من سيرتـــي الذاتيــة

، بقلم فاروق مواسي

في مثل هذا اليوم 13 كانون الأول سنة 1993 رحلت عنا الشاعرة الملهمة فدوى طوقان، وقد ارتأيت اليوم أن أقدم لكم صفحات عنها وكما عرفتها.

كانت قراءتي الأولى لفدوى كتاب «أخي إبراهيم» وأنا في الصف الثامن، لم يكن يهمني يومها إلا هذا الحب الحنون الذي توليه لأخيها إبراهيم. وإبراهيم أعرفه، أليس هو صاحب قصيدة «ملائكة الرحمة» التي أحفظها؟
وقرأتها ثانية في «وحدي مع الأيام» وقد نشرته دار نشر في يافا أخذت تعيد طباعة بعض الكتب الصادرة في العالم العربي، وذلك في أواسط الخمسينيات. أذكر أنني انتبهت للشكل المقطوعي:

"حياتي دموع
وقلب ولوع
وشوق وديوان شعر وعود"

إذن هكذا هي فدوى: حزينة ومتلهفة وفنانة. وجذب نظري أنها كانت تهرب إلى سنابل القمح لتناجي وحدتها- كما في ديوانها- فهربها كان مثار تساؤلي في مخيلتي، ولكن: لماذا تفعل ذلك وهي فتاة؟

ظلت قصائدها تصل بين الحين والحين، نحفظها مرة، أو ندونها في دفاترنا مرات.

بعد أن أصابنا الدُّوار سنة سبع وستين (وأي دوار!!!) أخذت فدوى تنشر قصائدها الوطنية الملتزمة في صحيفة "الاتحاد" ومنها: "مدينتي الحزينة"، "الطاعون"، "وحمزة" وهذه القصيدة تقول فيها:

"هذه الأرض امرأة
في الأخاديد وفي الأرحام
سر الخصب واحد"

إنها قصيدة أشبه بـ "البالاد" التي تذكرني بقصيدة ص. عبد الصبور "شنق زهران".
ظللت مشوقًا للتعرف إليها عن كثب... إننا عندما نتعرف على الكبار نحقق ذواتنا ونزهو، فلماذا لا أفعل؟

وهكذا قمت أنا وصديقي نواف عبد حسن – وهو صنوي في الأدب- بزيارة إلى نابلس، ولم نسأل عن كنافة المدينة، فهناك شاعرة نتوق لرؤيتها وسماعها.

جئنا أولا إلى بيتها القديم حيث أرشدونا، فإذا هو قائم في السوق وعليه سور ضخم، وله باب حديدي أمامه شخص- أرشدنا إلى أنها تسكن في بيت خالتها غربي المدينة.

استقبلتنا فدوى ببشاشة وأنس، كنت أنظر إليها وأنا أترنم بأبياتها:

"نادني من آخر الدنيا ألبي
كل درب لك يفضي فهو دربي
يا حبيبي أنت تحيا لتنادي
يا حبيبي أنا أحيا لألبي
...
كلما ناديتني جئت إليك
بكنوزي كلها ملك يديك
بينابيعي بأثماري بخصبي"

تجاذبنا أطراف حديث الفكر والأدب والسياسة. واطلعنا على مكتبتها، وفيها هذه الكتب التي كنا نحلم أن نراها. حدثتها عن رحلتنا الأولى إلى القدس للصلاة في محراب المحتسِب، وكيف نقعنا الغلة أو عثرنا على الكنز، كنا نجمع بين نقيضين – الاعتزاز بهذه الروائع، والمذلة لهذا الوضع.

انفعلت بهذه الزيارة فنشرت قصيدتي "حلم السلام" وهي من قصائدي المنشورة الأولى، قلت فيها:

فدوى فداؤك مهجتي وعزيمتي
شأني الوفا تأبى سواه شريعتي
والعهد يا فدوى يراودنا إلى
حلم السلام لشعبنا المتشتت
والصبر يا خنساء مر علقم
لكنه مفتاحنا للجنة
يا صوتك السحري يجمد مدمعي
يا سحرك الناري يرفد لوعتي
هذي الخطوب أتت لتنحت جانبي
الجن في جوفي، لم أتفتت
فلقاؤنا وكلامنا وجراحنا
أوحت إلي لأن أقول قصيدتي

وكثرت رسائلنا، وكانت رسالتها الأولى بخطها المنمنم الجميل موضع اعتزازي وبهجتي، فعلى المغلف: "إلى الشاعر الرقيق.."

