الحس الصحفي في «دموع الكلمات»

، بقلم ميمون حرش

استوحيت هذا العنوان مما عرفته عن الأستاذة فوزية من عشق للعمل الصحفي الذي انخرطت فيه في ريعان شبابها، والذي أدته بمهنية يشهد بها كل من اشتغلت معهم... ورغم أنها تخلت عن العمل الصحفي منذ مدة فإن هذه المهنة تركت، كما الحريق، أثرها في كتاباتها بشكل لا تخطئه العين.. هي مشهورة بين محبيها بالأمانة والنزاهة، وقدرتها الفائقة على تحمل المسؤولية في صبر وأناة؛ والحق أن العمل الصحفي أمد فوزية بالطاقة ووسم كتاباتها سواء في الشعر، أوالرواية، أو المقالة بلون خاص، سمته الدقة في التناول والطرح..

ومن يعرف فوزية عن قرب يشهد لها بزخم من الصفات الإنسانية التي تتمتع بها، منها: التعاطف، نفاذ البصيرة، روح الدعابة، وسعة الإطلاع مع امتلاك عقل متوازن ينطوي على بداهة، وعلى ملكة التمييز، والقدرة على رؤية الأشياء وفقا لبعدها النسبي... وهي صفات ملازمة لكل صحافي حر مؤمن بدوره في الحياة من خلال انخراطه في المجتمع.

أيضا لا بد من الاعتراف بأنها تتمتع برؤية عميقة للأشياء، تدعمها نظرة للمستقبل عبر استيعاب الحقيقة والخيال والتعبير عن كل ذلك بأسلوب موسوم بالسهل الممتنع، لا ينقاد إلا لمن يملك أدواته كفنان مبدع..

للكلمـــــات دمــــــوع..

"دموع الكلمات" كتاب في النقد السياسي الساخر، وهو الثالث الذي يصدر للكاتبة فوزية بعد رواية " وسارت بهما الأيام"، وديوان "زواج بالقرعة"..

وبالنظر إلى تنوع المقال الصحفي بين المقال التحليلي،ومقال العمود الصحفي، والمقال النقدي،والمقال التحليلي فإن فوزية القادري نهلت، في سيبل إيصال المعلومة عن طريقتها الخاصة، من المقال الصحفي النقدي التحليلي..والنقد الساخر خاصة هو الطاغي على كتاب " دموع الكلمات"، ميزته الأساس الدعابة اللاذعة من كل القضايا، معتمدة في طرحها على التثقيف، التحليل، التقويم، كما أكد ذلك الدكتور جميل حمداوي الذي كتب تقديماً للكتاب يشهد فيه للكاتبة بالتفرد وبامتلاك رؤية نقدية تسبر بها أغوار ما تكتب عنه..
الكتاب يتكون من تسع وستين مقالة كُتبت ما بين سنوات التسعين من القرن الماضي، وسنوات الألفية الثالثة:

السنوات عدد المقالات
1993 01
1994 03
1995 18
1996 11
1997 6
1999 01
2001 2
2002 1
2003 02
2004 01
2010 5 0
2011 16

ويظهر من هذا الجرد أن الكاتبة فوزية تحررت وجدانياً عبر كتابات مكثفة ما بين سنوات 1995و2011،وبالنظر إلى طبيعة المقالات التي خصتها لهذه السنوات بما مجموعه 18 مقالة سنة 1995، و ب 15 مقالة سنة 2011 نستطيع القول بأن هذا الزخم في التناول مُبرر بصداع في الرأس، ووجع في القلب ترجمتْ كل ذلك في موضوعات بعينها، وآلمها كثيراً ما عرضت فيها من مفارقات عجيبة، وهي مقالات كشفت فيها الكثير من الظواهر، والقضايا التي يندى لها الجبين في المجتمعات العربية المغربية بخاصة، نحو الفساد- الغش- السرقة- العمل في البلدان العربية- البطالة- الإسلام- المسلمون- الرشوة- الفقر، والجهل-التسول- لقمة العيش- التهريب- المرأة...

