إفريقية تجهل نظام الجزائر حين غنّت: "أنا حرة في الجزائر". وهل كان مارسل خليفة جاهلا لما آل إليه الوضع بعد استقلال الجزائر وجاءها ليطربها بأغانيه الثورية، "مناضلون" "وأحنّ إلى خبز أمّي".. هل الجزائر التي كانت تصدر الثورات وتشحذ الهمم وترفع رؤوس المستضعفين أيام زيغود يوسف وعبان رمضان وسي الحواس.. هي الجزائر اليوم، جزائر قوارب الموت والاختلاس والفساد في عزّ حكم من عاشوا الثورة واكتووا بنارها؟
ما أروع أن تعيش لفكرة لا تحيد عنها إلا من أجل مراجعتها أو تصحيحها! وما أنذل أن تدّعي فكرة وتنقلب عليها بعد سنوات من أجل مكاسب زائلة!