إذن أنا رقيق بشهادة شاعرة كبيرة..... فماذا يهمني بعدها ما يقول الآخرون؟

وعلى ذكر هذه الشهادة فقد توجت كتابي "الجنى في الشعر الحديث" بمقتطفات من رسالة لها موجهة إلـي:

"استأثر بإعجابي –بحق- تناولك لأصول الصناعة اللفظية ومظاهر هذه المهارة الفنية التي تشكل أهم وسائل الشاعر لبلوغ غايته المتمثلة في خلق عمل فني متكامل. إن تناولك الذكي للقصائد المختارة ينم عن جهد كبير واجتهاد موفق استخدمت فيه كل ما تملك من حواس، ولا عجب وأنت الشاعر...". سأجعل هنا علامة الاكتفاء ....
ومع ذلك فعندما قرأها أحدهم ممن لا يعجبه العجب علّق قائلا: "إن فاروق هو الذي كتبها.."، فسامحه الله!.

كنت أرسل لها قصائدها المترجمة إلى العبرية والمقابلات التي كانت تجريها الصحف، وأحيانًا أعيد لها صياغة الجمل إلى العربية حتى توازن بين ما قالته وبين ما نشر، وبذلك تفحص مدى أمانة الترجمة. وقد راقت لي هذه الفكرة حقًا- أي الترجمة المعاكسة- لفحص الأمانة/الخيانة في الترجمة.

ثم دعتني فدوى دعوة خاصة – النّقرى- لحضور قراءاتها الشعرية في مكتبة بلدية نابلس. وكانت هذه هي المرة الأولى –كما قالت لي- تشارك في لقاء أدبي جماهيري في مدينتها.
قالت: شاركت في مدارس البنات بدعوة من هذه المعلمة أو تلك، ولكني اليوم أقف أمام حشد من أهلي الطيبين.

كانت قراءاتها ممتعة شجية، ومتدفقة بالشاعرية، ها صوتها يتوتر في "نبوءة العرافة":

"لكنما الرياح في هبوبها
تقول حاذري
إخوتك السبعة
تقول حاذري
إخوتك السبعة
تقول حاذري
إخوتك السبعة."

كانت الدمعة تجول في المآقي وهي تقرأ "وقفة عند جسر اللنبي":

"ليت للبراق عينا
آه يا ذل الأسار
حقدي رهيب موغل حتى القرار
صخرة قلبي وكبريت وفوارة نار
ألف هند تحت جلدي

أذكر أن هذا السطر الأخير جعل القيامة تقوم في الصحافة العبرية – وذلك بعيد نشرها، حتى أن ديان سألها عن هذا المعنى الذي شرحه له مستشاروه.

أهدتني فدوى نسخًا من كتبها، كما أهدتني صورة جميلة لها على بطاقة لتظل صورة مصاحبة للكلمات.

ثم حضرت فدوى إلى حيفا، وأجرت لها "الاتحاد" استقبالا حضره لفيف من أدبائنا.
قرأت أمامنا "لن أبكي"، حيث وصفت فيها يافا:

"وفي فوضى حطام الدور
بين الردم والشوك
وقفت وقلت للعينين: يا عيني
قفا نبك."

وفي هذه القصيدة غصّت قلوبنا بالأحزان عندما خاطبت شعراءنا في الداخل:

"وها أنا يا أحبائي هنا معكم
لأقبس منكم جمرة
لآخذ يا مصابيح الدجى
من زيتكم قطرة
.....
وكيف أمامكم أبكي
يمينا بعد هذا اليوم لن أبكي"

وكان لا بد أن يجيبها صوت محمود درويش المتفائل رغم عمق المأساة والجرح:

"نحن في حل من التذكار فالكرمل فينا
وعلى أهدابنا عشب الجليل
لا تقولي: ليتنا نركض كالنهر إليها
لا تقولي...
نحن في لحم بلادي وهي فينا."

تناولت شعر فدوى في دراسة لي تحت عنوان "قصائد سياسية- قصائد غنائية" وقد صدّرت الدراسة بما قاله درويش في القصيدة نفسها:

"عندما كنت تغنين رأيت الشرفات
تهجر الجدران والساحة ترتد إلى حضن الجبل
لم نكن نسمع موسيقى ولا نبصر لون الكلمات
كان في الغرفة مليون بطل".

