مدارج الحكي في ليليات بلقزيز عبد المطلب عبد الهادي

استهلال ..

بكامل فتنتها جلست أمامي .. تنظر إلي بغنج ودلال ..

تتمَنَّع مرة .. وتمنحني أسرارها مرات ..

في حضرتها يحلو الكلام .. لكن مزاجها المتقلب يسد منافذه فتصبح هلامية عصية على القبض .. تصم آذانها وتشيح بوجهها العامر بالفتنة عني فينحبس القول في صدري .. ويتجمد الحبر بين أناملي .. وتعلو جسدي حمى إلى البرودة أقرب ..

أفرش لها البياض، تخطو فوقه كملاك شفاف رهيف وقور كالحقيقة ..تنشر أرديتها وعيونها لا تفارق عيوني وملمسها لا يفارق أناملي ..فتنساب رهيفة، قوية، غاضبة ..

يدي في يدها من أول الخطو إلى آخر الكلام.. وأرتاح حين تغمض جفونها مطمئنة تتمدد مبتعدة وقد أخَذَتْ معها شيئا مني حبي .. ودمي ..

الليليات ..

"ليليات " حكي ينفتح على الذات راسما لخطوطها مسارات تنسج الواقع بالخيال والحلم باليقظة والفلسفة بالادب ...

" ليليات " حكي ينحث كلماته من رحم لغة شفافة تصنع صورا تشد القارئ كأنها السحر ..

" ليليات " حكي يبعث الدفء في الحروف .. في الكلمات .. في اللغة مسافرا عبر مساراتها تتفتق من يد صانع / كاتب خيوطا من ذهب تطرز الواقع شعرا مرة .. تاريخا مرات .. حوارات مرات اخرى ..

تطل علينا الليليات تحيك أسرار الليل تحيله بياضا يشع بجمال الحكي السلس والهادئ .. فالليل بداية الحكي والنهار نهايته.. وبين الليل والنهار والبداية والنهاية يغوص النص في فضاءات وشخوص تزيد الحكي جمالا ولذة وتُعمق سر البوح وتفتح أبواب الكلام ..

هكذا أطل الكاتب " عبد الاله بلقزيز " رساما .. ساحرا .. نحاتا .. صنايعي .. فيلسوفا .. أديبا.. إنه يحرث الحكي خطوطا لتنضج الأسرار .. حكيٌ شجي يجمع بين دفتيه لغة آسرة تشد قارئها .. تغوص به في عالم خاص جدا يفتح مغاليق أسراره ببطء لتنتح كاملة وعلى مصراعيها بريئة .. هادئة .. قوية .. صادقة .. صافية عبر زمن يتداخل .. ينفرج .. ينعرج .. يستقيم .. تشتد سلطته حسب أنماط الحكي الذي تعتمده الليليات لتجعل منه منارا يقطع بنا ومعنا خطواته نحو فضاءات لا يعرف خباياها إلا من خبر أسرارها وعاش عشقها لحظة بلحظة .
من رحم الكلمات تخرج الكلمات كالأسرار، تنفرج عن لذة تنبلج كفلق الصبح البين صفاؤه حين يقطع بنا / معنا الحكي مسافات لا نكاد نشعر بها، بل نشعر بلذتها تحملنا على جناح رهيف من زهر تؤثث جوانبه صدق وسحر الكلمات..

ليليات حيكت بلغة حالمة .. قوية .. موصلة.. مشاكسة.. توقف الزمن لتتخذ لها لبوسا يمتح سره من جمال الحكي الذي يسبر أغوار الذات والواقع والحقيقة التي تنصهر - كلها - اخذة من الشعر والسياسة والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس تفاصيل تؤثث الليليات كتيمات قوية تتخذ لها فن السيرة الذاتية مرجعا لفن القول فاتحة أمام القارئ مغاليق الذات لينخرط في الحوار عبر الانصات والتأمل والتأثر الذي تفرضه اللغة الرصينة التي اعتمدها الحكي كاداة لفك رموز الاسرار ..

