الأمن القومي وظيفياً

، بقلم عادل عامر

وسط السيرك الإعلامى والسياسى المنصوب فى شوارع الصحافة والفضائيات والسياسة المصرية، بسبب ما سمى تنظيم أو خلية حزب الله فى مصر، يكتسب الحديث عن محددات مفهوم الأمن القومى أهميته، وضروراته، وهو ما تاه بالفعل فى المشهد الإعلامى والسياسى الراهن، فأضاع البعض القضايا وخلط الأوراق، وتعمدوا فى أثناء هذا (السيرك) أن يساووا بين خطأ (وهو بالفعل خطأ) ارتكبه حزب الله وبين خطايا ارتكبتها ولا تزال إسرائيل ومن والاها فى بلادنا ضد أمننا القومى بمعناه الصحيح وليس بمعناه الذى تريده تلك القوى التى خطفت مصر من تاريخها ودورها بل وحتى أمنها القومى بمعناه الصحيح.

يحدثنا الواقع العالمى المعاصر بمشكلاته وتطوراته السياسية المتلاحقة عن أن ثمة تعريفات متعددة لمفهوم (الأمن القومى) وأنها قد تعددت وتنوعت تجاهه حيث يقف خلف كل المحاولات التى اقتربت من المفهوم دراسة أو تنظيراً، (مدرك أساسى) لدى القائمين بذلك، وهو أن حول هذا المفهوم تدور سياسات وتوجهات الدولة الحديثة.

لقد ميز بوزان خمسة أبعاد أساسية للأمن- الأمن العسكري: ويخص المستويين المتفاعلين للهجوم المسلح والقدرات الدفاعية، وكذلك مدركات الدول لنوايا بعضها. - الأمن السياسي: ويعني الاستقرار التنظيمي للدول، ونظم الحكومات والأيديولوجيات التي تستمد منها شرعيتها. - الأمن الاقتصادي: ويخص الموارد المالية والأسواق الضرورية للحفاظ بشكل دائم على مستويات مقبولة من الرفاه وقوة الدولة. - -الأمن الاجتماعي: ويخص قدرة المجتمعات على إعادة انتاج أنماط خصوصيتها في اللغة والثقافة والهوية الوطنية والدينية والعادات والتقاليد في إطار شروط مقبولة لتطورها. - الأمن البيئي: ويتعلق بالمحافظة على المحيط الحيوي المحلي أو الكوني كعامل أساسي تتوقف عليه كل الأنشطة الإنسانية. وبفعل العولمة، حدثت تحولات في مفهوم الأمن والمشهد الأمني العالمي، وأبرزها تحولات القوة، التي لم تعد ترتبط ارتباطاً وثيقاً ووحيداً بالعامل العسكري. بل تعدته إلى التكنولوجيا والتعليم، والنمو الاقتصادي والاعتماد المتبادل والمعلومات. فالقوة العالمية اليوم تتأسس على مصادر هي من قبيل القوة اللينة، كما تقوم على مصادر ملموسة: القوة الصلبة.

وكما يلاحظ جوزيف ناي فإن: "القوة أقل تحولية، وأقل قهرية، وأقل ملموسية"، ذلك أن تحويل المكاسب المحققة في مجال ما نحو مجال آخر يزداد صعوبة، أما فيما يخص الأمن، فإن الأمن اللين يعني التهديدات غير المباشرة أو التهديدات غير العسكرية، مثل عدم الاستقرار، التطرف، الإرهاب، التهريب، المخدرات، الهجرة غير المشروعة، الجريمة المنظمة، بينما يقصد بالأمن الصلب: التهديدات المباشرة أي التهديدات العسكرية. واقع الأمر أن مفهوم الأمن متنازع عليه، وقد أدت التغييرات على البيئة الأمنية المعاصرة إلى كثير من المحاولات لتعريف هذه التغييرات ووضع إطارها المفاهيمي، سياسياً ونظرياً، وتأثيراتها على الدول والمجتمعات والأفراد. وقد انضمت إلى المفهوم التقليدي للأمن مفاهيم أخرى توسع طبيعة التهديدات المحتملة (الإرهاب، الجريمة المنظمة...)، وهي تهديدات ترتبط بعوامل الخطر في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والبيئية، وتعمّق الأهداف المهددة لتشمل الأمن العالمي والجماعات دون الوطنية والأفراد إن إعادة تحديد الأطر المفاهيمية للأمن، التي توسع حالة الأمن لتشمل المخاطر والتهديدات الجديدة، التي تتجاوز الهجوم العسكري، تولّد مفاهيم مثل الأمن الداخلي، الأمن الوظيفي والأمن البيئي. وتتطلب المفاهيم العميقة للأمن التي ترتبط بحماية الأفراد من التهديدات التي تستهدف أمنهم، بناء إطار اجتماعي يستطيع البشر من خلاله أن يعيشوا بحرية من الخوف والحاجة على حد سواء. وتركز النظريات الواقعية على المشاكل الدولية، والصراعات، وتبرز رؤى الشركات العالمية العابرة للحدود والقومية، النواحي الاقتصادية والمحافظة على النظام الاقتصادي الدولي. وتركز وجهات نظر الأمن الإنساني، التي أخذت تبرز على ظروف الأفراد والعالم، كما أن بدء تحليل المخاطر يبرز طريقة متممة للتعامل مع المشاكل الأمنية للتغلب على التناقض بين الأنواع المختلفة للمفاهيم الأمنية. في تقرير الأمن الإنساني 2005، بيانات عن التهديدات العنفية للأفراد، وقد ميّز فريق مؤلفي التقرير، بين "العنف السياسي" و "العنف الإجرامي" وهم يعتبرون أن العنف السياسي يشمل بالإضافة إلى الصراعات المسلحة العنف الجماعي وصراع الجهات غير الحكومية والإبادة الجماعية و"القتل السياسي".

