قراءة في رواية عبده خال :« ترمي بشرر ..» عبد المطلب عبد الهادي

بين الجنة والنار .. أين تبدأ وتنتهي إنسانية الإنسان ؟

عتبة أولى ..

" خسئت روحي، فانزلقت للإجرام بخطى واثقة " (ص:7) ..

هل أتابع أم أحجم وأتراجع ؟

انطلاقة مثيرة، قوية، صادمة.. تجعلك تقف، تلتفت، تتساءل..رغم ذلك تندفع إلى الأمام قارئا مستمتعا، تلتقط أنفاسك وأنت في بداية المسير..

هذه الجُرأة، وهذا الاندفاع يُخفي أمامه الكثير، كأنه بداية القطر.. "خسئت روحي" ويندفع شلال حكي صادم، صادق، قوي يحمل الكثير من الألم والجراح الذي على امتداد الرواية يُخندق أبطالها في خانات ضيقة، مظلمة، تفوح منها روائح الدناءة والخسة لتسمهم بجراح عميقة تطفو إلى السطح كلما حان وقت التذكر ليسيل على جوانبه الدم والصديد..

"ترمي بشرر.." بركان يدفع حممه الحارقة، يستلذ القارئ حرارتها.. يبحث بين الحمم عن الإنسان وهو يسير حافيا حاملا داخل تجاويف روحه همَّ " طارق وخيرية وعيسى وأسامة وتهاني ومرام وغيث.." وآخرين حين يدرعون الرواية طولا وعرضا حاملين الخسّة والدناءة والحقارة وِزْرا على ظهورهم يسيرون بها تلهب أرواحهم سياط المسكنة والرضوخ دون أن يستطيعوا رفع رؤوسهم لينظروا إلى السماء حيث الحرية والانطلاق..

ونحن نقرأ الرواية نشعر بأن السارد يلهب أرواحنا بسياط الألم، ونحن، رغما عنا، وسعيا وراء لذة القراءة التي تضمنها حبكة أحداث الرواية، نندفع إلى الأمام، نلتقط أنفاسنا نحُثّ السير نحو الآتي من الحكي، نغوص في ذوات الشخوص، نجوب فضاءات الجنة والنار..

الجنة والنار.. ثنائية تجمع المتناقضات وتنصهر لتُعطي فضاءات تنكسر على عتباتها النفس ذليلة مقهورة حين تخطو نحو الجنة تُملّي النفس بالعيش الكريم بعد سنوات القهر والحرمان والألم الذي كان يصنع أيام وليالي بل وحياة ساكني الحي/ النار، حيث كانت العيون تخرج من محاجرها عابرة أسوار الجنة باحثة عن حياة رغيدة بعيدا عن الضنك والبؤس..

القصر والحي، الجنة والنار، الجاه والوضاعة، السلطة والخضوع.. ثنائيات تغوص في رحم الرواية لتصنع فضاء للحكي ينهض على ازدواجية الخير والشر كقوة تُسيّر النص غضبا وخسة ودناءة، فالجنة والنارمفارقة غيرت وجه الازدواجية من النقيض إلى النقيض..

فالقصر/الجنة نقيض النار، فهي (الجنة) صنو الجمال والحب والخير، لكنها هنا أصبحت فضاء للمتناقضات حيث يجوس الشر والألم والحقارة دروبها في واضحة النهار بدعم ومساندة من " السيد " رأس الشر،الذي يعطي لهذه المعاني قوة وجرسا يرن في آذان وقلوب من يلج الجنة المُسيّجة بالقوانين الصارمة والأمنيات التي لا تنتهي..

حين تغوص الجنة/القصر في حمأة الوضاعة والظلم، تُصبح النار/الحي ملاذا للمظلومين الباحثين عن نسمات تعيد لهم كبريائهم وشيئا من إنسانيتهم..

بين الجنة والنار مقابلة صادمة، تضاد يوقف القارئ ليطرح سؤال البداية، هل أُجازف وأستمر قارئا أو أحجم وأتراجع؟

عتبة ثانية ..

قوة الحكي ونسيج الأحداث عن الجنة/القصر يناقض الحقيقة والمتداول والراسخ والمعتقد بحبكة متراصة البنيان تُشيِّئ الإنسان وتجعل منه أحط من " العبد" حين يرفل في الدونية والوضاعة دون أن يُسمح له برفع صوت الظلم في وجه " السيد " الذي يسنُّ وزبانيته قوانين الجنة، بل تُرغمه على السير خاضعا خانعا دون أن يُحدث صوتا أو حسا أو همسا وإلا سيوسم بأقبح النعوت وأشد العذاب حتى ليُخيل إليه أنه دخل خطأ إلى " الجنة " ويسعى ـ ولو بالقتل ـ إلى الهروب منها والعودة إلى النار/ الحفرة/ الحي حيث ترك ذاته وأشياءه وإنسانيته ..
" الجنة " عالم محاط بالعيون، بالكاميرات التي لا تُخطئ أدق اللحظات والتفاصيل، بكلاب " السيد " التي تجوس فضاءاتها كما تجوس دواخل ساكنيها وما تحت الجلود لتنقل " للسيد " تقارير مفصلة تكون عاقبتها الذل والهوان.. وربما الموت..