2 ـ تقديم كبداية للحكي:

بداية الحكي جاءت بأصابع تعرف كيف تختار لحن الوجود.. أصابع خبرت سر الجمال كلمة ولحنا وإيقاعات ..

بداية الحكي تعزف على أوثار تنبعث منها ألحان الذكريات التي تتجدد دائما بتجدد العزف ..
تنفتح الليليات على لحن/صوت قوي حر يمتح جهوريته من أرض النضال والبطولات.. من أرض التسامح والعطاء ..

تنفتح الليليات على صوت الفنان مرسيل خليفة - كمقدمة - توحي بتناغم الأصوات والأحداث والفضاءات كلحن عذب يمتح نغماته من أوثار قلب يحكي للماضي والآتي والمستثر في علم الغيب عن أسرار فاضت بها الكلمة المشبعة بالحب والاحترام وتقاسم الأيام والليالي..
انفتاح الليالي على صوت الفنان الفلسطيني مرسيل خليفة يعني انفاتحها على العالم الفسيح.. على جرح الحكي الذي لا يكاد ينتهي ليبدا من جديد قويا صادقا ..

عندما يقدم الفنان العربي مرسيل خليفة لليليات فإنه يعزف لحنا خاصا .. لا يغني لليله فقط، بل للّيالي التي تمتح إيقاعاتها من ذكريات ولقاءات حميمية جمعته بالكاتب كأنه يعزف على عوده الذي يضمه إلى صدره ليخرج من قلبه ألحانا لا تمحوها الأيام بل تزيدها رسوخا في الذاكرة..

حين يحكي الفنان عن لقاءاته مع الكاتب ، فإنه يحاول جمع شتات الذاكرة ليضع سمفونية تتناغم مقاطعها وتتآلف إيقاعاتها عبر حكي كانه الغناء. بصوت خافت شجي تتلقفه الحواس بشغف ويُجبر الآذان أن ترهف سمعها لتعيش لحظات تشع بالحب والفء..

بداية الحكي مفتتح لأغنية عذبة وُضعت بلحن شجي يتقاسمه الفنان والكاتب مع القارئ الذي -حين يُنصت / يقرأ - يسبح في عوالم الجمال محمولا على جناح من كلمات تعرف مواقعها تاركة أثرها حين تمر منسابة مر النسيم - حين يمُر - يترك الاجساد والعقول مخمورة بفعل دغدغاته الحانية التي تبعث فيه الهدوء الراحة والاطمئنان..

مارسيل خليفة عزف مقدمته لحن ذكريات ولحن لقاءات جمعته بالكاتب، ذكريات صاغ لحنها كلمات أبدع في اختيارها كما يُبدع عادة حين يختار لحن أغانيه عن أم الدنيا فلسطين ..

٢- مسالك الليليات:

الحكي في الليليات يتخذ له مسالك أربعة تتفرق تيماتها لتجتمع متآلفة تصنع ببراعة الكاتب / الحكاء لوحة متراصة من الأحاسيس والحقائق والأسرار التي تقف بالمتلقي – لتُمتعه ـ أمام لغة تمزج حين صناعتها بين الأدبي والفلسفي والواقعي والتخييلي.. لغة تسير نحو ذروة اللذة التي ينشدها القارئ حين يندس بين السطور والكلمات ليفتح له مسلكا خاصا كالذي أفتحه أنا الآن أُدون فيه لحظات عشق قاطعا مسالك الليليات متتبعا لذة الحكي محاولا فك رموز الأسرار التي تتمنّع عن الظهور بين ثنايا الحكي اللذيذ ..

التفسيرة.. مسلك أول:

- الليل .. الليل بداية التكوين .. منه تبدأ مدارج النور إلى مسالك الحياة والوجود ..
الليل خازن الأسرار والحكايا الملغزة ..

