لغات ورسائل ركحية

مهرجان ﯖلميم لمسرح الجنوب

، بقلم أحمد بلخيري

احتضنت مدينة ﯖلميم بالمغرب أشغال الدورة الثانية لمهرجان ﯖلميم الدولي لمسرح الجنوب من 13/5/2013 إلى 19/5/2013. وكانت الدورة الأولى لهذا المهرجان السنة الماضية 2012. غير أن مايميز الدورة الثانية عن الأولى، من ضمن مايميزها ، هو تحديد هوية المهرجان. ذلك أن الانتساب إلى المغرب العربي كان المعيار المؤطر للفرق المسرحية المدعوة للمشاركة في الدورة الأولى. أما في هذه الدورة الثانية، فقد تحددت هوية المهرجان من قبل فرقة أدوار للمسرح الحر بمدينة ﯖلميم حيث تم ربطها بالجنوب. هذه هي الهوية الجديدة للمهرجان. ويبدو أن الجنوب المقصود هنا ليس الجنوب بالمعنى القاري نسبة إلى القارة الإفريقية، ولكن مفهوم الجنوب يتعلق هنا بمعناه المتداول عالميا باعتباره مقابلا لمفهوم الشمال. تقابل مفهومي الجنوب والشمال لايقتصر فقط على المستوى اللغوي إذ التقابل بينهما أعمق من ذلك؛ إذ يتجاوز المستوى اللغوي ليشمل الاقتصاد والمجتمع والثقافة والسياسة. وبهذا يكون المغرب العربي جزء فقط من هذه الهوية الجديدة. غير أن فرنسا، التي عرضت إحدى فرقها المسرحية مسرحية "الدب" لا تنتمي إلى الجنوب بالمعنى المشار إليه. على كل حال، يبدو أن هناك تغيرا في الهوية يعكس تحولا في الرؤية.

تأسست فرقة أدوار للمسرح الحر، التي تترأسها الأستاذة عتيقة أبو العتاد، بمدينة ﯖلميم سنة 2010 (5 يوليوز 2010). ويبدو، والدورتان الأولى والثانية شاهدتان على ذلك، أن لها طموحا كبيرا غايته الأساسية هي المساهمة في تطوير المسرح المغربي، والمساهمة كذلك في الإشعاع الحضاري والثقافي للمغرب. طموح كبير لابد، من أجل تحقيقه، من أن تعترضه صعوبات. لكن كل صعب قد يهون بفضل شركاء الفرقة كل شركائها.

في الدورة الثانية قدمت عروض مسرحية، وتم توقيع كتابين، وتكريم باحث هو الباحث الموريتاني أحمد حبيبي وفنان هو الحبيب ارويلي ابن مدينة ﯖلميم. هذا فضلا عن ندوة المهرجان التي كان عنوانها "المسرح وسؤال التنمية". شارك في هذه الندوة سالم اكويندي( ناب عنه في القراءة إبراهيم الدمناتي لتعذر حضوره) وأحمد حبيبي ومحمد أبو العلا وأحمد بلخيري. أدار هذه الندوة الشاعر والصحفي عبد الحق ميفراني. الكتابان اللذان تم توقيعهما هما: "سيميائيات المسرح" لأحمد بلخيري، و"يرفع الستار شذرات من حياة مسرحية"لإبراهيم الدمناتي. كما تضمن برنامج هذه الدورة ورشات تكوينية في تقنيات المسرح أطرها الفنان عبد اللطيف خمولي (ورشة التعبير الجسدي)، والفنانة المسرحية الكاميرونية ماسان أبيروكو (ورشة الارتجال)، والفنان المسرحي السينغالي إبراهيما مباي سوبي وأحمد حبيبي (ورشة فن التمثيل). وبالموازاة مع المهرجان تم تنظيم معرض لكتب تتعلق بالمسرح طيلة أيام المهرجان. وكان لافتا للانتباه الحضور الكثيف للجمهور الذي كان يحضر يوميا لمشاهدة العروض المسرحية وتفاعله الإيجابي معها. وقد توج المهرجان ببيان تضمن توصيات.

ليس الهدف هنا إنجاز تحليل لكل عرض مسرحي على حدة. إن تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من مشاهدة واحدة عابرة من أجل المزيد من التدقيق والمزيد من ضبط كل مكونات الجمل المسرحية في تلك العروض. عدم إمكانية تحقيق هذا الهدف لا يمنع من التعريف بتلك العروض المسرحية على الأقل، باستثناء العرض المسرحي الأخير "حادة والزرموميات" الذي قدمته فرقة أونامير، وهو من إخراج المخرج المسرحي عبد القادر اعبابو، لأنني لم أتمكن من مشاهدته.

