الشك...

، بقلم عبد الجبار الحمدي

أنجعل عتابنا جدلا ينال منا الى حيث يتركنا عند مفترق طرق، أم أنك ستتريثين قليلا في اتخاذ قرارك، لا أخالني أفتأ أقول لك تمهلي لبرهة، عودي الى الوراء في خطوات أيامك السالفة فقط، لتعيشي كل الجمل التي كانت عرضة لإختلاف الرأي بيني وبينك، تلك التي أثارت حفيظة الشك عندك... أني يا سيدة عمري لم أكن أبدا في يوم بعيدا عن قلبك، وهذا ما يجعلني أتمسك بك رغم كل القيود التي تحيطيني بها من شكوكك وغيرتك... أحسبها قيود عنكبوتية، فهي لا يمكنها ان تمسك مشاعري التي لا أفيض بها حبا وجداول صدق إلا على أرضك، لأنها العطاء الذي اعشق، لكن يبدو أن حبي الكبير وشغفي قد صور لك اني لا أملك كبرياء وقرار... قد أجعلهما يذودان بعيدا في بعض الاحيان حين أراك تتمسكين بعنادك الطفولي وبرأيك، متجاوزا مرارتهما كوني احبك، لقد صرحت لك بذلك أكثر من مرة... بل في كل وقت ارددها لك، حتى بت أرددها على من أشعر بدف سريرته... ربما هذا ما جعلك تغضبين وتتصورين أن قلبي مال الى غيرك؟ أو هكذا نقل لك من سمعني أرددها في محفل أصدقاء وصديقات... فلك الخيار لا يمكنني اجبارك على ان تبقين ما دمت وصلتِ في شكوكك الى باب موصد بداخلك.
كانت هي تحكم حقيبتها غلقا... حين تأففت وجلست الى جانبها، عليك اللع.... أمسكت فمها لتمنعه من التفوه بما لا يرغب قلبها، أن الغضب والشك هما من يوقدان نار غيرتها فكلاهما قد حضر الى جانبه الحطب فما كاد يكل الاول حتى يسنده الآخر، حتى قال الشك:

ما لك الى الآن باقية؟ هل تتوقعين منه أن يقبل قدمك حتى ترضين بعذره؟ لا بد أنك مجنونة!! أين تلك الهالة من الحب الذي كنت تصبينها له؟ أين ذاك الحنان الذي فرشت اهداب عينيك فراش سهد في انتظاره؟ أين .. وأين .. وأين؟؟ ماذا تريدنني ان أعدد، لقد مللت أن أكون مدعيا عاما يُحَضِرَ دلائل وبراهين خيانته لك على طبق من ذهب، بعدها.. وما ان يحاورك بدفاعه المنمق حتى تعمدي الى ترك القضية ثم أخرج خاسرا حتى النهاية، لا يا سيدتي لن أكون كذلك، لقد أخذت على نفسي عهد بأن أكون قاضيا اليوم وقد أحضرت محلفي الاول والاخير الغضب معي ليكون الدافع الكبير لكسر حلقة الصلح، طبع ابتسامة صفراء مضيفا أني لا أريد للمرأة سوى كسب حياتها بما تراه يناسب أنوثتها، وسؤال من هي المرأة؟ دعيني أبين لك... إنها زهرة تحمل عبق الحياة وندى الحب نسمات أمل .. كونها عرضة للقطع، فلابد من حامي لها، فكان الشوك الى الايادي التي تمتد لقطفها او شمها، كثيرة هي الأنواع، بيد أني لا انكر البعض يتفرد بواحدة يحتفظ بها الى الابد، وهناك من يحب الكثير من ألوان الورود او الزهور، فتريه لا ينفك يقطف هذه ويشم تلك دون كلل.. لذا من واجبي بالنسبة لك ان أحميك، فكنت أنا الشك لك مثل الشوك للورد، لا أريد ان تخسرني عطر أحاسيسك وندى عواطفك على من لا يستحقك، هذا كل ما في الامر، أما ما تحملينه من الغيرة لعلك تعرفينها إنها أختي التوأم التي غالبا ما تكون مرآتي في كل شيء، لذا جعلتها تعتاش على خلاياك كأنثى فُُطرتِ كما هي فُُطِرَت، كانت تنصت الى شكها وهو يقرأ لها من قواميسه المتشعبه خيوط متشابكة حتى باتت كل الصور متداخلة في مخيلتها بضبابية بعضها البعض، أمسكت رأسها كأنها تعصره، تريد ان تضفي مادة الوضوح في كل صور حياتها معه، أشارت دون إرادة الى من أثار حفيظتها بإلتزام الصمت ، إنها تريد ان تستعيد رتابه هدوءها بعيد عن تلكم العصبة، شرعت الى جارورتها الخاصة، اخرجت منه ألبوم صور ورسائل حب، أخذت تقلبها كأنها تطبع كل تلك الصور ورسائل الحب في نفسها بدلا التي ترسبت اليها، لاشك انه يحبني وحدي!!! فهاهي رسائله لي تهمس بكل مشاعرة قيثارة عشق ذهبي، ثم همست لنفسها: أتراني جننت!! أبعد هذا العمر والعشرة أدع خيوط شك وهنة وحمق غضب سمج يقوداني الى ما اسموه الغيرة تلك!!؟ ثم قالت : احبذ ان أكون غيورة .. ولكن ليس الى حد قلع جذور نبتة عمري معه، أتحسبني يا أنا غير ما أنا...!!؟ هكذا اماطت لنفسها القول حين تطلعت في المرآة وقد رأت تجاعيد دبت على وجهها نالت من بهائه، فبهت نتيجة سنون، مدت يدها على شعرها الذي خبأت عمره بلون تعارفت هو وهي عليه كونه يحبه، التفتت كل كل زوايا غرفة نومها أحاطتها بالكثير من الاشياء التي زخرت حياتها معه فيها، ابتسمت حين تذكرت أنها ليست الأولى التي تنال منه بعصبيتها كونه رجل جذاب، قد يكون هو أصغر منها سنا لكنه ابدا لم يشعرها في يوم بذلك، هي تدرك في قرارة نفسها أن مشاعره صادقة معها، وذاك ما تراه حين يهمس بحبه دوما لها، وحين تنام بين ذراعيه يحتويها رغبة، تكاد تقطع انفاسها من تكرارها حين يعيد الكرة معي مرة وأثنتان حتى يذوب شمعة هو توقدها بإنوثتها... يا الله ما هذا الحمق الذي أنا فيه؟ كيف لي ان أبرر تصرفاته حين ألتقيه في فراشي؟ وبين ما اسمع من الآخرين عن ابتسامات يوزعها الى هذه وتلك... والغريب حين أساله يقول: بكل صراحة إنهن زميلات عمل لا أكثر، وأني حبه الأول والاخير، كيف يمكنني أن أصدق حينما تختلط كل الأوراق بين بين يَديِ؟
ساد الصمت في نفسها، تذكرت أول لقاء به معها وهو يمسك بيدها قائلا: دوما حبيبتي اعلمي أني أخترتك بملىء إرادتي رغم فارق السن بينيك وبيني، إن الذي جمعني بك هو الحب، بعيدا وغير مبال بحواجز او جدران ايام او سنون يمكنها ان تمنعه من القفز على كل مقدرات الايام، أنك بالنسبة لي عمري كله القادم، لقد نُسجت كل مشاعري واحاسيسي قفصا لا يمكنه ان يتأثر بعواصف عذالك أو عذالي.. لنصفع من يريدون رجرجة مشاعرنا فقط ليخلقوا هالة من زبد بحر، أعلمي أني لا يمكن أن اعيش بعيدا عنك، وموقن بأنك كذلك... فلا تخافي مجتمع ينتقدنا، فنحن لم نرتكب جرما، إنها الحياة والحب.. لذا إرمي بكل ما تسمعين الى سلة المهملات البعيدة عن حياتنا، فإذا لم تفعلي سيمتلأ جوها بالكثير من العوالق التي تعتاش على نفايات شكهم الذي يريدون زرعة في واحة ارتباطنا... هل تعين ما أقول؟؟؟
كنت حينها أشعر بسعادة لم يكن لها حدود، حين سمعته يقول ذلك، فوعدته بأني سألقي بكل ما أسمع خلف ظهري، بل الى أبعد من ذلك، ولا أدري ما الذي أصابني حين سمعت همس عواذل وحُساد الذين ما أن شعروا بتمكنهم مني حتى أهرقوني بوابل ترهاتهم، ماذا؟؟؟؟ ترهاتهم!! إذن أنا أعي أنها ترهات، فلماذا اتصرف هكذا؟ لم أغضبه!؟ يا إلهي أني لاشك في هاوية الجنون.. الشك نعم أنه الشك، بدت حيرتها تأكلها ندما ، قلقها جعلها ترتجف أسدلت همومها الستائر على مسرحية الشكوك تلك..

كان هو قد اعتاد بصبره أن يشاهدها تهدأ بعد ثورة بركانها، أنه يخاف عليها بل يحبها لذا فقلبه ينبض وجعا حين يرى الشك يأكلها دون سبب لذلك، أنها من يحب ويعشق، هذه هي جريمته، أنه لا يطيق ان تكون بعيدة عنه لذا...

كان يتطلع إليها وهي تحوم في الغرفة جيئة وذهابا، إلى ان خيم الصمت، هدأت فلا حركة ولا تمتمة ولا ثورة لعنات، مد رأسه الى الغرفة ليجدها قد دلفت الى الغرفة الصغيرة المجاورة لغرفتهما، تلك التي أثثاها معا في انتظار طفلهما الذي لم يولد بعد وهي تمسك بمهده باكية... اقترب منها جلس بقربها بعد ان طبع قبلة على جبينها قائلا: هل أدركت الآن بأني لا يمكن في اي لحظة أن أفكر بسواك، أتذكرين حين قلت لك أنك ارضي الطيبة التي أريد ان تنبت ثماري فيها.. مد يده الى بطنها... أحبك ليس من أجل هذا بل احبك لأنك أنت كل حياتي افهمت الآن؟؟؟

رمت برأسها على صدره وهو تقول... لا ذنب لي.. أني احبك بغيرة كل النساء وشكهن.