فيضان مرعب

، بقلم زياد يوسف صيدم

فى الاونة الاخيرة تراجع استماع الناس لجهاز الراديو.. لكن مع انعدام التيار الكهربائى المتواصل نتيجة لمناكفات سياسية وحصار ممتد، عاد ليصبح وسيلة استماعهم الاولى ويعيد امجاده كسابق عهده... شد انتباه احمد تحذيرات الراديو لمنخفض جوى قادم يصل الليلة لأراضى قطاع غزة..فالتفت الى أطفاله بينما كانت زوجته الشابه محاسن تحضر العشاء للأسرة الفقيرة على ضوء فانوس باهت، بمشقة بالغة تستطيع قلى حبات البطاطا تلك الوجبة اليومية المفضلة لأطفالها.. كان ما يزال موقد النار المصنوع من الطين الاحمر المجفف، ملتئما على جمرات تشع دفئها فى اجواء غرفة باردة إلا من انفاس اطفاله الثلاثة بعمر الورود، كانوا يتهامسون تارة، ويصرخون اخرى بانتظار العشاء...هذا الدفيء المنبعث من تلك الجمرات، يحاول التسلل عبر برودة المكان.. ليطرد برد هذا الشتاء القارص على غير عادته.. مرت ساعة زمن حتى اغمضت أجفانهم وانعكست وجوههم الملائكيه البريئة على هدوء عم البيت..حينها فقط، يذهب الابوان الى غرفتهما، وقد انهيا كالعادة اخر فصل من روتين يتكرر فى كل يوم ...
كان يجوب بنظره الى سقف من الصفيح.. وآخر من الواح الاسبست المحرم دوليا لاكتشافهم باحتوائه على مادة الاسبستوس المسرطنة لبنى البشر..بدا عليه القلق والتوتر فى حركاته ووجهه المتعب بعد عناء يوم من العمل فى مزرعة الدواجن على اطراف البلده ليجلب لقمة عيش مغمسة بالعرق والجهد والأمل..بدأ يحوم فى البيت الصغير كأنه يبحث عن اشياء ثمينة! يستطيع اخذها قبل اى طارئ قادم محتمل.. غير محبب مجيئه.. فهو سيكون زائر ثقيل الدم غليظ القلب لا يحمد قدومه...فهذا الراديو قد يصدق هذه المرة..فطالما سمعه الاباء وها هم الاجيال المتعاقبة تسمعه بانتباه ولا شيء يصيب او يصدق، فلم يعد المهجرين لبيوتهم ، ولا اللاجئين الى اراضيهم..ولم تتحرر فلسطين بعد ،ولم يجتاح المجاهدين من الامة العربية والإسلامية مدينة القدس فاتحين منتصرين.. وإنما بقيت اخباره على مر السنين تنقل العذابات والهزائم.. وكثير من الخطب الرنانة السافلة..التى تبشر لاحقا بمزيد من النكسات والوكسات المتوالية، مزيد من القتل والتشريد والدمار، وتمزيق المجتمعات العربية من داخلها ،من عقر ديارها، من داخل بيوتها الواحدة...
خلد الجميع للنوم.. وما يزال احمد يتقلب على جانبيه..وفى كل مرة يدخل الهواء البارد ليلسع اطراف حسنية تلك الزوجة الشابة التى تقاسمه الحياة بمرها وفرحها..فلم يغمض لها جفن هى ايضا.. فقد احست من خلال تقاسيم وجهه وعينيه بشىء غير عادى؟ فتململت جالسة مستندة بظهرها على حافة السرير، وبادلها احمد نفس الحركة..كانا يلتحفان اغطية سميكة تبرعت بها احدى المؤسسات الخيرية الدولية قبل فصل الشتاء.. كان يوما عمت فيه الفرحة الغامرة قلبيهما كأنها كانت تحمل كنز على رأسها حين جلبتهما للبيت اول مرة.. حيث سارعا للاحتفال بتلك الاغطية الشتوية وكانت ليلة على غير عاده!...بدأ بالحديث قبل ان تبادره السؤال.. فاخبرها سر قلقه وخوفه لهذه الليلة مشيرا بإصبعه الى غرفة الأطفال.. بدأ يضع احتمالات حدوث ما سمعه فى الراديو..فبدا الحديث ما يشبه خطة انقاذ او اخلاء للأولويات التى سيتبعونها.. وكذلك لإنقاذ الاشياء الثمينة من وجهة نظره..وهنا لم تتمالك حسنية نفسها فضحكت مرددة: اشياء ثمينة يا ابو احمد ؟ قهقها معا على آخر نقطة وقود فى الفانوس الذى تحولت زجاجته الى اللون الاسود من شحبار المازوت فلا وجود للجاز الابيض فى الاسواق منذ سنين.. وقد اشرف على نهايته فى ليلة لم تكتمل فصولها وأحداثها الجسام بعد؟ ثم غرقا فى نومهما بعد ان قرءا ما تيسر من القرآن الكريم وتوكلا على رب كريم لا يغفل ولا ينام...