الليل بداية الحكي ومنتهاه .. أليس خريف العمر نهاية ومنتهى ؟ وبين البداية والنهاية ينضج ويلذ حديث النهار الذي يزخر ببوح لا بداية له كأنه الزمن الأول ، إذ " ليس للبداية تاريخ ميلاد "
الحكي في " ليليات " يوقف الزمن لحظة ليترك المجال فسيحا أمام شجون الوحدة وقوتها .. وشجون الطفولة وشقاوتها .. الطفولة التي رصعت بخطاها منعرجات المدينة الحمراء .
الحكي في ليليات يمتطي صهوة الكلمات نحو البوح والشوق والتذكر .. والوقوف على حافة مقامات البدايات والختام .. مقامات الشك واليقين ..مقامات الأنا والآخر .

صهيل الذاكرة .. مسلك ثان:

المرأة .. سر الأسرار وخازنتها .. كالليل في سكونه .. في غموضه .. في هدأته حين يرخي بظلاله على الكون مستمعا لسر اللقاءات الأولى ..المحتشمة والغامضة ..والتي تؤثث بسحرها فضاءات البوح والعشق .. الفضاءات التي تنفتح صفحاتها لتنكتب عليها مغاليق الأسرار ..
المرأة سر لا يعطي مفاتيحه بنظرة ، بل يُدخل العاشق في متاهات الغموض والشوق والأوهام..

كل سر مغامرة.. تحدّ لا يسلم مفاتيحه إلا لمن خبر دهاليزه وسقط في شراكه عاشقا كان أو كاتبا أو حاكيا..

سفر التأوين .. مسلك ثالث:

بين السياسة والشعر يشتعل الحكي هادئا مطمئنا تاركا وراءه فتنة البوح والعشق تجوب دروب مدينة تزخر بالفضاءات التي رسمت مسارات من حياة الكاتب ..

الرباط.. تعبق بسر الخطوات التي رسمت هنا وهناك.. كأن الخطو يحكي مزاراته متنقلا بين الدروب والأزقة تاركا بصماته التي حفظها الزمن لتسجلها الليليات حكاية حياة أو قطعة منها .. حكاية تشكلت بداياتها حين كانت الكلمات الأولى شعرا.. والحركات الأولى سياسة.. والصيحات الأولى بدايات النضال داخل الكلية أو خلال جلسات الأصدقاء..

وكان الأمل رفيقا لهذه الكلمات والحركات والصيحات .. الأمل الذي يصنع الغد.. الأمل الذي يفتح أبواب الحلم واسعا على مصراعيه ليصبح عزيمة تدفع إلى تأكيد الذات عبر الكلمة التي يصنع منها أملا جديدا يوزعه بين الطلبة داخل مدرجات الكلية..

النهاية.. مسلك رابع:

خريف العمر يجرنا إلى النهاية .. تلك سنة الحياة، لكل بداية نهاية..وليست كل نهاية موت .. نهاية الحكي في ليليات ليست بداية الاستسلام ولكنها طرح السؤال وفتح حوار جريء وصادق مع الذات، ليس للمحاسبة ، ولكن للوقوف أمام الكتاب الكبير المفتوح على البدايات لاستخلاص العبر التي رسمت كلمات ونضالا..

خريف العمر جلسات للتأمل .. للنظر إلى الوراء دون توقف..

قد يسير بنا الزمن سريعا ، لكن لحظات التأمل والحوار مع الذات تنشد الهدوء والتريث كما تنشد القوة والصبر لقول " من أنا ؟ .. من " كنت ؟ " ..وما الأثر الذي تركته خطواتي وأنا أسير منذ بداية الخطو/ الحكي؟

ليس سهلا أن يقف الإنسان أمام نفسه عاريا .. صريحا.. صادقا.. سائلا.. متسائلا وباب الخروج يلوح في الأفق.. الخروج الذي يدفعك مرغما إلى دخول جديد..

لكل بداية نهاية.. وليس للبداية تاريخ ميلاد..

تلك سنة الحياة.. يبدأ الحكي متجها مرغما نحو النهاية في بحث عن بداية جديدة، حاملا معه أسرارا أخرى قد تتضمنها عناوين جديدة نحن في انتظارها ..