في إطار المهرجان، قدمت فرقة المسرح القومي-بنغازي من ليبيا مسرحية "زحمة". كتب النص الدرامي، حسب البطاقة التقنية، محمد العجودي، أما الإخراج المسرحي فقام به سعد محمد المغربي. جرت الأحداث المسرحية في هذا العرض المسرحي في فضاءين مختلفين، فضاء البيت وفضاء المحكمة. أغلب الأحداث المسرحية جرت في الفضاء الأول حيث كانت البداية من استيقاظ امرأة كانت ممدة على سرير النوم. تبين من خلال جريان الأحداث المسرحية أنها تشكو من ضيق نفسي يحيل عليه عنوان المسرحية "زحمة"، الذي تردد على لسان الشخصية الرئيسية في العرض. ضيق نفسي أو أزمة نفسية مردها إلى المجتمع الذكوري الذي تسود فيه قيم اجتماعية غير منصفة للمرأة حتى وإن كانت تحركها وجدانيا عاطفة الحب الصادق. وبالمقابل، تتسامح هذه القيم مع الرجل حتى وإن كان مخادعا ومحتالا.

لقد كانت المرأة في المسرحية تحلم بفارس أحلامها وبحياة زوجية سعيدة ومستقرة. لهذا لم تتردد في فتح باب المنزل أمام من تحب. وتحت ضغط مشاعر الحب، الذي سيتوج بالزواج حسب ظنها الذي يدل عليه الفستان الأبيض وفارس الأحلام، استجابت لنزوة من كانت تعتبره حبيبا. غير أن هذا الأخير، وقد كان استحضار هذه الشخصية عن طريق حركات يدوية والطرق على الباب ودعوته للدخول، ظهر، من خلال المونولوج والحوار من داخل المونولوج، أنه كان يستعمل الكلام المعسول لقضاء وطره فكانت النتيجة فقدان الشخصية الرئيسية/المرأة بكارتها. فقد البكارة في مجتمع عربي تقليدي يعني انعدام العفة. وكل غلطة للمرأة، حسب العرض المسرحي، تكون بورطة. من هنا كانت معاناة المرأة النفسية في العرض المسرحي. معاناة نفسية سببها اجتماعي، فتداخل في العرض المسرحي الجانب النفسي والسبب الاجتماعي. ولم يكن القانون رحيما ولا متعاطفا مع هذه المرأة في المسرحية، التي قدمها العرض المسرحي باعتبارها مظلومة، بل أدانها وحملها عاقبة فعلها كما لو أن الفعل الذي أقدمت عليه كان من طرف واحد. وقد تخللت العرض المسرحي موسيقى شعبية ليبية وموسيقى حزينة في تناغم وانسجام مع الحدث المسرحي.

من خلال المونولوج تبين أن أفكار البنت تختلف عن أفكار أمها. أفكار هذه الأخيرة تقليدية ولذلك فمفهوم المرأة عندها مفهوم تقليدي، خلافا للبنت التي لا تعتبر الحب جريمة بل قيمة إنسانية سامية. لذلك لجأت إلى القضاء طلبا للإنصاف، لأنها تعتبر نفسها "امرأة مجروحة ومذبوحة". غير أنها وجدت في المحكمة قانونا تقليديا جامدا فكانت ضحية له. ولذلك تعمقت معاناتها التي عبرت عنها من خلال بعثرتها للأوراق وسقطتها في المشهد الأخير. إنها ضحية مزدوجة ضحية الخداع وضحية القانون أيضا.

وقد جرت معظم الأحداث المسرحية في فضاء المنزل. كل هذه الأحداث التي جرت في هذا الفضاء أدتها شخصية واحدة هي شخصية المرأة الحالمة والضحية في الوقت ذاته، فكان المونولوج والحوار المتخيل مع من كانت تعتبره حبيبها وكذلك مع أمها. وبتغيير طفيف للديكور تحول فضاء المنزل إلى فضاء المحكمة، ذلك أن السرير تحول إلى كرسي القاضي، وتحولت الطاولة إلى مكتب لهذا الأخير. ولم يتغير لباس الشخصية المسرحية التي قدمت على الركح طيلة مدة العرض،ولم يكن لباسا ليبيا تقليديا. هذا وتجدر الإشارة إلى أن دور المرأة في المسرحية أدته الممثلة ياسمين جمعة. أما دور القاضي في المسرحية، وقد كان في المشهد الأخير، فقد أداه محمد الصهبي. هذه المسرحية الاجتماعية من إخراج المخرج المسرحي سعد محمد المغربي.

وقدمت فرقة(....) ، وهي فرقة مسرحية من شمال مدينة مرساي الفرنسية ، مسرحية "الدب" لأنطون تشيكوف. توجد كلمة chambre أي غرفة في اسم الفرقة. وقد كان الفضاء المسرحي الذي جرت فيه الأفعال المسرحية في غرفة أرملة، هل هي صدفة؟ كان اللعب المسرحي وسط الركح. في اليمين كنبة للجلوس، وفي اليسار طاولة عليها أدوات التجميل حيث بدت الأرملة مع انطلاق الأفعال المسرحية وهي منهمكة في وضع الماكياج. في هذه الغرفة توجد علامة أيقونية هي صورة الزوج الميت المعلقة على الجدار. الصورة تدل على وفاء الأرملة لزوجها، لهذا كان جزء من لباسها، الجزء الأسفل، أسود اللون. إضافة إلى الأرملة هناك خادمة، لباس هذه الأخيرة يدل على وضعيتها الاجتماعية. هناك إذن تضاد في اللباس يقابله تضاد اجتماعي بينهما.