وفي الدراسة رأيت أن شعرها تعبر عنه ضمن لوحة، ومنها ما هو قصصي – وليس بالضرورة فيها تقيد بقواعد القصة في مفهومها المألوف – ورأيت أن الغنائية التي كانت تلجأ إليها كانت وسيلة اعترافية تنقل فيها مشاعرها الوطنية إلى القارئ، وذلك بأساليب الترابط والتكرار والإيقاع وتردد موتيفات "القمر" و"الطير" و"الزهر".. في إطار نماذج كلاسيكية ذات شحنات موسيقية. (الرؤيا والإشعاع، 1984، ص23)

كنت بذلك أعبر أيضًا عن تحفظي من رأي الأستاذ س. سوميخ الذي عبر عنه في مجلة "قيشت" بأن الشاعرة رومانتية بطبعها، وهذا هو الأصل.

ولما أن كنت من الفعالين في تغيير مناهج الأدب العربي في مدارسنا فقد كان لاختيار قصيدة فدوى "صلاة إلى العام الجديد" من مجموعة "أعطنا حبًا" قبول لدى معلمينا وطلابنا – رغم تحفظ بعضهم من شعر التفعيلة.

فكان أن ألقيت أضواء على هذه القصيدة في كتابي المعد للطلاب "الجنى في الشعر الحديث"، وتوقفت بشكل خاص على التطور في بناء القصيدة والاتساق المتواصل وتراتيبية القصيدة. فهي تبدأ بالمقدمة وبطلب الحب، ثم تأتي الأجنحة، فالنور حتى تصل الذروة، أو أن الترتيب يتعلق بالمكان: الأرض، بين الأرض والسماء، ما فوق السماء،..
وتركت أسئلة للنقاش حول القضية التي دارت الشاعرة في فلكها – ولا بد من ذلك في كل قصيدة حديثة، إذا لم تكن هذيانًا: هل هي الوطن؟ المرأة؟ الإنسان العربي في فترة المد القومي؟ (كتبت القصيدة ليلة رأس السنة 1958).

ولا بد لي من أن أسوق رأيًا لها أسمعتنا إياه في إحدى زياراتنا.

قالت: "أحلم أن يكون في كل قرية من الوطن العربي الكبير من هو منكم ممن تعمد بالمعاناة وأخلص للقضية.."

ولأني كنت أردد اسمها في مجالسي فقد حلا لبعضهم أن يشيع بأنني سأخطب الشاعرة، وقد نسي أنها ولدت هي وأمي في نفس السنة، ويبدو أن الذي يريد أن يشيع شائعة لا يهمه مدى إعمال المنطق قبلها.
أذكر ذلك لأدل بمدى المعزة التي نكنها للشاعرة.. ولا بد من الاعتراف في كتابة كل سيرة.

في زيارة أخرى قرأت لنا صفحات من سيرتها "رحلة جبلية رحلة صعبة"، وكانت متهيبة من نشرها. لكني أخِـذت بصدق الأداء وملكة التعبير وبعمق الثقافة التي تشع في ثنايا النص، فأظهرت إعجابي المتناهي بنصوصها، بل هو إعجاب أكثر مما هو من شعرها.

يومها صاحبني أحد الأصدقاء، وقد استعار من مكتبتها كتاب جبرا "الحرية والطوفان"، وكان هذا الكتاب مفقودًا في الأسواق – غضبت فدوى- فيما بعد- لأن الكتاب لم يعد أدراجه، وعبرت عن غضبها في كتابها "الرحلة الأصعب" (ص27-28) ناسية أننا جميعًا نفقد كتبًا من مكتباتنا، وقد لا نعيد كتبًا أخرى لأصدقائنا – سنَّة الله في أدبائه.

وقد أشار إلى هذه الحادثة كذلك جبرا في كتابه "معايشة النمر وأوراق أخرى" (ص51)، وذلك في معرض حديثه عن استحصال الأدباء للكتاب، ولكن جبرا كان كريمًا، فقال مخاطبًا الشخص الذي "لطش" كتابه:
"فليهنأ به إذن سارقي".

في أواسط التسعينيات كثيرًا ما كنا ندعى للقاءات ومهرجانات أدبية فلسطينية، فكان أن التقينا فدوى في أكثر من لقاء- من أجملها سهرة ممتعة قضيناها بصحبة الأديب الدمث يحيى يخلف.

