جمالية التلقي في المجموعة القصصية

« لعنة باخوس» للقاص أحمد بلكاسم مصطفى شعبان

« لعنة باخوس» هي المجموعة القصصية للكاتب المغربي أحمد بلكاسم. وهي باكورته الأولى في مسلسله الإبداعي، فقد صدرت له عن مطبعة الطالب وجدة سنة 2010. كما صدرت له المجموعة القصصية الثانية:«الشيخ قارون» عن مطابع الأنوار في سنة 2012.

« لعنة باخوس» مجموعة قصصية تضم 11 قصة وهي: الأفعى الصفراء،أطو- سطوب، الرؤيا، هديل، اليتيمة،أجساد ملغومة،الأوجه السبعة،الإشعار،رحلة،هدى والذئب، لعنة باخوس. تفتتح كل قصة بعتبة من العتبات إما شعرا أونثرا.

عنوان المجموعة والدلالة المحورية للنص:

لقد أسس الكاتب العنوان على دلالة رمزية من خارج النص ليؤسس بها دلالة محورية لمجموعته القصصية. فهوعنوان مركب تركيبا إضافيا من اللعنة وباخوس. باخوس، أو باكوس، ديونيسوس هو إله الخمر والعربدة، كما تقول الأسطورة الإغريقية:" يجوب ديونيسيوس العربيد أنحاء العالم متنقلا من أرض إلى أرض مصحوبا بثلة من الميناد والساتير المتوجين بالأكاليل، ويتقدم مواكبهم وعلى رأسه اكليل من العناقيد وبيده قضيب ملفوف بأغصان الكرمة بينما ترقص المينادات الفتيات من حوله بمرح ومجون ويهتفن مغنيات صاخبات ويتواثب من حوله الساتير الأجلاف السكارى...وهكذا يمضي الاله ديونيسيوس في تجواله على الأرض فيخضع لمشيئته كل شيء وهو يعلم الناس زراعة الكرمة وصنع النبيذ من عناقيدها".

من هذه الحمولة الرمزية التي استقاها الكاتب من الأسطورة اليونانية -العربدة والسكر واخضاع الناس لمشيئته- ساق القاص الى مجموعته القصصية هذه الدلالة ليبني عالمه السردي. فيقرأ أحوال المجتمع ووقائعه عبر تناص، تنسجم فيه دلالة الاسطورة بالواقع في نقد رموزالسلطة، واعتبارها المسؤولة الأولى عن الوضع، وعن الوقائع التي تنجم عنه.

حرص الكاتب أن يفتتح كل قصة من قصص المجموعة، بعتبة من العتبات. تنتمي إلى الشعر،أو النثر،منفتحا بذلك على التراث الانساني. فضمت العتبات أسماء عربية وغير عربية، فشكّل هذا التنوع في النص الواحد تناغما بين الأجناس الأدبية. إذ تحاول كل عتبة أن تكمل لبنة دلالية، جاءت في عنوان القصة، تقرب القارئ ليطل منها على معنى من معاني التأويل في النص القصصي، وتساعد على تفكيك الشفرات الملغمة في خطابه. فجاءت العتبات على النحو التالي:

عتبات الشعر: تعود إلى الشاعر أحمد شوقي في قصة: الأفعى الصفراء، وإلى إبي العلاء المعري في قصة: هديل،وبيت شعري لزين العابدين علي بن الحسين في قصة: اليتيمة. وتكرر بيت شعري آخرلإبي العلاء المعري في:أجساد ملغومة، وبيت شعري لعمر الخيام في قصة: الأوجه السبعة،. وبيت شعري لعلي بن أبي طالب في قصة: الإشعار، وبيت شعري للأعشى في قصة: رحلة.

عتبات النثر: تعود إلى الإمام أحمد بن حنبل في قصة: أوطو- سطوب، والقرآن الكريم في قصة: الرؤيا، و توماس هوبس في قصة: هدى والذئب، وقولة لبونبارت في قصة:لعنة باخوس.
يستمد القاص مادته القصصية من فضاء المدينة، حيث تدور غالبية الأحداث في المدينة. ويرجح انها موطن الإقامة في استلهام الكتابة. وقد شغلت المجموعة حيزا زمنيا، يمتد مابين 1996 و 2008. كما هو موقّع في ذيل كل قصة تحت اسم مدينة:"بركان " باستثناء قصة: الأفعى الصفراء وقصة "رحلة"، فقد وقعتا بالتساوي بين مدينة بركان وتازة. وظل حضور فضاء البادية في المجموعة القصصية حضورا فاترا. جاء عن طريق التذكر والذكرى، كما في قصة: الأفعى الصفراء وبجمل برقية لاغير، وكارتباط البطل بالعمل بالبادية ومحنة النقل في قصة: أوطو- سطوب. ووصف سريع في قصة:الرؤيا.. وهي أحداث عابرة، تقف عند العوالم النفسية للبطل أكثر مما تتحدث عن البادية كفضاء للحدث. وظل الفضاء المهيمن في المجموعة القصصية هو فضاء المدينة بامتياز من: الجامعة، والمقهى،والحافلة والحانة... وماتدور حولها من أحداث.
قصة"لعنة باخوس":

