بكُم سيصعدون الجبل

معهم ستصلون القمة

، بقلم إبراهيم نصر الله

ياسمين ومعتصم يافعان فلسطينيان فقدا ساقيهما، سيصعدان قمة جبل كلمنجارو، رابع قمة في العالم، في رحلة (صعود من أجل الأمل) الشاعر إبراهيم نصر الله يدعم الرحلة ويصعد معهما الجبل مع عدد آخر من المتطوعين.

قبل أكثر من عشر سنوات كتبت ديواني الشعري (مرايا الملائكة) عن طفلة فلسطينية استشهدت بقذيفة دبابة إسرائيلية في غزة، كان الديوان المكرس بأكمله لها بمثابة سيرة متخيلة لطفلة في الشهر الرابع من عمرها، لم يتح لها القهر والظلم وسطوة الموت أن تمشي على قدميها.

كنت أكتبه وأنا أحاول ما استطعت أن أكتب نصا جيدا لا يتيح لهم أن يقتلوها مرة ثانية!
ذلك الديوان ترك أثرا عميقا في داخلي، كان صعبا، مرهقا، وقاسيا على المستوى العاطفي بالنسبة لي، حتى أنني كنت على يقين أيامها من أنني لن أعود إلى الشعر ثانية، لأن المعاناة التي عشتها مع كل كلمة من قصائده الثلاث والثلاثين، كانت كافية لسحق قلب شاعر..
منذ أشهر التقيت بطلة صعود الجبال الفلسطينية الصديقة العزيزة سوزان الهوبي، التي كانت أول امرأة عربية تصعد قمة إفرست. حدّثتني عن مشروع تنظيم رحلة إلى قمة جبل كلمنجارو دعما جمعية إغاثة أطفال فلسطين الذي يعود لها الفضل في علاج آلاف الحالات لأطفال فلسطينيين، سواء أكانوا مصابين بأمراض أو من أولئك الأطفال الذين تسببت قوات الاحتلال الصهيونية ببتر أعضائهم أو فقئ أعينهم، أو إحداث أضرار بليغة في أعضائهم الداخلية.
هدف الجمعية، الذي تم إنشاؤها خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وما رافقها من بطش همجي بأطفال فلسطين، هو معالجة هؤلاء الأطفال في الداخل، ونقل الحالات المستعصية لتقديم العلاج اللازم لها في الخارج.

أحسست فورا أن مشروع هذه الرحلة النبيلة ضروري ومهم، ولكن حين سمعت أن المتطوعين سيرافقون، في طريق الصعود إلى القمة التي تحتل المرتبة الرابعة بين جبال العالم ارتفاعا، سيرافقون أطفالا فلسطينيين بترت سيقانهم، أدركت أن المشروع أكثر ضرورة وأكثر أهمية، وانتابتني أحاسيس عميقة التأثير في حزنها وفي فخرها أيضا، إذ ثمة أطفال فلسطينيون سيحملون رسالتهم ويرسلونها إلى العالم كله من فوق قمة ذلك الجبل، وسيقولون لذلك الجيش الصهيوني الذي أفقدهم أجزاء من أجسامهم، بأنهم لم يُهزموا، ولن يُهزموا، وسيثبتون أنهم، بما تبقى لهم من أرجل، قادرين على أن يقولوا للبشرية: نحن أبناء هذه الحياة، أبناء شعب يقاتل من أجل حريته منذ أكثر من مائة عام، وأننا لن نُهزم.

شرحتْ لي سوزان أن ارتفاع القمة هو ستة آلاف متر، وأن على المشاركين أن يسيروا مسافة ثمانين كيلومترا كي يبلغوها، في ظروف مناخية متعددة، فذلك الطقس الذي سينعم به المتطوعون في السهول المحيطة بالجبل، سيتلاشى قليلا قليلا، مع كل خطوة يخطونها في طريقهم إلى القمة الثلجية، وسيغدو أكثر قسوة.

بعد فترة عدت والتقيت بسوزان، وتحدثنا في الموضوع ثانية، وشرحت لي أن عدد المشاركين في الحملة من الأطفال وصل إلى ثلاثة، لكن أحد الأطفال العرب انسحب، وهكذا سيقتصر العدد على فتى فلسطيني هو معتصم أبو كرش من غزة، وفتاة فلسطينية هي ياسمين النجار من مدينة نابلس.
لا أعرف كيف استعدت تلك الأبيات الأخيرة، من القصيدة الأخيرة، من ديوان (مرايا الملائكة):

هناك الكثير ولكنهم ههنا لا يريدون غير الأقلْ
جدّة قرب رأس الصغيرة تحكي حكاياتها
لم تزر ذات يوم طبيبا ولم تتناول دواءً
تدور كزيتونة في السهول وقبل صياح الديوك تشقُّ دروبَ الأملْ
وبصحَّتها يضربون المثلْ!
هناك الكثير.. ولكنهم ههنا لا يريدون غير الأقل:
صعود الجبل.

