أمي

، بقلم لؤي صافي

أحُن إليكِ
حنين الطيورِ إلى أعشَاشِها
وأبحث ُعن روحِكِ
عن دفئ قلبِكِ
الذي ملأ عبرَ السنين
أركان بيتنا العتيق
كما يبحثُ الولهان
عنْ مراتعِ الشبابِ ورفاقِ الصِبا
ومشاعرِ الإنسان
 
بيتُ الطفولةِ ومَرتَعُ الشباب
مكان حزين يثير الشجون
فقد غاب عن البيتِ ركنٌ ركين
بفَقدِ البُناةِ ومن شيدوه
ومن رصعوهُ ومن جملوه
ومن ملؤوه بحبِ السماءِ وحبِ النجوم
وحبِ الصمودِ بوجهِ المنونْ
 
توقفَ الزمانُ في ربعنا
بعد أن غابَ عن أرجائِه أحبابُنا
ورُوحُكِ الفياضةُ بعبير الحُبورْ
وتغريد البلابل ِعند الغروب
حُزْناً على فراق حكيمٍ طروب
وغياب لمساتها مع هبوبِ القدر
بعدما رَتَبَتْ بذوقِ الخيالِ أشياءها
وتُحفٌ عديدة جمعتها من فنونِ البشر
لتحكيَ قصةَ أسفارِها
 
أحُنُ إلى جلساتِكِ السامرة
إلى ابتسامتِكِ الواثقةِ الغامرة
وصمتُك الحافلِ بالكبرياء
في ليالي الشتاءِ الباردة
وصوتُ الكَستناءِ يوسوسُ
من حرارةِ المِدفأة
ثم يعود يُفرقعُ بصوتٍ أسير
وهو ينزِعُ عنه كِساءَهُ الحرير
ليلامسَ جِلْدَهُ بردٌ صرير
في ليالي الزمهرير
 
أمي الحبيبة
يا من زرعتِ في نفسيَ الكِبرياء
وعلمتِني كيف أنظرُ بصمتٍ في عيون اللئامْ
وأُحدِقُ طويلاً في أحداقهمْ
وأقفُ شامخاً بكلِ إباء
غير آبهٍ بجحافلِ السباع
وتساقط النبال وبطشِ الرُعاع
وصليلِ الخيول
وتكالُبِ الفلولْ
 
علمتني أن صِدقَ السريرةِ طريقُ النجاة
وأن الصبرَ رفيقُ الحُداة
وإرضاءُ الناسِ صِنوَ المُحالْ
وأن خير رأيٍ يرام
يترقرق نقيا من أعماق الكرام
وحببتِ إلى روحي صُحبةَ الكتابِ والقلمْ
والنظرَ طويلاً في حياة الأممْ
وحِكمةَ الصمتِ عند طولِ الكلام
وحزمَ القرارِ وعُلوَ الهِمَمْ
 
لا زلتُ أذكرُ ساعةَ الفِراق
في زمنٍ بعيد
يبدو اليوم من أزمان الغابرين
وأنت تدفعين بقلب يملؤه الأنين
لحظة الانطلاق
عن الطفل الذي شبَّ في سنين
وهو يستعد لنَقلةٍ بعيدة
إلى بلادٍ أختَرتِها بنفسِكِ تخوفاً من بطشِ اللئام
وصوتُ دعائِك الدافئِ يغالبُ الآلام
وهو يودعُ أنفاسي المهاجرة
ويحيطُها بالسلام
 
تتالت اللياليَ وتاهَ الفؤاد
وغابَ الشعاعُ خلفَ السَحاب
ورقّ العَظمُ وحانَ الرحيل
وفرِحتُ بقُربِكِ بعد التنقل بين الأمم
بين القفار وعبر البحار
وغربةٍ مديدةٍ فوق القمم
فرَقَّت نفوسٌ ترومُ الرحيم
وتشكو إليه طولَ الفراق وتباعدَ الهمم
لكنني كنتُ على موعدٍ جديدٍ مع القدر
ولم أدرِ أن رِحلةَ عُمركِ بلغت نهايتها الهادرة
وأن اقترابي من حِجرِك بعد طول فراق
لم يكن سوى أمنيةَ قلبٍ كوتهُ لوعةٌ غامرة
وأن اللقاء قرين الفراق
وأن لقاءنا في كويت الخليج
لم يكن سوى لحظةٍ عابرة
 
نظرتُ إليك على فراش الموت
والمرضُ قد سرى فيك حتى العظام
والروحُ استعدت للقاء بارئها
ولا زالتْ نفسُكِ العليلةُ مفعمةً بالكلام
أرهفْتُ إليك السمعَ
فتحركتْ شفتاكِ والتمعت عيناك
كطفلةٍ يحدوها الأمل
وبرَوعِها منهكةٌ تحاولُ صوغَ الجُمَل
ولكن الصوتَ استكان
فلم تصدر من فمك الكلماتُ السحرية
بل التمعت عيناك بها
فقرأت في محياك أسفاراً قدسية
ورأيت في وجهِكِ عَبَراتٌ
تتوهجُ بحروفٍ نُورِية
وتمتلؤ بمعانٍ وهموم
تتسعُ لكل البشرية
 
تكلّمَتْ عيناكِ بحماسٍ
كالثورة تصرُخُ في الملأِ
بهتاف الحريةِ الصاخب
يُدّوي في أرض الأحرار
تشكو آلامَ أحفادٍ أبرار
شردهم حِقدٌ وغرور
وخِصامٌ وشرور
في أرض الله المعتمرة
بشخوص الشام المستعرة
ومن وجهِكِ فاضت زفراتٌ
مملوءة بحنانِكِ أماه
يا أجملَ أمٍ مرتحلة
 
وصَلَتْ إلى قلبي همساتُك
لا عبر موجات الصوتِ
المخنوق بأجهزة الطبِ
بل من بين رعشات جفونِك
في جسد أكلته همومُك
يردد رحلاتي اكتملتْ يا ولدي
ولا زال قلبي المجروح يئنُ بآلامِ البشرية
خذ هذي الشُعلةَ الوضاءة
واركض بزقاق الحرية
لتنير بها الدرب الممتد على شُطآن الإنسانية
ليعود الحقُ إلى أهله
ويعود بهاءُ البشرية