لعنة باخوس: هي القصة الحادية عشرداخل المجموعة القصصية، وبها سميت. يلج السارد بالقارئ من خلال شخصيات فنية إلى عوالم المجتمع وتناقضاته، فتغوص في أعماق مجتمع يتحلل، تتهاوى فيه قيمه الأصيلة مع التحولات المتسارعة والمستجدات الكونية؛ فيما يعرف بعالم العولمة. تتحلل باسم الحداثة حينا، وإكراهات الواقع حينا آخر. فيقف الراوي عند مشاهد تفكيك الأسرة؛ النواة الصلبة التي كان يفخربها المجتمع. وكيف أصبحت هذه النواة الأصيلة، تتفكك وتنحدر إلى الهاوية، تصف أحوال الأب الهارب من مسؤولية المنزل لتعاطي شرب الخمر والترويح عن نفسه، فيدرك الحلول السحرية أو الاستشفاء كما جاء في النص:

"-... خرج كالسهم من الدار البئيسة وترك الباب مواربا عن قصد،أو عن غير قصد،" ص 75. "- هون على نفسك يا صاحبي، لدي البلسم الشافي لجراحك، وفي أرقى مشفى." ص76.
يسير البناء القصصي في انسجام بين تسلسل الحكاية والحبكة. فيعود الى الباب المفتوح الذي خرج منه الأب، وستخرج منه البنت الساعية لجلب المال بالعري والرقص: "من الباب الذي ترك مواربا،خرجت فتاة هيفاء،ممشوقة الجيد،رشيقة القوام، في ذروة الطراوة،مرفوعة الرأس.التفاتاتهاونظراتها إلى المارة، تنم عن كبرياء مفضوح...ماإن خطت خطوات محسوبة،في الزقاق الضيق الطويل حتى تلقفتها سيارة عصرية،مكشوفة الغطاء." ص78. "قبل أن تباشر عملها المعتاد،حرصت على تعكير الشفتين بلون البن...وتعطرت بعطرالإغراء والإثارة...باشرت عملها في الزاوية المصنفة ذات الخمسة نجوم، حيث ذو الهمزة ما انفك ينقد النادل نقدا على بلسمه الشافي " ص79.

ينتقل القاص إلى وصف حال الأب في حضن باخوس- رمز السكر والعربدة- حيث تحول إلى كل شيء ممكن، وهو لا يعي مايجري من حوله:" مثل ديك مذبوح،نشر جناحيه على ذراعي الأريكة،وبسط إلى الأمام الساقين الرخوتين،مثل خشبتين متوازنتين. لفظ أنفاسه دفعة واحدة، وترك رأسه الثقيلة تتدلى نحو الصدر، لقد انتقل إلى عفو باخوس في ملكوته الأعلى،حيث رآه رأي العين،يطير ويرف بجناحي ورق الدالية،ورأى عينه ترشح منها بنت الكروم النواسية المعتقة. دنا منه فضمه بين جناحيه،وأعطاه مفتاح المفاتيح،فشكر باخوس على جوده وكرمه، فالمفتاح الذي طالما تمناه ملكا له،هاهو الآن بين يديه،سيخلصه من ذل الكراء،وسيضع حدا لشجار الأخوين..."ص 80.

يمضي القاص في سرد مشاهد تحلل الأسرة وتفككها. فيقف بالقارئ عند موعد خاص يأتي بالصدفة، مكانه الحانة التي لجأ اليها الأب مع رفيقه الحاصل على هدية الحاج (- همزة- لتوسطه في خدمته). فكان الموعد مع ابنته الراقصة بغير ميعاد. وذلك حين حاول الأب المنتشي بالخمر مراقصة الهيفاء الجذابة، وهي تتلوى، وتخلق الفرجة في الحانة، لم تسعفه رجلاه وهو يحاول الإقتراب منها. فزعت البنت لرؤية أبيها فتوارت عن الأنظار. تسمرالأب حائرا لا يعرف من الراقصة ولا يعي سبب انصرافها ولامن تكون بالتأكيد. تدخل الحراس وألقوه خارج الحانة، حيث تلقفته دورية الأمن، واقتادته إلى مخفر الشرطة. ثم وجهت له تهما بالفساد والتحريض عليه:

- "بل لماذا ذهبت لتعثو فسادا في الزاوية؟

- لم أفعل شيئا،إنما أردت أن أرقص.