وهذا الانزياح في الكتابة مرده إلى يقظة الضمير لدى فوزية القادري.. فهي حين تتحرر وجدانياً تصبح كما الجمرة تتقد، وحين تُستفز بواقع عربي (ومغربي بخاصة) منخور من الداخل،ومؤسس على تناقضات عميقة، يُركب قلمها أجنحة، وتصبح الورقة البيضاء أمامها ليس أفعى بيضاء كما قال حنا مينة، إنما بساطاً تركبه هاربة مما تكتبه من منكر في بلادها، وبلدان الناس عامة.. وحين تبدأ في الكتابة لا تكتب سوى أشياء ذكية، لافتة، وصادقة... أما لسانها فتمده ساخرة عبر قلم حاصد، حاسب، وحاطب( نهاراً طبعا) لكل الجزئيات، إذ لا شيء يصبح خارج اهتمام الكاتبة من القضايا السياسية، الاجتماعية، الأخلاقية، الثقافية، التربوية، والدينية... تدعم الأستاذة في بسطها لهذه القضايا كما قال الدكتور جميل حمداوي " رؤية سياسية فاحصة عميقة للواقع العربي"..

فاحصة لأنها تطرح القضايا طرحا صحيحا بدون ماكياج، فتعري الواقع، تفضحه، وتكشف عن الخلل فيه، وتنقد صلف المسئولين الكبارعبر تكريس قاعدة " قولوا العام زين"..

وعميقة لأن الكاتبة فوزية القادري تكتب بحس نقدي، وبرؤية صحفية فيها الكثير من الدقة عبر تقديم معطيات إحصائية دقيقة، وإعلامية تنم عن مهنية وإلمام بتقنيات الصحافة، والإعلام..
ومن بين تجليات هذه التقنيات:

1. الدعاية الإيديولوجية..

الكاتبة فوزية تسرب في مقالاتها أفكاراً تراها مناسبة لظواهر كارثية سائدة في المجتمع، ولأفكار خردة بالية لا زالت تكرس في زمن فيه هاتف نقال، وانترنيت.. كل ذلك من أجل استمالة القارئ، وإقناعه بأن السيل وصل الزبا، وعلى كل واحد منهم منتم لهذا المجتمع أن يتحمل مسؤوليته..

2. شرح وتفسير المعلومة/ الخبر للكشف عن أسبابها ومسبباتها..

3. تكوين الرأي العام في المجتمع والتأثير فيه..

4. التثقيف والإمتاع عبر استعراض معلومات تمنح المتعة والمعرفة معاً.

5-تقديم تصورات يُستفاد منها كمرجعيات في فهم القضايا المطروحة، والظواهر السائدة.

"دموع الكلمات" أم دموع الأسئلة؟

يقوم المقال الصحفي على خطة منهجية تشكل الأسئلة مادته الخاصة، وإيماناً من الناقدة فوزية بسلطة السؤال باعتباره فنا للتفكير كما يقول أهل موليير، ولأنها صحفية لم تفلح من التملص من براثن شَرك السؤال، نستطيع أن نقول مطمئنين بأن كثرة الأسئلة في "دموع الكلمات" لافت، ومبالغ فيه، بل ومزعج أيضاً، ويحتاج لوقفة..

طرحت الأستاذة فوزية في الكتاب 302 سؤالا، وهو كم هائل، يشكل نسبة 100% مقارنة مع عدد المقالات التسع والستين.. وللسؤال هنا ما يبرره.. وإذا استثنينا تسع مقالات هي عطل من أي سؤال، فإن الستين الباقية تنخرها الأسئلة من الداخل بشكل يطرح بدوره أسئلة..
وهي تعترف بسلطة الأسئلة ووقعها، تقول في ص 85 من دموعها:

" أسئلة وأسئلة تراودني دائما، وتنغص علي حياتي.."

و في ص 148 تضيف:

" آلاف بل مليون سؤال ولا أجد أي جواب يريحني"

تقول أيضا: « أسئلة وأسئلة تنزل على رأسي كالمطارق، ولا أجد الجواب الشافي.."