مرت ساعة ونيف على انتصف الليل.. والظلام يلف البيوت و المنطقة كاملة..وبدأ يُسمع صفير الريح يتسلل من شقوق الابواب والشبابيك..وضربات اطراف الواح الزينكو..ما لبث ان اشتد المطر بشكل قوى متواصل..فكانت السيول تتجمع فى هذه القرية الواقعة على نهايات المناطق المرتفعة المحيطة بشكل جنونى لم يسبق له مثيل.. فسالت كالأودية الجارفة.. او كأنها انهار متدفقة..لكن هناك اسباب اخرى كانت وراء هذه السيول الغير عادية وعدم تصريف مياه الامطار؟..سويعات حتى كانت القرية تغرق بالمياه والظلام..بالبرد والثلج ايضا والذى زاد البله طينا..بدأ صراخ الناس يعلو ويزداد عويل الأطفال والنسوة خاصة.. فالجميع فى حالة رعب وذهول مما يحدث..حتى تساءل الحاج محمد امام المسجد وكان يستعد للذهاب لإقامة اذان التنبيه الذى يسبق اذان الفجر بساعة: اتكون القيامة قد حانت؟ وبدأ فى نطق الشهادتين..شاخص ببصره و رافع سبابتيه الى السماء...

اندفعت المياه بقوة الى بيت احمد الذى كان ما يزال يتقلب فى الفراش كأنه ينتظر ذاك الزائر المرعب فطار النعاس من جفنيه.. بينما حسنية كانت قد غرقت فى نومها كباقى الاطفال..فز من نومه مذعورا وبكلتا يديه يوقظ حسنية حتى هبت فزعة مرتعبة.. فأدركت بان خوفهم كان فى محله..بينما هى فى لحظات استيعاب لما يحدث.. كان ابو احمد يحمل طفليه بين ذراعيه والثالث على رقبته وقد تدلت ساقيه على رأسى اخوته المحمولين..كان احمد يصرخ:التقطى ما تحدثنا عنه الليلة يا حسنية بسرعة.. لابد من مغادرة البيت بسرعة.. فالمياه تحاصرهم من كل جانب تكاد تطيح بالجدران الهشة..الظلام دامس إلا من كشاف بيده وضعه بجانبه لمثل تلك اللحظات الطارئة..تحتار حسنية اى شيء ثمين تحمله..لكنها اهتدت سريعا الى اشياء كانت قد ذكرتها الليلة مع نفسها... استطاع احمد الوصول الى خارج البوابة التى اقتلعتها المياه الجارفة فأصبح خارج البيت..ينظر بفزع حوله..يسمع جاره ابو اسعد يطمئن عليه وقد خرج مع اسرته سالما.. وهكذا بقية الجيران لا يسمع غير صراخ الاطفال المحمولين والصبايا الفزعات وقد غمرتهن المياه فيحاولن ستر اجسادهن بصعوبة مما يزيد من سوء حالتهن المزرية المخجلة... الجميع فى صياح وغوغاء..كأنه يوم الحشر او فياض نوح..لكن دون سفينة تنقذهم فلا يسمع غير دعاءهم ومناجاتهم الى الله ان يخلصهم وينجيهم من هذا الوضع المرعب..يزحفون جميعا تجاه اضواء منبعثة من كشافات يدوية وصراخ باللجوء الى تلك الامكنة..فيتوزع الجميع حسب قربهم منها...ينتبه ابو احمد بان حسنية لم تخرج بعد من منزل اصبح بلا سقف فقد خلعته المياه والرياح بعد ان تطاير وتهدمت بعض جدرانه..يجن جنونه..فلا يستطيع العودة للخلف وهو يحمل اطفاله الثلاثة المرعوبين فصراخهم فى اذنيه يشل تفكيره..والمياه التى تغمرهم حتى صدره افقدته التركيز وتدبر امره..لكنه يسلط ضوء الكشاف باتجاه بيته فيلمح حسنية تخرج بصعوبة وقد حملت على رأسها صرة ضخمة..فاستمر فى اضاءة الطريق لها وهو ينادى عليها حتى اتجهت صوبهم بصعوبة بالغة...

