أمل تحقق

، بقلم فتحي العابد

أحببته من أول يوم عرفته فيه، كان يدرس في الجامعة في مدينتنا وأنا تلميذة في الثانوي، ما عاد لي من أهل عداه، ولا لعائلتي من شجرة، انغرست شتلة في غابة قبيلته، أصبح لي قرابة في كلّ نخلة نبتت في سانيته، وكل ناقة تسير في صحرائه، وكل مئذنة يرفع منها الأذان في منطقته، وكل امرأة تضع الخمار لتتحدث للغرباء في قريته.. رحت أبخر أثوابي قبل أن ألقاه، وأشعل العود في تلابيب الكلمات التي أقولها له...

اليوم ثانى أيام العيد، ولكني لم أفقد الأمل في عودة زوجي.. لقد ترك منزل والده القروي منذ ستة أشهر ثائرا حانقا، لاعنا كل شىء في الدنيا، كان يردد علي بأن طاقته وهوايته في الرسم غير مستغلة، وهو عامل حضائر منذ أن تخرج من أكادمية الرسم ثماني سنين مضت، ولم يجد من يحتضن هوايته وموهبته، كان يشكرني دائما لأني استطعت بعزمي إنقاذه من آفة التدخين، كنت أردد عليه كل مرة يشعل سيجارة: "كل سيجارة لا تشعلها، هي يوم يضاف إلى عمر حبنا، تهديني إيّاه"..

ورغم غيابه هذه المدة الطويلة فإنني لم أستسلم لليأس، كنت أنتظره في شرفة بيتي كل يوم، أحملق في المسارب والطرقات المؤدية ناحية بيتنا علني أراه راجعا.. لقد انتظرته طويلا..
تقف لابسة سفساريها الأبيض ومتنكرة كل أسبوع أمام المسجد الكبير حيث كان يصلي الجمعة علّها تراه.. إنها تشعر بالخوف يملأ قلبها وبالوحدة تشتت كيانها، خاصة بعد عملته التي ستبقى عارا ولعنة على لقبه..

إنها لا تعرف ماذا يخبىء لها القدر؟.. هل سيعود زوجها يوما إليها، أم عليها البقاء مع صغيرها في دار حموها هكذا بلا رجل وبلا حماية وبلا سند؟..

وابنها الوحيد حازم الذى يبلغ من العمر خمس سنين، ماذا تقول له؟ هل ستظل تماطله.. وإلى متى ستستمر المغالطة؟ إنه يسألها عشرين مرة فى اليوم:

ـ متى يرجع أبي من السفر يا أمي؟

فتقول له: بعد أسبوع يا حبيبى

وكل يوم يسألها عشرين مرة أيضا: متى ينتهي الأسبوع يا أمي؟

وحين ينتهى الأسبوع يعود فيسألها: لماذا لم يعد بعد أبي ياأمي؟.. إنت لاتقولين الحقيقة.. توحشته كثيرا.

وتبكى رشيدة عند سماع هذه الكلمات البريئة القاسية، إنها تخرج من فم حازم فتمزق قلبها وكيانها.. ولا تملك عند سماعها إلا الإستسلام للبكاء.

لقد كان لسعد بالنسبة لها نعم الزوج والرفيق والصديق تزوجته وهي في السابعة عشرة.. كانت طفلة لا تعي من أمور هذه الدنيا الكثير.. نضجت على يديه، وخبرت الدنيا بفضل توجيهاته وإرشاداته..

كان يعاملها كطفلة حتى بعد أن تجاوز عمرها الرابعة والعشرين عاما. كان يشترى لها مرة في الأسبوع "الشكلاطة والمصاصة والبطاطا".

لقد أحبت رشيدة هذه الأشياء وتعودت على شرائها منذ أن كانت تلميذة فى المرحلة الإبتدائية.. لذلك كان لسعد يحرص على إحضارها لها مهما كلفه ذلك ..

وذات يوم ورشيدة منشغلة كعادتها بتنظيف الممر أمام سكناها.. إذا بها تقف لنداء إحدى صديقاتها المتجهة نحوها بسرعة، فاستغربت من ركضها خاصة إن صديقتها لم تتعود زيارتها فى هذه الساعة المبكرة من الصباح.

وما إن وصلتها صديقتها حتى صاحت فيها بأعلى صوتها: مبروك يارشيدة.. لسعد بخير.
وسألتها فى لهفة وهى مازالت ممسكة بالمكنسة: أين هو؟.. هل تعرفين عنوانه؟
ردت الصديقة وهى تلوح بصحيفة أمسكت بها فى يدها: إن عنوان لسعد هنا.. فى هذه الجريدة

خطفت منها الجريدة بعد أن رمت بالمكنسة، وأخذت تقلب صفحاتها فى عصبية وهى تقول: أين.. أين؟
ووضعت صديقتها إصبعها على الخبر.. إنه عن معرض للرسم يقيمه زوجها لسعد في السفارة الأمريكية بالعاصمة في أول الشهر.. ومع الخبر صورة للسعد.

وبلا شعور وجدت رشيدة نفسها تحتضن الجريدة وتضمها إلى صدرها بشدة والدموع تنحدر عن عينيها فتبلل أجزاء منها.. وأحست بيد ترتب على كتفيها وتهدأ من روعها..

التفتت فإذا بزوجها واقف بجانبها حاملا بين يديه ولديهما الوحيد، ارتمت فى أحضانه وأخذت تقبل خصره ويديه فى حنان شديد.. واختلطت دموعها بدموع إبنها.. الذي مانفك يلوم والده ويطلب منه أن لايتركهما وحدهما بعد اليوم.. أخذ لسعد يضم ابنه الوحيد وزوجته إلى صدره بفيض من الحنان وهو يهمس لهما بصوت يشوبه الحزن والفرح معا: لن أترككما بعد الآن.. حقك عليّ ياولدي.. لقد اكتريت شقة في العاصمة وجأت لآخذكما صحبة والدي، لقد تحقق حلمي وأملي والحمد لله..

ترجاه والده بأن يتركه في منزله القروي، فرفض بعد أم وعده بأن يأتي به إلى قريته مرة كل شهر، وذكره كيف كان يدفعه إلى الأمام ويشجعه، رغم أنه كان لايهتم بأعماله كفنان، وما هذا الإعتراف بلوحاته إلا بفضل إصراره، ومساندة أبوه له.

إنه لا يستطيع أن ينسى حنانه وعطفه، وكل ما قدمه لوالدته في حياتها من تضحيات، كان يسهر بجوار سريرها الليالى الطوال حتى يطلع الفجر وهو يتألم لتألمها من شدة المرض، كان يرفض أن ينام ولو ساعة واحدة.. كان يخشى أن يفوته موعد إعطائها الدواء.