- بتصرفك هذا تضع العصا في عجلة تنمية البلاد." ص 82.

تقف المجموعة عند تناقضات الواقع بين المقدس والمدنس، كيف يتعايش على أرض الواقع. فتصف لنا مشاهد لا تستقيم ومنطق العقل. كما يفضح النص دور السلطة الشامت والموجه لهذه العوالم المتناقضة في الواقع المعيش، بوصفها الداعمة لأنواع الرذيلة وحارستها بكل الطرق. فالكتابة عن الواقع هي نظرة نقدية للواقع المعيش، كيف يجري وكيف ينبغي أن يكون لتقويم ما أعوج فيه من خلال شخصيات فنية، يتموقع وراءها المبدع.

وفي قصة: "اليتيمة" جاء العنوان مخلصا لمحتواها، حيث صاغ الكاتب عنوانها من اليتم الذي يعني الفقدان والمصيبة. فصدّرها ببيت شعري لزين العابدين علي بن الحسين يوحي بالاغتراب والحزن:

لَيْسَ الغَريبُ غَريبَ الشامِ واليَمَنِ *إِنَّ الغَريبَ غَريبُ اللَّحدِ والكَفَنِ

تتحدث العتبة عن غريب اللحد والكفن، لتطل على مأساة عالم الفنان المبدع المريض. كيف يتعايش مع مرضه وكيف يموت في غربته. فلا السلطة تعير اهتماما لفنه ومرضه، ولا المجتمع يعير القيمة لفنه، فتزيد الغربة اغترابا. الفنان الذي هو في الأصل نبراس المجتمع، لا يجد ما يشتري به الدواء ليعالج جسمه العليل، يتنكر له كل من حوله،سلطة ومجتمعا. بقيت زوجته الانسانة الوحيدة التي تقف بجانبه، تخلق الأمل، تدفع به لبيع لوحاته من أجل شراء الدواء وطلب الاستشفاء، فتبدأ رحلة البحث عن طلب التداوي والإستشفاء:"خرج السي العربي يتدحرج بين الأزقة،يزرع سعاله في الأرصفة وهو يحمل بعض رسوماته لمناظر طبيعية، ومنمنمات بديعية،تنم عن عبقرية فنان مبدع،وأصيل يحمل ريشة نابضة بالفن الجميل.كان يدور بهاعلى مقاهي الدرجة الرفيعة،يعرضها على الرواد في خجل ممزوج باليأس يكاد لا يسمع. لوحة للبيع..لوحة للبيع...من يشتري؟" ص 35.

يتواصل الواقع المتردي لوضع الفنان الساعي الى بيع لوحة من لوحاته ليشتري الدواء. يصطدم بالواقع، فذوق الناس قد فسد، وجهته السلطة إلى اللهو والمجون، وصار أبعد ما يكون عن الفن والأدب، وذلك لما تملكه من قوة الإعلام وخلط الأوراق في المجتمع:"... وبعضهم كان يتأمله في سخرية لاذعة. ويرشق لوحاته بنظرات كلها ازدراء واحتقار...وكأن السي العربي بعير أجرب طلي بالقطران،بل إن إحداهن لم تكتم غيظها،لتجزل له العطاء من كرم حنقها الشديد فقالت بصوت جهوري مستغيثة: أما من شاب قوي يريحنا من هذا الكابوس ويلقي به خارج هذا المكان؟" ص36.

ارتاحت بائعة الهوى وتنفست الصعداء بعدما بطشت يد عنيفة بالفنان المريض، ورمته خارج الحانة. فقالت منتشية وهي تداعب نديمها الثمل: "ألا توجد وسيلة للتكسب غير هذه ؟ ص 37.
تأتي النهاية مأساوية، يموت الفنان غريبا في مجتمعه.تتجسد هذه الغربة في أقصى حدود معاني غربة المثقف والفنان وهو ما يوحي به كلام التوحيدي: "أغرب الغرباء من صار غريبا في وطنه، وابعد البعداء من كان بعيدا في محل قربه ". فالسي العربي الفنان المريض كما تصوره قصة:اليتيمة عاش غريبا ومات غريبا. عاش غريبا في وطنه بغير هجرة ولا اغتراب، وظل بعيدا مهجرا في محله وفي مجتمعه.ولعل هذا الوصف الدقيق الوارد في النص ينطق ألما وأسى: "وكأن السي العربي بعير أجرب طلي بالقطران" ص 36. يذكر القارئ بحال الشاعرطرفة بن العبد في معلقته حين تنكرت له القبيلة:

إلى أن تحامتني العشيرة كلها
وأفردت إفراد البعير المعبد

البعير المعبد: البعير المطلي بالقطران. وهو تناص جميل، فالأول تنكرت له العشيرة لمجونه وتبذير المال وصرفه في الملذات. والفنان السي العربي تنكر له المجتمع الذي لا يقيم للفن والفنان وزنا. فوجد الشاعر طرفة بني غبراء إلى جانبه في محنته كما يقول في بيت معلقته:

رأيت بني غبراء لا ينكرونني
و لاأهل هذاك الطراف الممدّد

لم يجد الفنان إلى جانبه سوى زوجته الانسانة الوحيدة، تواسيه وتدفع به لشراء الدواء، حين تنكرت له السلطة ومن هم من حوله.
تمتاز لغة المجموعة القصصية باللغة الشعرية والانزياحات، لغة تخرق الدلالة المعجمية لتؤسس معنى خاصا بالنص، وتكسب خصوصية للكاتب وأسلوب كتابته. يستعمل الوصف الدقيق في وصف المشاهد، يوظف التشبيه والاستعارة، تتحرك بها المشاهد وتخلق صورا كاركاتيرية في ذهن المتلقي.هي اختيارات أسلوبية تنم عن رؤية الكاتب الفكرية والثقافية في خلق هذه العوالم السردية. وقد شمل الوصف الحوارات والأمكنة والحالات النفسية للشخوص كما في:

" أجرب الجدران" شخّص المكان بالوصف عبر التخييل تشخيصا بشريا، ليضفي السخرية والقدح على فضاء الحجرة بحمولة اجتماعية حاضرة في الوعي الجمعي وهي حالة الأجرب : قصة الأفعى الصفراء. ص 8.

وفي قصة:"أجساد ملغومة " يقف القاص لوصف مشهد يجري فيه العاملون المياومون صوب الشاحنة، وتشبيههم ببعض الشرائح الإجتماعية الأخرى، كيف تجري لتتسلق الجدران والأشجار لتتلصص على مقابلة في كرة القدم بدون تأدية التذاكر. فتتحرك الشخصيات في ذهن المتلقي، بصور كاركاتيرية ناطقة من خلال الوصف ؛خاصة عند الانسان المحلي الذي يعرف هذه الظواهر السائدة في المجتمع:

"...زم شفتيه وأومأ للجميع بإشارة من رأسه المغروسة في رقبته مثل خنزير بري،بأن يهرولوا مسرعين إلى الشاحنة الرابضة قرب محطة البنزين. ويتسلقوا جانبها تماما مثلما يتسور ماسحوا الأحذية وبائعوا الديطاي،أسوار الملعب البلدي أيام الأحد لمشاهدة مبارة في كرة القدم." ص 44.

وتتمظهر دقة الوصف وبراعة التصوير في قصة:"الأوجه السبعة" حيث ينسجم الوصف والسرد، فتتشخص الصور الساخرة، تتحرك في ذهن المتلقي كمشاهد سينيمائية: " هو ذو لسان يجره مثلما يجر قدميه،ليسلطه على كل من صادفه في طريقه" ص 53. " تتدلى على صدره العفن ربطة عنق حمراء اللون،كأنها لسان ثعلب يقطر دما" ص 54.

إن المجموعة القصصية غنية بهذه الأوصاف الدقيقة والإختيارات الأسلوبية التي ينتقيها القاص وفيما يلي بعض الإنزياحات اللغوية التي وردت في قصة باخوس:

- هون على نفسك يا صاحبي، لدي البلسم الشافي لجراحك، وفي أرقى مشفى.
المشفى: هو مكان للتداوي والاستشفاء، يخرق المعنى الأول بدلالة لأخرى، يقصد به الحانة لعلاقة رائجة بين الناس، أن المشروبات الروحية تفرج عن النفس. ص 76. "

وفي نفس ص جاء: " ولكن،أنا جيوبي مجروحة هي الأخرى." نفس ص.

استعمال مجروحة التي هي من فعل جرح الجرح، يسافر بالقارئ من المعنى الأول لمعنى آخر يخلقه النص.احالة عن الضيق والجيوب الفارغة.

- "ربما الخيول التي علفتها من زمان سمنت ولم تخيبك". نفس ص. وكأن الخيول تردّالجميل بعد تعليفها. يقصد أن صاحبنا ربح القمار.