تغيرت الأحداث فجأة في البيت بعد دخول شخصية أخرى إلى الغرفة بعد أن فتحت لها الخادمة الباب إثر تلقي الأمر بذلك من سيدتها الأرملة. هذه الشخصية غيرت مجرى الأحداث، إذ ستطالب الأرملة بتسديد ديون في ذمة زوجها المتوفي. لم تكن هذه الأخيرة تعلم بهذه الديون، ولم تكن تملك ساعتها نقودا للتسديد، فطالبت بتأجيل الأمر إلى زمن لاحق. دفعت حدة الصراع والإصرار الشخصية/الرجل واسمه سيمرنوف إلى الاسترخاء على الكنبة معلنا أنه لن يخرج إلا بعد الحصول على النقود. احتداد الصراع بين الشخصيتين عكسته لغة الحوار المسرحي وكذلك النبرات الصوتية وحركات الشخصيتين والمبارزة باستعمال المسدس. صاحبت تعليم كيفية استعمال المسدس من قبل الرجل لغة تخاطب الأحاسيس. مخاطبة أحاسيس الأرملة أدت إلى تغير لغة هذه الأخيرة. تغير كانت نتيجته في الأخير قبلة وعناق.

وقد كانت السينوغرافيا في هذه المسرحية من بداية العرض إلى نهايته ثابتة لأن الفضاء المسرحي لم يتغير، وهو فضاء الغرفة. وقد وقع تعديل طفيف في المسرحية مقارنة مع النص الدرامي الذي كتبه أنطون تشيكوف. في العرض المسرحي كانت للأرملة خادمة، أما في النص الدرامي فكان لها خادم عجوز: لوقا1.

بعد هذا العرض، وفي اليوم التالي قدت مسرحية (...) أو فيما وراء الحجاب. وهو عنوان المسرحية التي قدمتها على الركح الفنانة الكاميرونية حينما كنت أشاهد هذه المسرحية حاولت ربط أحداث المسرحية وموضوعها والعلامات الموجودة فيها بالكاميرون. وأولى هذه العلامات كلمة الحجاب نفسها باعتبار الحجاب رمزا دينيا إسلاميا. لكنني علمت بعد العرض أن الفنانة ماسان اعتمدت على نص مقتبس من نص درامي لكاتب جزائري هو سليمان بنعيسى، فاكتسبت العلامات دلالات أخرى في ذهني حيث تم توسيع التفسير.

في النص الذي كتبه هذا الأخير باللغة العربية سنة 1990 ثم نقل إلى اللغة الفرنسية، وقد اعتمدت ماسان على النسخة الفرنسية، توجد شخصيتان هما "الكبيرة"( و"الصغيرة" وهما أختان. أما النص المقتبس الذي عرض على الخشبة ففيه شخصية واحدة: الكبيرة. ولذلك فالعرض المسرحي المقدم على الركح يندرج في إطار المونودراما. من خلال جريان الأحداث المسرحية كان استحضار "الصغيرة" من خلال الحوار. بدأ النص الدرامي المكتوب باللغة الفرنسية من قبل سليمان بنعيسى ب:

الكبيرة: أين كنت؟ من أين أتيت؟

الصغيرة: تلك مشكلتي

بدأت الأحداث المسرحية في العرض المسرحي في فضاء المطبخ حيث كانت الشخصية المسرحية بصدد تحضير وطهي الطعام. في هذا المطبخ يوجد قدر موضوع على آلة للطبخ والشخصية منهمكة في تهيئ الخضر من أجل إعداد الطعام. إضافة إلى اللغة اللفظية، عبرت الشخصية المسرحية، عبر جسد الممثلة ماسان، بالصوت حيث كان إيقاع هذا الأخير يتغير تبعا لمضمون الرسالة، وكان النطق الإفريقي مائزا. كما عبرت أيضا بواسطة الحركات حيث تم تشغيل كل فضاءات الركح وقوفا وجلوسا تبعا لتطور الأحداث المسرحية. و حاولت استغلال تقنية الإنارة مثل تركيز بقعة الضوء على مشهد وسط الركح وهي تخاطب الدمية.

