حائطيات طالب المقعد الأخير ١٠

، بقلم نوزاد جعدان جعدان

الوطن الذي نام في القفص صار وحشاً مفترساً
كان العدو كالذباب يأكل يدي الصباح
أتذكرين يا جدتي حين كنا نلم الخبيز قلتِ لي
إن هذا الورد الذي نزرعه تمرُّ عليه أبقار العدو
وبدلاً من الحليب يبيعوننا الرصاص
كان الصيف حاراً، لم نشترِ مروحة ولا فتحنا النوافذ
مرّت حافلات قريتنا تحمل سلال عرقنا
في الصباح حين يبدو الذباب مزعجاً كانوا يغسلون بها أرصفة المدن
أفكرُ كثيراً ..
أصمتُ كثيراً ..
وحين يجافيني النوم أعدّ أسماء الذين رحلوا
وأشنق كوابيسي على حبال البامية التي كانت تعلقها جدتي على عتبة البيت
أجلس كثيراً ..
وأعيد حياكة الأمل كلما انفتق ثوب الوطن
***
لا في الصيف ولا في الشتاء
ولا في الأيام التي تكون مدفأة الدكان خاوية من الحطب
تصبح الأمطار يقيناً حين تجري في الأنهار
إن الثياب التي تغسلها الشمس كثيراً تصبح بالية
لم أعد أشتري الأحلام ولا أبيعها
أقواس القزح التي ألبستني أحلاماً بكل الألوان
لم تخبئ جرّات الذهب خلفها
وحاجب القصر الذي راقب الحشد كتب روايات الفرسان والأبطال
كان يقودنا بمراكب القمر البعيدة إلى أن يصفعنا النهار
وعدنا لا نحمل هدية واحدة طاف بنا العالم
ولا آثار قبلة حمراء على الخدّ
أخاف الكلمات حين تسكن الورق وأخاف الأحلام
منذ أن رسمت ذات مساء حالم حلماً بحجم صخرة «الروشة»
كسرت نوافذ دكان أحلامي
***
بائع المظلات والزقاق الذي غاب عنه المطر
الشوارع التي مرت كئيبة في وجهه
كأنشوطة حمراء مرمية على الطريق
كانت تقيس خطواته التي أصبحت أصغر مما كانت عليه
النوافذ المغلقة والشرفات التي غابت عنها الستائر تجعل الشوارع ضيقة
طارت الهدايا والذكرى
والريح مقتل المظلات
في ذلك الليل الجالس على قلبه
غابت الكراسي الخشبية ودكاكين الألبسة الصيفية
كان يروي أسرار مدينة تفقد مفاتيحها
وكم كان يشتهي الملح في مواسم السكر حين كان لص اللوز
في تلك القرية التي أصبحت قامة العشب فيها طويلة
بائع المظلات الحزين
يبيع البالون ويكتب عليه رسائله في مدينة لا أطفال فيها
***
أثناء الشجار الذي حدث خارجاً ثقب أذنيه بأقلام الرصاص
ذاك الذي وضع فراشه في المراعي كان يجمع المطر وبعض الغجريات
مدّ بأصابعه الناعمة دلواً إلى البئر كي يروي قبور الذين ماتوا من العطش
كان الهروب بعضاً من رسائل الملل
وبعضاً من الغابة التي تحولت إلى خيمة إسمنتية
لم يعد يستطيع دق صدره كما يفعل طرزان
ترك غرفته التي نمت منها الوجوه والأيدي
لم يكُ لورق الجدران الأجنبي ذاكرة تنسيه حائطه القديم
***
أخبريني أما زالَ كل شيء بخير
لي الكثير لأقوله عندما يغلي الليل مع شاي المساء
حيث يشتد صوت الأغاني القديمة أكتب على جدران الغرفة
الجدران المؤدبة أكثر من اللزوم أريد أن أرجع طفلاً
على اليمين كانت لي الكثير من الأبواب والياقات البيضاء
وسجادة حمراء
اللص الذي كان يحمل كيساً كبيراً على ظهره
كيساً بحجم بطيخة صيفية
كانت قبعته طويلة وكان القمر كُرتَه التي مشى عليها
حين تنام النوافذ اقفز إلى شبّاك حبيبتك وقلبك يرتجف من عيون البوم
اسمع أصوات أنفاسها
وغنِّ لها بصوت هامس
هامس جداً فوق اللزوم أن كل شيء بخير
***
ليلاً وكثيراً ..
بدأت فناجيني تتكسر لا تشربي الغياب
كان الماء مجرى الحديث وكنت مستنداً إلى الجدار القديم
لم يكن بائع البوظة يتجول بعربته
الحدائق لا تتسكع بعد منتصف الليل
لجدتي حكايا طويلة عن الثعالب التي دقت عنق دجاج جارتنا
ولليل ذراع طويلة على ثغر الحدائق
تعوّد على الظلال والمقعد الذي جلس ولم يجلس
هي وحدها الحدائق الحافية من سياجها
تمر على أزهارها أحذية العابرين
***
القمر يا أمي شاحب الليلة كحبة تين مجففة
للكرسي الذي بتر أرجله تمشي الأحلام
وتلك الفتاة التي تغزل الثياب الشتوية وتنتظر المطر
كان لا بدّ لها أن تمشي بحقيبتها حين يمتلئ الشاطئ بالصيادين
ذلك الوجه الذي يضيع في المرايا ويكسر نفسه
حين يسمع صوت القطار في غرفته
كثيراً ما يمارس دور القبطان على الموج ولا يروضه
يتعلم من المطر
يتدرب على الشاطئ مراراً ليلمس يديها المبلولتين
الأشجار كالنساء قالها ووقف
واثقاً كالبرق متغزلاً أمام العلن كالرعد
احتضنها براحتين من مطر كان القمر يومها كحبة خوخ
وكان للفرح متسع كعيون البحارة حين تمتلئ الشباك