طواحين الجنة تدور تطحن، تدوس كل من يقف أمامها، تطحن إنسانيته وتزج به في خانة ضيقة ـ تتسع فقط لعيون " السيد " ـ لا ينفلث منها من يوجد تحت دورانها الذي لا يتوقف..
" الجنة " فضاءات تزدحم بالألم والحقارة والخسة والدونية.. فضاءات تهجم بسلطانها وجبروتها على مريديها الذين دخلوها طواعية، فلا يستطيعون لها ردا أو دفعا أو انفلاتا.. " نعم " و " حاضر " وكثير من الخنوع والخضوع الذليل، تلك حال المريدين والمرتادين الذين تمرسوا على الذل والدناءة وتنفيذ الأوامر والرغبات التي تُفقدهم آدميتهم وتجردهم من إنسانيتهم وتُجرّدهم من أردية الدفاع عن كرامتهم وتُبعدهم عن اللاءات التي تُعيدهم إلى إنسانيتهم التي دخلوا بها الجنة، إذ هم في الجنة خُداما للسيد ولرغباته الغريبة التي لا تعرف حدودا، عيونهم ولهفتهم تخترق أسوار الجنة / القصر باحثين عن لحظة سكون في الحفرة/ النار/الحي التي كانوا فيها طائشين لا يحكمهم سيد ولا تُحاصرهم رغبة..

* عتبة ثالثة ..

نجوب الرواية قارئين باحثين عن لذة ومتعة القراءة الثاوية بين ثنايا السرد الذي يشق عباب الألم الإنساني عبر شخوص تبني حياتها داخل فضائين اثنين قصر/حي، جنة/ نار، داخل/خارج،حيث يكون الإنسان ولا يكون.. حيث يطيع الأمر ولا يقول لا.. حيث ينسى آدمية ويغوص في الخسة حد الغرق.. فعلا تفوق السارد في رسم أبعادهم، بحيث جعلنا نصاحبهم ونتَتبّع خطاهم وهم يتحركون بين ثنايا النص متنقلين بين الجنة والنار مشاغبين..
مشاكسين..جلادين.. مجلودين.. فاعلين و مفعول بهم ..يصاحبهم الصمت المميت الذي يجعل من حواراتهم أسرارا يهمسونها خوفا من الذل والفضيحة التي تُسيج مسارهم..

نجوب الرواية قارئين باحثين عن جمال السرد والوصف الذي يضعنا أمام شاشة كبير مفتوحة على فضاءاتها وشخوصها وعذاباتهم وآلامهم وآمالهم .. وفضائحهم وخزيهم وعريهم.. ونحن صامتون، نتعذب، نلهب أرواحنا بسياط المتابعة والترقب، وكلما تعمقنا في القراءة، ازدادت عذاباتنا ودفعتنا إلى أن نكرههم مرة، ونتعاطف معهم مرة، ونحقرهم مرات،ونقف لحظات كثيرة للنظر فينا وفي دواخل الشخوص التي تملأ القصر أو تلك التي تملأ الحي الفقير، ثم نسير ورائهم نفك رموز تعابير وجوهم وكلامهم وهم يتنقلون حاملين عذاباتهم وعذاباتنا وهمومهم وهمومنا وآلامهم وآلامنا..

نجوب الرواية قارئين، وكلما تعمقنا في الألم الذي تصوره بجمال اللغة كلما انجلى السؤال المقلق الذي يُكبلنا كما يُكبل الشخوص .. "عيسى ومرام وأسامة وغيث" وآخرين.. ويفضح تحركاتهم ويدفع بهم وبنا إلى الركن المظلم من ذواتنا باحثين عن جواب مقلق وفاضح للسؤال المقلق وعن بصيص نور يؤكد أن هناك بقايا إنسان نبحث عنه يُشعل فتيل النخوة والعزة..
أإلى هذا الحد من الدناءة يمكن أن يصل الإنسان؟

ونحن نجوب دروب الرواية والسؤال يتّسع ويتّسع وتتّسع معه دائرة الألم، ليدفع بنا إلى الغوص في تجاويف ذواتنا .. أين تبدأ وتنتهي إنسانية الإنسان ..؟