تتعلق الموضوعة الرئيسية في هذا العرض المسرحي بمنظورين مختلفين للمرأة. هذا الاختلاف جسدته في العرض المسرحي "الكبيرة" "و"الصغيرة"، وقد أدت دوريهما معا الفنانة ماسان، حيث تم استحضار"الصغيرة" عن طريق الحوار. تتحدث الكبيرة تارة باسم النساء عامة، وتارة باسمها الشخصي، إذ في العرض المسرحي يتقاطع الشخصي مع العام. يتعلق الشخصي بحياتها الخاصة، وهنا كانت تتحدث، مثلا، عن زوجها، واللص الشاب والسوق. أما العام فيتعلق بالمرأة المسلمة. في هذا الإطار ذكر "الكتاب" والتفسيرات المتعددة للإسلام، والإرهاب، والتمييز بين الرجال والنساء. وانطلاقا من منظور معين للمراة المسلمة، اعتبرت الفلسفة شأنا ذكوريا وليست شأنا نسائيا، وكذلك الأمر بالنسبة للسلطة. إن مهمة المرأة، وفق هذا المنظور، تنحصر في تدبير شؤون المنزل، وعليها التزام الصمت.

كانت نتيجة تطور الصراع المسرحي في العرض المسرحي الشعور بصداع في الرأس فكان السقوط، سقوط الشخصية المسرحية وسقوط إيديولوجيات كابحة للحرية. وقد ارتدت طيلة العرض المسرحي لباسا أحمر اللون،و هو من الألوان الساخنة إذن لون ساخن لقضية فكرية واجتماعية ساخنة.

من الإيديولوجيا إلى مشكلة إفريقيا الكبيرة في الوقت الراهن: الهجرة السرية. هذه هي الموضوعة الرئيسة في العرض المسرحي الذي قدمه على الركح الفنان السينغالي إبراهيما مباي سوبي بدأ العرض المسرحي ببث صور على يسار الخشبة المسرحية. تتعلق هذه الصور بأشخاص وهم في عرض البحر بعد أن امتطوا مركبا من أجل الهجرة السرية نحو الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط. تدل ملابسهم وملامح وجوههم ونظراتهم على المعاناة والحزن والفقر. تخللت هذه الصور كلمة مرفوض يمكن القول بأن هذه الصور قد حددت موضوع المسرحية قبل ظهور الشخصية المسرحية على الركح. كان الظهور الأول لهذه الأخيرة وهي تعبر الركح من أقصى الجانب الأيسر إلى مقدمته من جهة اليمين وهي تجر حبلا طويلا موضوعا على الكتف، تدل حركة الشخصية على أن المجرور ثقيل. تم التعبير عن هذا الثقل بحركات جسدية منها انحناء الجسد والخطوات البطئية. كان الطرف الأخير في الحبل الموضوع على الكتف موصولا بلائحة طويلة مكتوبة. حينما وصلت الشخصية المسرحية إلى مقدمة الخشبة على اليمين كان برميل موضوعا في ذلك المكان، فكان التفاعل الحركي بين الشخصية المسرحية وهذا البرميل. وقد عمقت الموسيقى الحزينة الفكرة المراد إبلاغها إلى المتلقي/المشاهد.

تبين من خلال تطور الأحداث المسرحية أن الشخصية المسرحية الأساسية في المسرحية، وهي مونودراما، ترغب في الهجرة من إفريقيا إلى إسبانيا. رغبة هذه الشخصية، وهي ترمز إلى الشباب الإفريقي الراغب في الهجرة نحو الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، اصطدمت برفض اجتماعي. في هذا الإطار، تم استحضار شخصية الأب. رفض قابله إصرار من قبل الشخصية المسرحية الأساسية. وأثناء جريان الأحداث المسرحية ذكرت مجموعة من الدول منها فرنسا، وبلجيكا، والصين، واليابان. كما ذكرت أيضا مجموعة من الدول الإفريقية منها الغابون. كل ذلك كان مصحوبا بتعليقات هذه الشخصية المسرحية تجاه شعوب تلك الدول. وقد استعمل الفنان السينغالي المذكور اسم الشاعر والصحفي عبد الحق ميفراني في العرض المسرحي، وقد كان هذا الأخير كان يشاهده.

بين التشاؤم والتفاؤل والأمل، تم الكشف عن معاناة الشخصية المسرحية الأساسية النفسية والاجتماعية وصراعاتها من أجل حياة كريمة، ترى أنه لن تكون إلا في الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط. وقد كان للغة الجسدية دور مهم في هذا الكشف. مخرج هذه المسرحية، والممثل الوحيد فيها أيضا، هو إبراهيما مباي سوبي.

