رُؤى ثقافيّة «٨٤»

الحساسيَّة السرديَّة في تجربة الأعشى الشِّعريَّة-١٠

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

يتضح مما تقدّم في الحلقات السابقة ظهور بعض الملامح من الفنون الموضوعيَّة في الشِّعر الجاهلي بعامَّة وشِعر (الأعشى) بخاصَّة، الملحميَّة، والقصصيَّة، والدراميَّة، والوصفيَّة، والتعليميَّة. وأن للأعشى قِدْحًا معلًّى في أساليب السرد تلك، وبخاصّة في (القِصَّة الشِّعرية) و(الوصف).

على أننا حين نستقرئ أهم الجوانب التي حوتها المعلَّقات السبع ممّا يمكن أن يُدرَج في شِعرٍ ذي طبيعة موضوعيَّة، فتُجرَى إحصائيةٌ يسيرة لعدد أبيات المعلَّقات السبع، ثمّ تقاس نسبةُ الأبيات التي تتّجه إلى الموضوعيَّة، حينئذٍ يتبيَّن أن الاتّجاهات الموضوعيّة تعادل من المعلَّقات أكثر من 52%. ذلك أن أبيات المعلّقات تبلغ- حسب الروايات المعتمدة في هذه الدراسة-: 536 بيتًا، في حين أن شواهد الاتّجاه الموضوعي فيها، تبلغ: 283 بيتًا.

أمّا لو قُورنت نسبةُ كل اتّجاهٍ من الاتجاهات الموضوعيَّة إلى إجماليّ أبيات المعلَّقات، فستكون النتيجة: الاتّجاه الملحميّ: 44 بيتًا، القصصيّ: 64 بيتًا، الدراميّ: 39 بيتًا، التعليميّ: 44 بيتًا، الوصفيّ: 92 بيتًا.

والباحث يستعمل كلمة «اتّجاه» هاهنا عن عمد، من حيث إن ما في السبع المعلَّقات إنما هي محض «اتّجاهات» إلى هذا الجنس الأدبي أو ذاك، لم تكتمل قطّ في بناءاتٍ أجناسيَّةٍ أدبيَّة، وَفق المقاييس النظريَّة المعهودة. وهذا يعني أن:

- الاتّجاه الوصفيّ = أكثر من 17% من مجموع أبيات المعلَّقات السبع.

- الاتّجاه القصصيّ = أكثر من 11%.

- الاتّجاه الملحميّ = أكثر من 8%.

- الاتّجاه التعليميّ = أكثر من 8%.

- الاتّجاه الدراميّ = أكثر من 7%.

و لمّا كانت السبع المعلَّقات ذات مكانة عُليا عند العرب ونموذجيَّة مُثلَى في شِعرهم، فإن النتائج الخاصّة بالمعلّقات يمكن أن تَصدُق، تبعًا لذلك، على الشِّعر الجاهليّ بعامّة. فهل يشير هذا إلى أن الاتّجاه الموضوعيّ في الشِّعر الجاهليّ كان يفوق الاتّجاه الغنائيّ الذاتيّ؟ أي بعكس ما كان يفترضه الدارسون وما يتداولونه في مقولاتهم؟

إنْ أُخذ بتلك المفاهيم المتسامحة للموضوعيّة وفنونها- كما كان يفعل كثيرون، وعلى رأسهم (سليمان البستانيّ)(1)، لا بالمقاييس الفنّيّة للاتّجاهات الموضوعيّة، بوصفها شروطًا أجناسيّة أدبيّة، ذات أصول بنائيّة اشتركتْ الشعوب في قواسم أعرافها- فنعم! وسيفرح أولئك الذين كانوا يقارنون- ربما في خجلٍ- شِعرهم العربيّ بالشِّعر اليونانيّ، ثم لا يجدون لدى العرب ما يماثل ملاحم اليونان، ولا مسرحه، ولا قصصه، ولا تمثيله. سيفرح أولئك بمثل هذه النتائج وتلكم الأرقام. ولكن أتَخْدَعُ الأرقامُ الباحثَ عن الحقيقة؟ وهي أن الاتّجاهات الموضوعيّة في القصيدة الجاهليّة- رغم نسبتها- ما هي إلا اتّجاهات عَرَضيّة، من حيث القيمة الموضوعيّة، في خِضَمّ طوفانٍ من النزوع الذاتيّ الواضح، والغنائيّة الشاملة. وأنها- حتى في حدودها هذه- إنما تأتي محاولاتٍ فرديّة، لا تشكّل تيارات شِعريّة عامّة، وهي جزئية، لا تستغرق النصّوص كاملة. وفَرْقٌ جَلِيّ بين وجود آثار وملامح للاتّجاهات الموضوعيّة، متناثرةً هنا وهناك، ووجود أجناسٍ أدبيّة، كالقِصّة، والملحمة، والمسرحيّة، لها بناءاتها المستقلَّة وشروطها. ومن هنا فإن تلك الآثار- إذْ تُثبتُ ممازجة هذه الاتّجاهات مواهبَ العرب، ممازجتها مواهب الإغريق- لا تُثبت، بحالٍ، للعرب من الملاحم، أو القصص الشِّعريّ، مثل ما لليونان.

