المســــاء

، بقلم فيصل سليم التلاوي

لماذا إذا حَلَّ ركبُ المساءْ
وقبّلت الأرض كفَّ السماء
وخُضّب وجه الأصيل بلون الدماء
تدافع ليلٌ، وأسدل فوق الوجود رداءً
من العتمِ والخوفِ
حتى النجوم اعتراها ذهولٌ ورعبٌ
توارت وراء الغيومِ
ولفّ الوجود وجوم
تمورُ بحارٌ من الوجد في القلبِ
تحدو لقافلةٍ من شجًى و حنين
*******
لماذا إذا جُنّ ليل الشتاءْ
وأعولت الريح في كل فجٍ
وثار غبارٌ وسدّ الفضاء
وانتحب الغيمُ
فيضًا من الدمع والوصلِ
تخضلُّ أرضٌ
تصلي لخالقها في السماء
وأسمع صوت المزاريبِ
إن أجهشت بالبكاء
ترَجِّعُ في الليلِ ترنيمةً للحنينِ
مواصلةً دمعها والأنينْ
نشيجٌ تَردد عبر السنينِ
تدفق في القلبِ شلال حزنٍ
ومن وهجِ العينِ يهمي مطرْ
ولاحت بقايا صوَر
وأطياف أحبابي العابرينَ
تزاحمُ عبر المَمرّْ
من ارتحلوا واستكانوا وهاموا
وضيّعتُ منهم دقيق الأثر
ومن طال نومهمُ واستراحوا
ووسدتهم بيدي في الحُفرْ
**********
لماذا إذا ناخَ ركب المساءْ
وشنّفَ أذن الوجود حِداءٌ
رخيمٌ رقيقٌ، رخيُّ النداء
ترنَم في الغاب نايٌ حزينٌ
وموال شوقٍ شجيّ الغناءِ
تنغّمَ عبر شفاهِ الرُعاةِ
يسوقون قطعانهم في هناءٍ
تُرددهُ جوقةُ الحاصدين
كمثلِ الطيورِ
تعود لأعشاشها في المساء
يهدهدُها تعبٌ و عياء
************
زمانٌ قديمٌ قديمٌ مضى
وصوت تبعثر عبر المدى
تناثر فوق الحقول العجافِ
وهام طويلا بغير هدى
تضاءل حتى المكان الفسيحُ
وهذا اللسانُ
الذي كان يوما فصيحًا
يُنمِّقُ ألفاظهُ ويصيحُ
ويحمل يومًا صليب المسيحِ
اعتراهُ الصدا
وحتى الزمان الجريحَ احتواهُ العِدا
وفي القلب غارت خناجرهم والمُدى
ولم يبقَ إلا رجيع الصدى
يَجيء كسيحًا بطعم الردى
يغمغمُ : يا ناسُ (ما في حدا)
فحتامَ تورون كوم الرمادِ
وتطحنُ أضراسكم
مُرَّ شوكِ القتادِ
وصوت النعيِّ يردد في كل نادٍ
خَبَت ناركُم وتلاشت وضاعت سُدى.