أما مسرحية "ثلاثة قمصان"، التي قدمتها جمعية المسرحيين الموريتانيين، فقد ركزت على أحداث وطنية داخلية تتعلق بموريتانيا. عنوان العرض المسرحي هو "ثلاثة قمصان"، وفي خلفية الركح علق قميص واحد كبير أبيض اللون طيلة العرض. يتطابق عدد ثلاثة الموجود في العنوان مع ثلاث شخصيات مسرحية هي التي تبادلت الحوار المسرحي فيما بينها في العرض المسرحي المذكور. هذه الشخصيات الثلاث، ارتدت واحدة منها بذلة عصرية وارتدت اثنتان لباسا تقليديا موريتاني.بدا واضحا منذ البداية أن هذه الشخصيات المسرحية الثلاث بصدد البحث عن شخصية رابعة مفقودة هي شخصية أيوب. يمكن ربط القميص المعلق في خلفية الركح بهذه الشخصية المفقودة المبحوث عنها. وكلمة أيوب، التي هي اسم الشخصية المفقودة المبحوث عنها، ترمز إلى الصبر، الصبر ممن؟ الجواب له علاقة بالموضوعات التي تطرق إليها العرض المسرحي، وهي موضوعات متعددة منها ما يتعلق بالمنتخب الوطني الموريتاني، ومنها السياسي. في هذا الإطار، اعتبر البلد سديما يبابا. وإذا اعتبرنا السديم، لغويا، هو الضباب الرقيق، فإن الصفة التي وصف بها هذا السديم تجعله غير مجد لأنه بلا ماء. إذن بلد بدون ماء أي بدون حياة، المقصود الحياة المرغوب فيها. في هذا المعنى تندرج بعض الحركات اليدوية التي كانت مصاحبة لنطق كلمة محددة تم فصل جزئها الأخير، المكون من ضمير الغائب والصوت الذي قبله مباشرة في الكلمة المعنية، عن جزئها الأول. جزأها الأخير هو "ته"، أما الكلمة فهي "فخامته". وهي كلمة أو لقب يستعمل عربيا لشخصية محددة لها دور أساسي بل الدور الأساسي في المجال السياسي الرسمي.

في هذا السديم اليباب كانت الأحلام مقيدة. وهناك أفعال لغوية في العرض المسرحي تتعلق بالمستقبل. وقد تخللت الحوار المسرحي أحيانا لغة شاعرية ، وقد كان الحوار أحيانا بالدارجة الموريتانية وأحيانا باللغة العربية الفصحى.

في هذا المهرجان قدمت فرقة "فضاء اللواء للإبداع" مسرحية "أوسويفون" المقتبسة من نص درامي لبرتولد بريشت "رجل برجل" الذي كان قد أبدعه بين سنتي 1924 و1926. وقد نشر النص الدرامي سنة 1979 (دار الفارابي، بيروت) بعد تعريبه من لدن نبيل حفار. العنوان "أوسويفون" هو أصلا باللغة الفرنسية "Au Suivant" الذي يعني إلى اللاحق. تقيد العرض المسرحي فقط بالإطار العام لنص "رجل برجل"، أما الأحداث المسرحية، والزمان، والفضاء، حيث جرت هذه الأحداث، فتختلف اختلافا كليا عن تلك الموجودة في النص الأصلي.

يبدو أن اختيار "أوسويفون" المكتوبة بحروف عربية، والتعبير أصلا من اللغة الفرنسية ، يعود إلى اكتساح كلمات فرنسية الدارجة المغربية منذ زمن الاستعمار الفرنسي للمغرب إلى اليوم. يتعلق زمن الأفعال المسرحية التي عرضت على الركح، وكذلك الفضاء المسرحي، وكلمة "الكوم"، في العرض المسرحي بالمغرب زمن الاستعمار الفرنسي. يحيل العنوان وسياق الأحداث المسرحية بالكثرة العددية. هذه الكثرة تتعلق بحي بوسبير في المدينة الدار البيضاء و زبنائه طالبي اللذة الجنسية. وهو حي أحدثته السلطة الاستعمارية الفرنسية لتلبية رغبات الجنود (الكوم) الجنسية. هو إذن مكان معد بصفة رسمية في ذلك العهد لممارسة الدعارة .

افتتح العرض المسرحي، خلافا للنص الدرامي الذي بدأ بحوار بين غالي غاي الحزام وزوجته، بثلاثة جنود. هؤلاء الجنود الثلاثة يدل لباسهم على مهنتهم. إلا أن الملاحظ هو أن أحد الجنود الثلاثة عوض حمل بندقية مثل الجنديين الآخرين حمل آلة وترية تستعمل في الغناء. والسبب في ذلك هو أن هذا الجندي استعمل تلك الآلة الوترية، وصوته كذلك، من أجل أداء المقاطع الغنائية في العرض المسرحي. هؤلاء الجنود الثلاثة ينقصهم رابع زميل لهم اسمه الوالي، وهم بصدد البحث عمن يقوم بدوره أمام رئيسهم المسؤول العسكري.

بعد هذا المشهد ظهر حمال يحمل بضائع الناس مقابل أجر. عوضت هذه الشخصية في العرض المسرحي "غالي غاي الحزام" الموجود في النص الدرامي. اختلف الاسم ولكن تم الاحتفاظ بالدور. كان الحمال في العرض المسرحي بصدد البحث، بعد خروجه من المنزل، عن سمكة لزوجته. وفي الفضاء العام صادف شخصية نسوية التي وعدته، بعد أن طلبت منه حمل مقتنياتها، ليس بالسمكة فقط ولكن ب"الخيار" أيضا. في العرض المسرحي يمكن تأويل السمكة و"الخيار" تأويلا يختلف عن معنييهما المعجميين. هذا التأويل غير منفصل عن سياق الأحداث المسرحية، وهو مرتبط، أي التأويل، بحي بوسبير المشار إليه. هناك إذن ثلاثة مسارات وثلاثة رهانات ارتبطت فيما بينها لتشكيل هذا العرض المسرحي. مسار ورهان الجنود الثلاثة، ومسار ورهان المرأة، ومسار ورهان الحمال.