- "بل لماذا ذهبت لتعثو فسادا في الزاوية؟

فهو يأتي ببعض الاستعمالات المحلية، ينحتها من خلال ثقافة مجتمعه، يوظفها في النص ليؤسس خصوصيته الإبداعية. تمتاح من المثل الشعبي،ومن الكلام العامي لوصف الحدث بدقة متناهية عندما يستدعي المقام ذلك. ويعود القاص دائما الى القيم المحلية، يقرأ من خلالها الأحداث والوقائع بروح نقدية مرحة، وفيها الكثير من السخرية لينتصر لما هو انساني في معالجة الاشياء:

"بل لماذا ذهبت لتعثو فسادا في الزاوية؟ الزاوية المكان المقدس يستعملها القاص بنوع من السخرية، كما هو وارد في استعمال الوافدين عليها وفي تداوال رموز السلطة. ففي الإستعمال نوع من الرفض السائد في قيم المجتمع الذي يمقت الخمر وأمكنته.التناقض مع الأصيل يخلق معجما خاصا للتمويه وقلب المفاهيم. وفيها خرق مبطن في استعمال السلطة الواعي للكلمة الزاوية، فهي تحرس وتؤمن المقدس والمدنس لضمان الإستقرار من جهة وتنويم شرائح عديدة في المجتمع. فالقاص حين يلجأ إلى هذه الإستعمالات يخرق اللغة على مستوى المعجم، ويؤسس لغة داخل لغة - ميتا لغة- يتذوق فيها القارئ جمالية التراكيب، فاللغة لا تفقد جوهرها بل تؤسس دلالة تزيد النص جمالا، وتزيد القراءة تأويلا في إدارك المعنى.

كما تحضر الدرجة المغربية في المجموعة القصصية كمقوم ثفافي في اختيارات أسلوبية. تقوي وصف المشهد، وتضفي دلالة الشحنة الإجتماعية للعبارات المستعملة في النص والتي تشكل قاسما مشتركا في المنطقة الجغرافية، خاصة عندما تقترب من المثل والحكمة الشعبية نذكر بعضا منها:

• "غادية تعطيك الخير والخمير" ص 21. "لو كان لباسبور عندي نمشي لفرنسا نولي لباس ". ص 22 قصة الرؤيا.

الغاشي: وردت في "اجساد ملغومة" تعني الناس ولها حمولة اجتماعية للدلالة على الكثرة والفوضى وانعدام النظام ص 43. "دجاجة بكمونها" صفة للربح المزدوج ص 61 قصة "الإشعار". "كل واحد يدخل سوق رأسه"استعمال مغربي واسع الإنتشار للدلالة على أن يهتم كل واحد بشؤونه الخاصة. "لكنزة كبيرة والميت فأر" في قصة: "رحلة " ص 69.
ويبقى الإفراط من هذه الإستعمالات- بالدارجة العامية - وتطويلها، يشوش على جمالية النص. ويحدد من استعاب خطاباته المشفرة، خاصة عند المتلقي خارج المحيط الجغرافي للهجة المحلية، مما يقلص من توسيع دائرته في التداول والفهم.

أفق الانتظارفي "لعنة باخوس":

هناك أفاق خارجية تبنيها بعض الأعمال في ذهن المتلقي من خلال الإشهار للعمل ودورالنشر التي تتبناها،فيتكسر افق الانتظارأحيانا، في القراءاة وملامسة النص. ويخيب ظن القارئ من هذه الافاق التي سبقت القراءاة، وهي كلها معايير وأثار خارجية للترويج للعمل، تسبق عملية القراءة في تهيئ القارئ وايهامه بجمالية التلقي.

إن المعايير الجمالية في المجموعة القصصية: "لعنة باخوس" تتأسس من الداخل وليس خارجه. فهي لم تأت من الإشهار، ولا من الدار التي تتبنى العمل. بل كل شيء يبدأ بجمالية التلقي من العنوان في تناصه مع الإرث الإنساني، يخلق من القارئ جزءا من الابداع وليس قارءا مستهلكا للنص، يتأتى ذلك من خلال قواسم مشتركة، تتأسس بين النص وثقافة المتلقي في تأويل المعنى.

إن "لعنة باخوس" عمل ابداعي متميز، يستحق التنويه بصاحبه، لما فيه من جمالية في السرد، وشاعريته في اللغة التي تسيل من الانزياحات. فهو عمل جدير بالمتابعة النقدية للوقوف على عوالم الإبداع الكامنة فيه.

* إصداراته:

- أمواج الروح سيرة مهاجر سري في باريس 1998.

- مرايا رواية 2008.

- وردة الشاعر مجموعة قصصية 2008.