السعادة والتوازن النفسي

، بقلم مصطفى لغتيري

في حديثنا عن السعادة يمكن أن ننطلق من الأسئلة التالية، التي لا ندعي القدرة على الإجابة عليها، بل هي فقط محركات للغوص في هذا الموضوع الشائك:
هل تعتبر السعادة الغاية الأسمى التي يسعى إلى تحقيقها الإنسان في حياته؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي تجلياتها ووسائل تحقيقها؟

طبعا يمكننا الاتفاق بداية حول الطابع الخلافي لمفهوم السعادة، الذي يمكن مقاربته انطلاقا من وجهات نظر متعددة، فالسعادة وإن كانت بصيغة المفرد إلا أنها من حيث العمق متعددة، وهكذا نستطيع الحديث عن سعادات، فسعادة الناسك المتصوف مثلا لن تكون بالطبع هي سعادة الفيلسوف أو الأديب، وكلتاهما حتما مختلفتان عن سعادة التاجر والإنسان العادي وهلم سعادة.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى تعدد السعادة واختلافها عند نفس الشخص حسب مراحل العمر، أو حسب الحالات والأمزجة.

و باختصار يمكن تحديد مفهوم السعادة في حالة من الرضى عن الذات تتحقق بإشباع مادي ومعنوي، قد يساهمان في خلق توازن نفسي، هو بالتأكيد لب السعادة وعمقها.

وتتجلى السعادة عند الإنسان بانبساط النفس، وقد تعبر عن نفسها بابتسامة تستلقي على الشفتين وبريق فرح يلمع في العينين، وما إلى ذلك من التعابير المعروفة كانفراج الأسارير كذلك.

أما السبيل إلى تحقيق السعادة، فأعتقد أن الأمر يتوفق على طبيعة الشخص المستهدف بهذا الإحساس، فما يحقق السعادة للمتصوف مثلا لا يمكن أن يحققه لمن ينغمس في اللذات المادية المعروفة، لكن يمكن القول –بكثير من التجاوز- بأن النجاح في الوصول إلى هدف من أهداف يساهم بشكل كبير في تحقيق هذه السعادة، ويمكن تصنيف هذا النجاح ضمن الإشباع المعنوي، ولا يخفى أن الإشباع المادي كذلك يحق هذه السعادة، خاصة عندما يأخذ الجسد كفايته من الغذاء أو الجنس مثلا.

و إذا كان هذا الإشباع يتميز بطابعه الوقتي الزائل، فإن السعادة التي يحققها لا تدوم طويلا، إذ سرعان ما تتبدد آثارها وتزول، لذا أرى أن التعويل في هذا المجال يجب أن ينصب على التوازن النفسي، الذي يتعين على المرء أن يناضل من أجل تحقيقه، وهو لا يتأتى إلا بعد خبرة في الحياة وتشذيب للنفس والاشتغال على الذات، بحيث تصبح ذات متوازنة، بعيدة عن الإسراف في العواطف الإيجابية أوالسلبية، محاولة أن تتخذ بين ذلك سبيلا وسطا، وبالطبع تتعدد الوسائل التي تساهم في تحقيق هذا التوازن، ويعد التدين بالنسبة لفئة كبيرة من الناس مصدرا لهذا التوازن لأنه يجعل المؤمن –في غالب الأحيان- راضيا قنوعا، مستسلما لتقلبات الأقدار و تصرفاتها.. لكن هذا التدين إذا تجاوز حدودا معينة، قد يهدم هذا التوازن ، خاصة حين يصبح تطرفا، وكرها للآخر، وشوفينية مقيتة، تجعل المرء يتقوقع حول ذاته ولا يرى غيرها، فيصاب بلوثة التعالي ،باعتباره مصدرا وحيدا للحقيقة المطلقة.

ومن الوسائل الأخرى لتحقيق هذا التوازن التشبع بالقيم الإنسانية العامة، من قبيل الديمقراطية واحترام الاختلاف، والإيمان بحقوق الإنسان والحيوان والبيئة .. هذه القيم تحفز في الإنسان السعي نحو إسعاد الآخر، وتبعده -يالتالي- عن التمركز حول الذات، وهذا مما يجعل المؤمن بها شخصا إيجابيا ومنفتحا وسعيدا كذلك. فكلنا يتذكر صور نشطاء حقوق الإنسان العالميين الذين قضوا نحبهم في بؤر التوتر الدولية ومنها فلسطين، أو وسط تجمعات بشرية تعاني من أمراض معدية مستعصية عن العلاج، محاولين مواساة المرضى رغم خطورة تواجدهم في تلك الأماكن.

و أزعم أن هذا التشبع بالقيم الإنسانية غير متأت للجميع، إذ دونه بناء الذات بكثير من التثقيف ومجاهدة النفس، حتى تتخلص من ميولاتها الطبيعية والمكتسبة نحو تمجيد الذات وكل ما نفتح عليه عيننا و نتلقاه في مجتمعاتنا، التي ما تزال للأسف تقدس "الخصوصية" خاصة فيما يتعلق باللغة والعرق والدين، و تتهيب من أي انفتاح عن الآخر والقبول به..

أما على المستوى الفردي، فأظن أن قبول الذات كما هي خطوة أولى نحو تحقيق السعادة، يلي ذلك طبعا التعامل معها بنوع من التسامح، من خلال استثمار أخطائها وهفواتها لتحقيق انطلاقة جديدة وقوية نحو المستقبل، كما أن الاعتراف بغرائزنا باعتبارها جزءا منا، بعيدا عن شيطنتها يساهم في هذا القبول بالذات، وهذا لا يعني الاستسلام لها كليا بدون قيد أو شرط، بل فقط التعامل معها كجزء من كينونتنا، بحيث لا يمكن إلغائها وكأنها والعدم سواء.
وباختصار، فالسعادة –كما أومن بها- هي خلاصة تجربة إنسانية عميقة، تؤدي إلى توازن نفسي عميق، يسلحنا باستراتيجية فعالة في مواجهة المواقف الصعبة، لنستطيع الإفراج عن الابتسامة ونحن في أشد المواقف الحياتية صعوبة وعنتا.