اختفاء الجنود أثناء أداء المشهد الذي جمع بين الحمال والمرأة، ثم ظهورهم بعد ذلك أديا إلى تشابك الأحداث في العرض المسرحي. في هذا الأخير كان لباس المرأة معبرا عن لباس يرتبط بالمرحلة الزمنية التي تجري فيها تلك الأحداث. يضاف إلى هذا اللباس المعبر الوشم، وهو علامة جمالية ترتبط بالزمن المشار إليه. هذه المرأة جاءت أصلا من البادية إلى حي بوسبير لامتهان الدعارة. وعبر الذاكرة استرجعت ظروف قدومها إلى هذا الحي، الذي اقترن في أحد المشاهد بكلمة "حاشاك". كلمة تكشف عن موقف أخلاقي تجاه الحي المذكور. وفاطمة، المرأة المعنية في العرض المسرحي، تتحسر على حاضرها. حسرة دل عليها، فضلا عن الألفاظ المصاحبة، الزفير ثم الشهيق مرتين؛ أما في المرة الثالثة فكان الزفير دون شهيق. حركتا الزفير والشهيق، ثم الزفير بدون شهيق، كل ذلك يدل على عمق هذه الحسرة. حسرة جمعت في مشهد واحد، وبنفس الطريقة، بهدف التعبير عنها، وإن اختلفت الأسباب الداعية إليها، فاطمة والغالي الحمال الذي جاء من أولاد حدو إلى الدار البيضاء حيث كان يعيش مع زوجته. تم تقديم هذا المشهد في مقدمة الركح جنبا لجنب جلوسا مع مد الأرجل. وضعية قد تكون سهلت حركتي الزفير والشهيق، ومن خلالهما إبلاغ الرسالة المراد إيصالها إلى الجمهور في أحسن الظروف من حيث الأداء المسرحي.

طلب من الغالي الحمال أن يؤدي دور الوالي الجندي المفقود وأن يستغل الظروف. وقد تم الإيقاع به لأداء هذا الدور أمام المسؤول العسكري بعد تفاهم بين فاطمة والجنود الثلاثة. تفاهم تم التعبير عنه بهمهمات نابت عن الحوار اللفظي. وقد حاول الجنود الثلاثة التمويه بأن الوالي المزيف هو الوالي الحقيقي. ورغم إعداد الغالي الحمال لأداء هذا الدور العسكري أمام ذلك المسؤول، فإنه لم يتمكن من ضبط وتنفيذ الأوامر والواجبات العسكرية، حركاته دلت على ذلك. وعليه، فهو لم يندمج اندماجا كليا في أداء هذا الدور. وإذا كانت الواجبات العسكرية تقتضي الخضوع والامتثال إلى من هو أعلى رتبة، فإن شخصية المسؤول العسكري كانت تبدو قوية أمام الجنود، هذا ماتدل عليه نبرات صوته وحركاته ولغته اللفظية؛ لكن هذه القوة تحولت إلى ضعف أمام فاطمة، إنها سلطة الجنس.

في هذا العرض المسرحي تم استغلال الأغنية من أجل ملء البياض بين المشهد الأول والمشهد الثاني بهدف تغيير الديكور. وفي أحد المشاهد استعملت عبارة "فيها الملح والسكر ومابغاتش تموت"، وهي عنوان فيلم سينمائي. وقد تم تقسيم الخشبة المسرحية تقسيما روعي فيه تطور الأحداث المسرحية والصراع والتقطيع المشهدي. وتبعا لذلك كان اللعب المسرحي في وسط ويمين ويسار الركح حسب ما يقتضيه تطور تلك الأحداث التي جرت في فضاء عام.

من الجنود وحي بوسبير بمدينة الدار البيضاء إلى أحداث مسرحية وصراع آخرين في مسرحية "الريح" التي قدمتها "فرقة أدوار للمسرح الحر" بمدينة ﯖلميم المحتضنة للمهرجان. وهي من إعداد بوسرحان الزيتوني عن النص الدرامي"ليلة القتلة" للكاتب المسرحي الكوبي خوسي تريانا وإخراج عبد اللطيف الصافي.

كانت بدية العرض المسرحي بحاجز توجه به فتحتان، الأولى في يمين هذا الحاجز والثانية في يساره. تتوسطهما فتحة أكبر منهما طولا وعرضا. خلف كل فتحة من الفتحتين ظهر وجه شخصية من شخصيات المسرحية. وفي الفتحة الكبيرة ظهرت شخصية ثالثة من الرأس إلى القدمين عكس الفتحتين المشار إليهما سابقا. وهذا يعني التركيز على هذه الشخصية بالذات . في هذه الفتحة الثالثة كانت قضبان مطلية باللون الأحمر رمز الدم. يضاف إلى هذه العلامة اللونية سكين ملطخ مطلي كذلك باللون الأحمر رمز الدم: إنهما علامتا القتل والإجرام. لاتوجد في المسرحية ثلاثة سكاكين بل سكين واحد، وهذا يعني أن القاتل واحد. لهذا ركزت نهاية المسرحية على شخصية واحدة.