فَلِمَ انحبستْ بالعرب طبائعهم عن أن يُبدعوا أدبًا موضوعيًّا يضاهي الأدب الموضعيّ لدى سائر الأُمم المشابهة، على الرغم من استعدادهم الفطريّ الذي تثبته الدراسة؟

صحيحٌ أن لكلّ اُمَّةٍ تميُّزها، ولكلّ أدبٍ تفرُّده، ولكن هل تُعرَف أُمَّة بلغتْ ما بلغت الأُمَّة العربيّة في لغتها من رقيّ، ووصلتْ ما وصل إليه أدبها من نضج، ثم لم تكن لها ملاحمُ، أو مسرحٌ، أو قصصٌ، لها حضورها الفارق؟

تلك هي المسألة. فكيف تُفسَّر؟

من طرائق التعليل الدارجة عند مناقشة هذه القضية قلب المعادلة الثقافيّة إلى معادلة لغويّة، وربما (لغويّة-دِينيّة)، حيث الاحتجاج بعبقريَّة البديهة لدى العرب، وبلاغة الإيجاز في أدبهم، قياسًا إلى غيرهم، أو كما قال (الجاحظ)(2)- في الردّ على الشعوبيين-:

«كلّ شيءٍ للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناةٌ ولا مكابدة، ولا إجالة فكر ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهْمَه إلى الكلام، وإلى رجزِ يومِ الخصام، أو حين يمتح على رأس بئر، أو يحدو ببعير... فما هو إلّا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب، وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتأتيه المعاني أرسالًا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالًا، ثم لا يقيِّده على نفسه، ولا يدرسه أحدًا من ولده.»

ورأي كهذا إنما يتَّكئ في تعليله على ذكاء العربي ولماحيته، وهو ما يقتضي أن لغته أرقى إشاريَّة من سواها، ومن ثَمَّ أن الشاعر والمتلقّي كليهما لديه مقدرة فائقة على تخيُّل (القِصَّة كاملة) من خلال إشارة أو أبيات معدودة، فكيف والحال قصائد طوال كالمعلَّقات، فيها جوانب من الحياة الثقافيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة؟! وعليه، فغياب الفنون الموضوعيَّة- من وجهة نظرٍ كتلك- تُحسب للعرب وللغتهم لا عليهما. وسينبني على ذلك ضرورةً استنتاجُ أن الأُمم الأخرى ليست كالعرب- أمةً شاعرةً، بالإشارة تفهم- بل هي محتاجة إلى التفصيل، والتمثيل، والمباشرة!

إن أهل كلّ لغة كثيرًا ما يرون لغتهم أعظم اللغات، بل قد يرون أن لغات الآخرين لا شيء قياسًا إلى لغتهم. فإذا داخل الجانبُ الدِّيني الأمرَ، ازداد إيغالًا في الرسوخ الاعتقادي، ولغالبيّة اللغات ارتباطها بالدِّين. بيد أن الكلام عن عبقريّة اللغات في ذاتها شأن وعن ثقافات أهلها شأن آخَر. على أن الإشكال هنا يتعدّى التعصّب اللغوي إلى الجهل بآداب الشعوب المختلفة، فيُخيَّل إلى مَن يلتمس مثل تلك التعليلات أنه قد وقف على عِلَّة العِلَل وراء غياب الفنون الموضوعيَّة في التراث العربي القديم. ذلك أن آداب الشعوب- في أدغال أفريقيا أو في أوربا أو آسيا- لا تخلو من بدهيّات القول، ولا من خصائص الإيجاز العربي، فالإنسان هو الإنسان، والعقل لا يختلف في جوهره، إلّا إن دخلنا بمثل تلك التعليلات ضروبًا من العنصريّة اللغويّة والثقافيّة. كما أن الأمر في وجود الفنون الموضوعيّة لا يكمن في حاجة أهلها إلى التفصيل والإفهام، في مقابل استغناء غيرهم بالإيجاز والإشارة، بل في أنها فنون تحمل من الآفاق الفكريّة والفلسفيّة والحضاريّة والدِّلالات الإنسانيّة ما يصعب، إنْ لم يكن مستحيلًا، أنْ تستوعبه قصيدة غنائيّة تقليديّة، طالتْ أم قصرتْ.

وفي الرؤية المقبلة خاتمة الحلقات، ومزيد إجابات عن غياب الفنون الموضوعيّة عن شِعرنا العربي القديم.