يا إلهي، كأنهم سيقومون بما لم تستطع إيمان حجو، الشهيدة، ابنة الشهور الأربعة، كأنهم سيحققون أمنيات القصيدة بتصميمهم وإيمانهم وعرقهم وقوة أرواحهم، وسيمسكون بيد إيمان وأيادي آلاف الأطفال في فلسطيني وفي كل أنحاء العالم وهم يسيرون نحو القمة.

هكذا وجدت نفسي أعرض على سوزان أن أكون واحدا من المتطوعين.

كان يمكن أن أكتفي بالدعم المعنوي، والمادي أيضا، بعيدا عن مشاركتي العملية في هذه الرحلة، ولكنني أحسست أن علي ألا أترك معتصم وياسمين يصعدون الجبل وحدهم، أن علي أن أكمل سيرة إيمان بأن أساعدها في صعود الجبل الذي تمنت أن تصعده في القصيدة، معهم، أن علي ألا أترك قصيدتي تصعد الجبل وحدها دون شاعرها.
حين دخلنا في موضوع التفاصيل، تبين لي أنها ليست سهلة، فعليّ أن أتدرب كثيرا لأكون قادرا على الصعود وتقديم المساعدة أيضا إن احتاج إليها آخرون، كما تبين أن تكاليف الرحلة باهظة فعلا.
هكذا، ستكون مشاركتي، مثل مشاركات غيري من المتطوعين، الذين تحملوا نفقاتهم كلها، أن نصعد الجبل وأن نعمل ما استطعنا على جمع التبرعات لهذا المشروع، الذي يحلم المشاركون فيه بجمع مليون دولار لجمعية إغاثة أطفال فلسطين، عبر صفحات شخصية أنشأتها الجمعية لكل متطوّع، حيث سيحاول كل متطوع منا أن يجمع أكبر قدر من التبرعات عبر صفحته، وتوضع التبرعات مباشرة، من قبل المتبرع، في حساب الجمعية.
لقد قدمت الجمعية العلاج اللازم لمعتصم وياسمين، كما قدّمته لآلاف غيرهما، وأدرك الاثنان ببصيرتهما الإنسانية العميقة، أن دورهما قد جاء لتقديم المساعدة لأطفال آخرين، في ظل وجود ضحايا جدد كل يوم، وضحايا لم يجدوا العلاج بعد، بين صفوف أطفال الفلسطينيين في الداخل والخارج أيضا.
لم تزل أمامنا أسابيع قليلة لصعود الجبل، فالرحلة تبدأ يوم السابع عشر من شهر كانون الثاني، يناير 2014، ولكنني منذ الآن أحس بذلك التغير العميق الذي يصيبني، وأنا أعد نفسي لمرافقة هذين البطلين لبلوغ القمة، للتعرف إليهما أكثر، للتعرف على جيل كامل من الأطفال الذين سعى الجيش الصهيوني بكل ما لديه من أسلحة الدمار أن يحرمهم من طفولتهم، من لعبهم، وأن يسد أمامهم دروب الأمل التي شقتها لهم أمهاتهم وجدّاتهم وآباؤهم وأجدادهم، والتعرف أيضا إلى عدد من النساء والرجال النبلاء، عربا وأجانب، الذي سيأتون من عدة قارات.
كل خطوة سيخطوها معتصم وتخطوها ياسمين نحو القمة، ستكون عنوانا لكا خطوة سيخطوها أطفال فلسطين نحو حريتهم، خارجين من واقع اليأس إلى شمس الحرية والأمل.

ولكن، لماذا كلمنجارو؟!
إنه الجبل الذي ألهم القارة الإفريقية، في رحلتها إلى الحرية، حيث كانت تنزانيا التي يقع فيها الجبل، أول بلد إفريقي يتحرر من الاستعمار وينال استقلاله.
ذات يوم كتب أحد قادة حركة التحرير التنزانية: "سنوقد شمعة على قمة الجبل لتضيء خارج حدودنا وتعطي الشعوب الأمل في وضع يسوده اليأس، الحب في وضع يسوده فيه الكره، والإحساس بالكرامة في وضع يسود فيه الإذلال"
***
بكُم سيصعدون الجبل
معهم ستصلون القمة