وفي القتل لابد من وجود طرفين على الأقل متصارعين. طرفا الصراع في هذه المسرحية هما الوالدان من جهة، والأبناء من جهة أخرى. ولذلك يمكن وصف الصراع في هذه المسرحية بأنه صراع جيلين اختلفت ظروفهما وتطلعاتهما. ومن خلاله تبين أن أحد الأبناء الثلاثة لم يحقق أحلام أبيه. ودفعت حدة الصراع بين الطرفين إلى أن تطلب الأم الموت لابنها. وقد تم التطرق في العرض لمواضيع متعددة منها موضوع صاحب الدجاج مع الشرطة، والقرعة التي استعملت، مثلا، مع القاتل وهو في قبضة هذه الأخيرة لانتزاع الاعتراف، والغيرة والشك غيرة وشك الزوجة، والقاضي والحلوى، والتغزل في بنت الجيران، والهجرة، ومشاكل الحياة اليومية للوالدين.

لم يظهر بائع الدجاج على الركح ولكن سمع (بضم السين) صوته. ولإبراز العلاقة غير المتكافئة بين الشرطة وهذا الأخير تم اللجوء إلى النبرات الصوتية، حيث كانت نبرات الشرطة قوية حادة خلافا لنبرات بائع الدجاج التي كانت ضعيفة. وكانت السراويل الشبابية معبرة عن ذوق واختيار يختلفان عن ذوق واختيار الوالدين. وهنا تجدر الإشارة إلى الشيخ صاحب العكاز واللباس المعبرين عن مرحلة عمرية معينة. وتشبه النهاية البداية سينوغرافيا إلا في كون البداية كانت بثلاث شخصيات، بينما كانت النهاية بشخصية واحدة كانت خلف القضبان المطلية باللون الأحمر، رمز الدم، حيث كان المتهم بالقتل. وبهذا كانت أحلام الوالدين تجاه أبنائهما مثل القابض على الريح.

قبل بداية الأفعال المسرحية في مسرحية "تاغتجا"، وهي من تأليف محمد أبو العلا وإخراج إبراهيم الهنائي وتشخيص عبد اللطيف خمولي ووليد مزوار، كانت السينوغرافيا على النحو التالي: على يمين الركح ويساره توجد حفرتان، أمام كل حفرة ارتفاع متوسط من لون الطين والتراب. وخلف الركح قارورات بلاستيكية فارغة معلقة، و أمام الركح يسارا علقت قارورة ماء واحدة بها ماء لكنها ليست ممتلئة. عدم امتلائها يدل على أن الجزء الفارغ قد استهلك من قبل الفاعلين، وهما اثنان، في هذه المسرحية. أما القارورات الفارغة فتدل على أنها استهلكت من قبلهما. يدل عددها، وقد كان ثلاث عشرة قارورة فارغة، على كثرة الشرب. ليس المهم هنا الرقم في حد ذاته ولكن المهم هو ما يحيل إليه وهو الكثرة. كثرة تدل على طول مدة الحفر بحثا عن الماء. تضاف إلى كل ذلك أدوات الحفر.

هذه العلامات المسرحية غير اللفظية كانت موجودة قبل بداية الحوار المسرحي. وقد بقي تأثيث الركح على هذا النحو ثابتا من بداية العرض المسرحي إلى نهايته ماعدا الثقوب التي أحدثت في قارورة الماء الأمامية من قبل رحال والتي أدت إلى احتجاج علال، تطور الأحداث المسرحية أدى إلى ذلك، ومرور طقس تاغنجا خلف الركح في أحد المشاهد المسرحية. ومعلوم أن طقس تاغنجا يتعلق بطلب الماء عن طريق لاستسقاء، وهذا ما أكدته الأغنية في العرض المسرحي. و طقس تاغنجا ينسجم دلاليا مع الحفر بحثا عن الماء أيضا فيه.