وفي موجز الأمن الإنساني لعام 2006، أنه يتعلق بحماية الأفراد والمجتمعات من أي شكل من أشكال "العنف السياسي" وأن التعريف الملائم للأمن الإنساني يشمل كل أنواع العنف الجماعي التي تهدد حياة الأفراد والمجتمعات في صحتها ومعيشتها. إن التحول الإنساني في السياسة الدولية، قابله توسع الاهتمامات بالأمن الوطني، فكل أنواع العنف الجماعي يمكن أن تصبح اهتماماً أمنياً إذا كان حجمها كافياً لتهديد نسيج المجتمع، وقد شددت استراتيجيات الأمن القومي الأميركي للأعوام 2002 و 2006، وإستراتيجية الأمن الأوروبي لسنة 2003، على المدى الراهن لتهديدات المجتمعات العابرة للحدود القومية، مثل الإرهاب الدولي، وحصول جهات غير حكومية على أسلحة الدمار الشامل وشبكات الجريمة العابرة للحدود القومية. ويركز مفهوم الأمن الإنساني على الإنسان الفرد وليس الدولة كوحدة التحليل الأساسية؛ فأي سياسة أمنية يجب أن يكون الهدف الأساسي منها هو تحقيق أمن الفرد بجانب أمن الدولة؛ إذ قد تكون الدولة آمنة في وقت يتناقص فيه أمن مواطنيها. بل إنه في بعض الأحيان تكون الدولة مصدرًا من مصادر تهديد أمن مواطنيها. ومن ثم يجب عدم الفصل بينهما.

برز مفهوم الأمن الإنساني في النصف الثاني من عقد التسعينيات من القرن العشرين كنتاج لمجموعة التحولات التي شهدنها فترة ما بعد الحرب الباردة فيما يتعلق بطبيعة مفهوم الأمن، ونطاق دراسات الأمن. إذ أثبتت خبرة الحرب الباردة أن المنظور السائد للأمن -وهو المنظور الواقعي- لم يعد كافيًا للتعامل مع طبيعة القضايا الأمنية ومصادر التهديد فترة ما بعد الحرب الباردة، والحاجة لتوسيع منظور الأمن ليعكس طبيعة مصادر التهديد فترة ما بعد الحرب الباردة. وكان مفهوم الأمن لدى أنصار الاتجاه الواقعي في العلاقات الدولية يقتصر على حدود أمن الدولة القومية باعتبارها الفاعل الرئيس (إن لم يكن الوحيد) في العلاقات الدولية، وذلك ضد أي تهديد عسكري خارجي يهددها، أو يهدد تكاملها الإقليمي، أو سيادتها، أو استقرار نظامها السياسي، أو يمس إحدى مصالحها القومية. وفي سبيل حماية تلك المصالح فإن استخدام القوة العسكرية يُعد أداة أساسية لتحقيق الأمن، وتتحول العلاقة بالآخرين لمباراة صفرية لا بد فيها من مهزوم ومنتصر، والتعاون الدولي الطويل الأجل محض وهْم لا يمكن تحقيقه. وقد ساد هذا المنظور الواقعي للأمن منذ صلح وستفاليا ونشأة الدولة القومية عام 1648، أي لمدة ثلاثة قرون ونصف القرن، إلا أن مفهوم الأمن قد حظي بمزيد من التمحيص من قبل دارسي العلاقات الدولية فترة ما بعد الحرب الباردة؛ وهو ما أثمر ظهور مفاهيم أخرى أبرزها مفهوم الأمن الإنساني.•

وبداية فإن مفهوم الأمن القومى قديم، إذ صاحب نشوء الدولة وتطورها وإن لم يجد الصياغة الفكرية الدقيقة إلا مؤخراً، ولقد تعددت الصياغات العلمية للمفهوم تبعاً لنوع المعرفة الغالب على فكر الباحث (سياسى، قانونى، اجتماعى، نفسى...إلخ) والمفهوم يفترض عند تحليله، الحديث عن مكوناته ودلالاتها أولاً، ثم الحديث عن مقوماته وتعريفه العام متصلاً بحدود (سيادة الدولة الحديثة) الذى يدخلنا بالتبعية إلى حديث الأمن القومى العربى فى تطوراته وأبعاده الجديدة. تمثل كلمتا (الأمن) و(الأمة) المكونات اللفظية للمفهوم وعند تحليلهما نجد أنه بالنسبة لكلمة الأمن فثمة معنيان، الأول: يعنى حالة الإحساس بالثقة والطمأنينة التى تدعو إلى أن هناك ملاذاً من الخطر، والمعنى الثانى: يتمثل فى الموقف المترتب على الحاجة إلى الأمن ويرتبط بخاصية (العدوانية) لدى الإنسان البدائي، والتي تبدأ بالرغبة فى (امتلاك الذات). ومن ثم فإن امتلاك العيش ليس سوى تعبير عن امتلاك الذات، معبراً بذلك عن الشكل الأول للعدوانية والمبنى على فكرة الخوف من الموت وهذه الفكرة هي الأساس الحقيقي الذي تشكلت به المواجهات الدولية كافة، وبمعنى آخر -كما يرى البعض- فإن الغضب والعنف ليسا سوى الخوف فى الحركة القومية.


عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبيرفي القانون العام

من نفس المؤلف