وفي لقاء آخر للجنة المبدعين العرب واليهود (30 تموز 1994) جمعنا إميل حبيبي ويورام كانيوك في لقاء سلامي يدعو إلى إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وكان ذلك في نابلس، يومها كنت مترجمًا في أكثر من محضر، وما زلت أذكر لقاء الشاعرتين فدوى ودالية رابيكوفتش، وكيف تحفظت فدوى من بعض أقوال الشاعرة اليهودية رغم مشاعرها الإنسانية المشاركة لقضيتنا ومعاناتنا.
كنت أترجم، فإذا تعبت كانت اللغة الإنجليزية تحاول أن تجمع بينهما.

دعتني جامعة النجاح في 18/11/1998 لحضور حفل تكريمها بالدكتوراه الفخرية (وذلك بعد بضعة أشهر من حفل آخر حصلت فيه الشاعرة على جائزة فلسطين في الشعر).
اشترطت أن ألقي كلمة في تكريمها لما لها من مكانة في نفسي.

ارتجلت كلمتي، وقرأت من شعرها ومن شعري، وكيف رسخت في ذهني. وكانت فدوى تنظر إلي، وعيناها مغرورقتان بالدمع.
بعد أن أنهيت كلمتي قبلتها على وجنتيها وغالبًا ما أفعل ذلك كلما التقيتها- لأنني أحس بهذا القرب البريء الرائق الرقيق.

دعينا لتناول الغداء جلسنا معًا، وكان ابن أخيها جعفر إبراهيم طوقان يجالسنا.
قلت لجعفر: "عندما تلقي كلمتك كنت أغمض عيني، أتدري لماذا"؟
قال: لا.
قلت: "إن أكثر الأبناء يحملون في أصواتهم صوت الأب".
ويبقى أن نسأل فدوى عن مدى التشابه بين الصوتين.
قالت:"قد تستغرب أن الصوت شبيه إلى حد بعيد، وكأنه هو- هذا ما أذكره من صوته المسجل في غرامافون قديم".

قلت لها: لقد جمع المتوكل طه كتابات لإبراهيم في كتابه "الكنوز- مؤسسة الأسوار 1998" ضمنها قصائد وتعليقات من آثار الشاعر وجدها بخط يد في منزلك بين أوراقه وأشيائه وصوره، ولكنه لم يحو قصة إبراهيم "متى الوفاء؟"

قالت: أنى لك هذه؟

قلت: لدي عدد قديم من مجلة "الأمالي" البيروتية سنة 1940، ويظهر لي أن تصويبات القصة كانت بخط يده.

قالت: أرجوك أن تزودني بها. وأنا بالانتظار.

بعد أن أرسلت الأصل لها، وصورة عنه للمتوكل – خدمة للناحية العلمية- وردتني رسالة فدوى المؤرخة في 4/1/1999م:

" أحييك وأشتاقك، وأتقدم إليك بأصدق مشاعر التقديم والامتنان إذ وافيتني بقصة إبراهيم، وقد تساءلت: أين ذهبت يا ترى؟!
كم أسعدني حضورك الاحتفال، وكم كان يبهجني لو أنك أرفقت برسالتك نسخة من الكلمة التي شرفتني بها، فهل تفعل؟ أرجو ذلك...

أشكرك وأشكرك وأشكرك!

مع محبتي
فدوى طوقان

وأخيرًا

يا عزيزتي فدوى

لعل هذه الصفحات تشرفني أنا، وأنا أكتب سيرتي لا سيرتك، فأرجو أن تجدي فيها محبتي كذلك!

ملاحظة : اطلعت فدوى على هذه الرحلة معها، فكتبت لي بعد أن قرأتها:

"
فرحت بالمقال كثيرًا، وسأظل أعتز به كثيرًا. أشكرك وأشكرك أيها الإنسان الجميل النبيل.... "
27 / 5 / 1999
وعذراً من القارئ الذي ألِف مني تواضعًا أكثر.

....................................................

في الصورة الأولى يظهر فيها الشاعر باسم الهيجاوي، والشاعرة الرافضة للاحتلال دالية رابيكوفتش، فاروق مواسي وفدوى، وذلك في نابلس 30 تموز 1994 في لقاء مبدعين.

في الصورة الثانية يظهر من اليمين: المرحوم حبيب بولس، سعود الأسدي، محمود الدسوقي، سميح القاسم، مصطفى مرار، زكي درويش، فاروق مواسي، المرحومة فدوى طوقان. (التقطت الصورة في منزل المرحوم طه محمد علي في أيار 1988).