تولى عملية الحفر عاملان، بالمعنيين المسرحي والمهني بلباسيهما وحذاءيهما العمليين. استعمل رحال، وهو شخصية مسرحية، في الحوار المسرحي ضمير جماعة غائب. من خلال تلفظ رحال يتجلى أن الذين يعود عليهم هذا الضمير أعلى مرتبة اجتماعية بالمقارنة مع وضعية العاملين، وهم سبب معاناتهما حسب قوله. كان رحال واضحا في هذا الأمر، وهو في هذا يختلف عن علال الذي لم يحدد في البداية من يعود عليهم ذلك الضمير، حيث ظن أنه يعود على المشاركات في طقس تاغنجا. لكنه أدرك ذلك فيما بعد من خلال تطور الأحداث المسرحية. يمكن أن نستنتج، بناء على هذه المفارقة والاختلاف، والمسرح هو فن المفارقات والاختلاف بامتياز، أن وعي علال يختلف عن وعي رحال وكذلك تطلعاتهما. وهذا ما ظهر جليا في استيهامات علال الذي ظن أنه عثر ليس على الماء ولكن على البترول. غير أن هذا الظن سرعان مازال بعد أن أزكمت الرائحة النتنة أنفه المنبعثة من شيء غير البترول. فهذا الأخير لا تنبعث منه هذه الرائحة الأخيرة، وبهذه تبخرت أحلامه.

فتح هذا الظن المجال واسعا كي يفصح علال عن أحلامه ورغبته في تسلق الهرم الاجتماعي والحلم بتكوين أسرة. والتسلق يعني الانتقال من الأدنى إلى الأعلى اجتماعيا. لهذا توهم أنه يملك سيارة فخمة وغيرها من الوسائل التي تدل على الثراء خلافا لوضعيته الاجتماعية والاقتصادية الواقعية . وهو لا يريد لرحال التسلق الاجتماعي بل يريد لنفسه فقط. وعلى هذا الأساس، تغير اسمه إلى علال وال (Oil)، وهو اسم يدل على رغبة. تم التعبير عن هذه الرغبة،مثلا، من خلال استعمال أصبعه في إشارة إلى البعيد لتحديد السيارة الفخمة الوهمية كي يراها رحال. إشارة إلى البعيد، الذي عضدته النبرات الصوتية لعلال، لأن أحلامه بعيدة عن التحقق. وقد كان ذلك في مقدمة الركح من أجل التركيز على هذا الحلم. من هنا يمكن القول إن طموحه طموح ذاتي فردي من أجل غد سعيد (الوقت الزينة حسب تعبيره).

وقد تخللت الحوار المسرحي عودة إلى الماضي والسرد عن الطفولة. واستعملت في العرض المسرحي الأغنية، كما استعملت فيه أيضا البقع الضوئية من أجل عزل بعض العلامات المسرحية وتركيز بصر وانتباه الجمهور نحوها مثلما حصل بالنسبة للعاملين حيث سلطت بقعة ضوئية على كل منهما للهدف المشار إليه. ويمكن القول بأن شخصية علال في المسرحية قد توزعها الضعف والقوة معا. ضعف أمام رحال عكسته حركاته اليدوية حينما رغب في التدخين. أما القوة فصاحبت استيهاماته بعد أن ظن بأنه عثر على البترول. قوة عبر عنها التلفظ وطريقة التلفظ اللذين خاطب بهما رحال وهو يظن أن أحلامه الفردية قد تحققت بعد الاكتشاف الوهمي للبترول. وقد جرت كل الأحداث المسرحية في فضاء مفتوح، وكانت السينوغرافيا، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، ثابتة طيلة العرض المسرحي.

من خلال كل ما سبق، يتبين أن الركح في هذا المهرجان كان، عموما، فضاء للإبلاغ والإمتاع، إبلاغ رسائل بواسطة اللغة المسرحية وعمادها الألفاظ، والجسد، والصوت، والحركة، والأغنية...أي مجموع اللغات المكونة للغة المسرحية، وإمتاع الجمهور بجماليات الإبداع المسرحي. تتعلق اللغات بمختلف وسائل التعبير في التواصل المسرحي، وتتعلق الرسائل بالغايات والأهداف من هذا التواصل بعد تحليل شفراته أو سننه من قبل المشاهد. وكان اختلاف الأزمنة في العروض المسرحية، علاوة على الفضاءات المرتبطة بها والأحداث المسرحية والسينوغرافيا، طبيعيا.

بناء على كل ما سبق، يمكن اعتبار المهرجان إضافة نوعية للمسرح المغربي لاسيما إذا تم الحرص في الدورات اللاحقة على الجودة الفنية في انتقاء العروض المسرحية. وهو يساهم، من خلال اختيارات الساهرين عليه، في الإشعاع الثقافي المغربي داخليا وخارجيا.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن ترتيب تحليل العروض المسرحية هنا خضع لترتيب تقديمها في المهرجان المذكور ، أو ما يمكن اعتباره تحليلا لأن هناك إحساسا بأنه لو تمت مشاهدة هذه العروض أكثر من مرة لتم إخضاع المزيد من العلامات المسرحية فيها للتحليل، ولتم تعميق البحث في أخرى. وعليه، فهذا الترتيب لا ينطوي على أي حكم مسبق.

هامش:
1-انطون تشيخوف، مؤلفات مختارة من 4 مجلدات، دار "رادوغا" موسكو ودار التقدم، 1983، المجلد 4، ترجمة ابو بكر يوسف (طبع في الاتحاد السوفييتي).


أحمد بلخيري

كاتب ومسرحي مغربي

من نفس المؤلف