كان هذا حال الجميع اللذين استقروا اخيرا خارج مجرى السيول الهادرة.. والتى تجمعت فى القرية فأغرقت معظم المنازل واستباحت المياه كل شيء وقذفتها بعيدا بكل ما تحويه من اشياء ثمينة ومدخرات وأثاث وفراش ومقتنيات مختلفة...

لحقت حسنية بهم بعد وقت غير محدد فالعقل لا يكاد يميز الزمن.. فالدقائق تمر كساعات من شدة الفزع وهول الحدث...البرد شديد وقت الفجر والمياه باردة كالثلج الذى تساقط كحبات الحمص..استمر هذا الوضع حتى بزوغ الفجر.. وبدت معالم البيوت تظهر كأشباح بلا معالم!..وفرق الانقاذ من شباب متطوع حضروا من المناطق المجاورة وشوهدت حسكات الصيد تجوب المكان بحثا عن اشخاص عالقين او بحاجة الى انقاذ... تم توجيه الجميع ونقلهم الى اقرب اماكن للإيواء المؤقت.. كانت المدارس وبعض المؤسسات اماكن مفتوحة للجميع...وما ان وصلت اسرة احمد الى مدرسة تابعة لوكالة الغوث حتى افترشوا الارض من شدة الانهاك والتعب.. فقد خارت قواهم تماما وفقدوا قدرتهم على الحركة فدرجات الحرارة منخفضة والمياه الباردة قد جمدت اطرافهم...تم اشعال النيران فى مواقد كانت تستخدم كبراميل وقود سابقا..من حطب وكرتون وأخشاب تم نقلها على وجه السرعة..مضى وقت ليس بالقليل حتى اصبح المكان دافئا وعادت الحركة لأجسادهم والدماء تعود الى اطرافهم وهدأ روع الاطفال وكبار السن..وما ان انتصف النهار حتى كانت بعض المساعدات من اصحاب الخير والمناطق الاخرى تأتى تباعا من ملابس وأغطية وما شابه فهذا كان ضروريا وملحا لاستبدال ثيابهم المبللة بالمياه..وما ان استقر الوضع حتى بدا الجميع بتهنئة الواحد للآخر على سلامته وسلامة اسرته...رويدا رويدا دب النشاط فى اجسادهم وخرج الجميع يتفقد ما حدث لبيوتهم..فكان المشهد من بعيد محزن للغاية فالمياه ما تزال راكدة كبحيرة.. وقد التهمت كل شيء وتغيرت معالم البلدة كلها...لكن الجميع يبتسم..فتكفى سلامتهم وسلامة اطفالهم فالجميع اجمع على قول المثل المشهور عندما يتقابلون: فى المال ولا فى العيال...همس احمد الى حسنية: حمدا على سلامتك وسلامة الاطفال فابتسمت وهنأته بالمثل فرد عليها قائلا: ماذا كنت تحملين على راسك وقد تأخر خروجك ؟ فضحكت قبل ان تجيبه: احضرت كل الاشياء الثمينة التى تحدثنا بها قبل ساعات من الفيضان.. فانفجر ابو احمد مقهقها حتى ضحك الجميع من حوله... وقطع صوت الراديو ضحكاتهم وهو ينقل اخبار المناطق المنكوبة فى شمال قطاع غزة.. ويستغيث بالمجتمع الدولى لتقديم الاعانات والمساعدات الطارئة.. ويحذر من منخفض آخر قادم فى خلال اسبوع ويزيد من مناشداته لتقديم الاغاثة والإسعافات...ويضع اللوم على قسوة الطبيعة والحصار الخانق من الاحتلال..ولم يذكر اسباب عدم تصريف الامطار كما فى كل عام ؟ فانفجر الجميع بضحكات هستيرية بلا توقف.. كأنهم فى مستشفى للأمراض النفسية فلا احد يعرف ولن يعرف سر ضحكات الجميع دون استثناء! (انتهت)