هي أسئلة تنزل على رأسها كما المطارق، ونصيبنا منها نحن- القراء- أن ينالنا بعض الألم على الأقل..( ولو استشارتني الكاتبة في عنوان الكتاب لاقترحت دموع الأسئلة بدل الكلمات)..
وحين تطرح هذه الأسئلة لا تكلف نفسها- عن قصد ربما- الإجابة عنها، وما طرحها لهذا الكم من الأسئلة إلا وسيلة تلفت القارئ من خلالها إلى الأشياء من حوله، و هي عموما تروم من طرح السؤال بعض ما يلي:

• حمل القارئ على أن يفكر معها لا عنها..

• تستفز القارئ، وتضع أسئلتها فوق منضدته للتشريح، ولسان حالها يقول: " هل فكرت مثلي في مثل هذه الأسئلة"..
• تورط القارئ بحيث يصبح كل سؤال تطرحه بمثابة أشروطة تلفها حول عنقه للتخلص من ثقلها.

عنوان المقال كم سؤالا؟ صفحة الكتاب

مانديلا 1 21
في الهاوية 9 23
التمني 7 29
الديمقراطية 13 59
نهاية الحكام 15 69
النفخ في المزمار 11 71
استيقاظ الشعوب 12 73
ضرب أمريكا 11 79
آخر الكلام 17 86
الثورات 10 129
القذافي 16 116

والناقدة فوزية القادري، حين تطرح هذا الكم من الأسئلة تختار لها صيغا مختلفة: هل، لماذا؟ كيف، أيعقل هذا؟، متى؟... وهذه الأسئلة إما أن تتصدر المقال، أو تضمنها ثناياه، أو بها تختمه..

أسئلة كثيرة كحبات الرمل، مبثوثة بين كلماتها، تحاصرها بشكل أكثر تعقيداً في موضوعات بعينها دون غيرها.. حين تحدثت عن أمريكا مثلا طرحت أحد عشر سؤالا..، وعن موضوع القذافي ست عشر سؤالا.. وفي موضوع تتناول فيه الرشوة (آخر الكلام) تطرح سبع عشرة سؤالا..وحين تضيف الباحثة لهذه الأسئلة جرعة من السخرية اللاذعة تصبح مقالاتها مدعاة لذرف دموع بسبب ضحك هستيري.

ولقد عبر الدكتور جميل حمداوي عن هذه النقطة بذكاء حين قال في تقديمه للكتاب:
" من يقرأ كتاب فوزية القادري، فإنه سيخرج بانطباع تراجيدي يشبه الكوميديا السوداء، أو سينفجر ضاحكاً بالبكاء الهستيري.."

وسخرية فوزية اللاذعة هي بمثابة إبر، تضحكنا ألف آمنا، لكنها تخزنا، وتجعلنا نصحو، وكلما أحست أن هناك نياما جددت الكاتبة التذكار بما تطرحه من أسئلة في مقال أنيق..
وفي النهاية لا بد من القول بأن نصوص " دموع الكلمات" لا تراهن على ضحك مجاني.. بل إن للكاتبة فوزية حدساً تَوفّــر لها من خلال سفرها المستمر، وعلاقاتها الاجتماعية الكثيرة مما يدل على دراية ومهنية، ورؤية فنية...

الأستاذة فوزية القادري موهوبة، وكاتبة ملتزمة، أضافت أشياء كثيرة إلى رصيدها المعرفي عبر قراءاتها المتنوعة، وسفرها المستمر، هي بمثابة فارس الصحراء يركب دابته، وينتقل في الأمكنة كقطع الشطرنج، ولا يكاد ينزل أبدا.. لذلك فنصوص فوزية عموما مرايا تكشف عيوبنا، وستبقى كما قال الدكتور جميل حمداوي:" من أهم مثقفات منطقة الريف المغربية في مجال التحليل السياسي، والنقد الصحفي"..وكتابها " دموع الكلمات" رائد يستحق القراءة..


ميمون حرش

قاص وكاتب مغربي

من نفس المؤلف