الجواهري وإيمانه بالحسين

، بقلم رواء الجصاني

ها نحن نستعيد في قراءة قديمة – جديدة، عينية الجواهري، الجدلية- الفريدة، في شموخ واباء وثورة وتضحيات الامام الحسين، مستذكرين في هذا المنحى ما كان الشاعر الخالد يقوله في مجالس وحوارات كثيرة، عن قصائده،: ان كل قديمه جديد، وما احرى بتلكم العينية ان تكون مثالا على ما نشي اليه ...

وقديم الجواهري، الجديد، الذي نوثق عنه في السطور التاليات: عصماء "امنت بالحسين" التى هدر بها الشاعر الخالد عام 1947 وفاضت بالتعبير عن المواقف والمفاهيم الطافحة بالإباء والشموخ ، والممجدة للفداء والتضحيات، كما هي الحال في الفرائد الجواهرية العديدة، وان اختلفت في الصور والاستعارة :

فـداء لمثـواك من مضـجـعِ
تـنـوّر بـالابلــج الأروعِ
ورعياً ليومـك يوم "الطفـوف"
وسـقياً لأرضك من مصرع
تعـاليتَ من مُفـزع للحتـوفِ
وبـورك قبـرك مـن مَفزع

وفي مقابل ذلك تماماً، لم يجامل الجواهرى أو يتهاون في هجو الخنوع والانحناء، وأولئك المقيمين على الذل، بل وحتى من يتوسط "كاللبن الخاثر" وغيرهم من اللاجئين "لأدبار الحلول فسميت وسطاً، وسميّ أهلها، وسطاءَ"..

ولربما نجتهد، ونصيب، فنرى في "آمنت بالحسين" مجمعاً للشواهد والأدلة الأبرز على الرؤى الجواهرية المتميزة، وبمقاييس بالغة الرفعة في تبجيل "الواهبين النفس" فداءً للمبادىء التي يؤمنون بها، وتلكم بلا شك هي التضحية الأضخم للدفاع عن القيم والذود عنها، كما يرى صاحب "آمنت بالحسين..."

وفي مقاطع تالية من تلكم العصماء، القديمة – الجديدة، يستمر الجواهري في الاتجاه الذي يريد اعلانه عن تضحيات الحسين الثائر و"نهجه النير" الذي بات "عظة الطامحين العظام" لاولئك "اللاهين عن غدهم" والقنوعين دون احتجاج وتمرد أو ثورة.. كما يفيض عديد آخر من أبيات القصيدة بعواطف ومشاعر انسانية فائقة التعبير في تقديس الثبات والصمود لرجل يوم "الطفوف" و"الملهم المبدع" الثابت أمام "سنابك خيل الطغاة" دون خوف أو رهبة... وبهدف أن يُطمر "جديب الضمير بآخر معشوشب ممرع"...

شممتُ ثـراك فهب النسيم
نسيم الكرامـة من بَلقـعٍ
وطفت بقبرك طوفَ الخيال
بصومعـة المُلهـم المبدع
تعـاليت من صاعق يلتظي
فـان تـدجُ داجية يلمـع

ثم يروح الجواهري ليتمثل مأثرة الحسين التاريخية، و"يمحص" الأمر دون أن يرتهب من "الرواة" أو يخدع بما ينقلون، ويمضي هادفاً للحقيقة لا غيرها، وبدون "تزويق" أو مبالغات... وبعد ذلك فقط، يجد الشاعر أن في فداء الحسين دفاعاً عن مبادئه، وقائع لا أعظم منها، وهو "أن يطعم الموت خير البنين، من الاكهلين الى الرضع "...

تعاليتَ من "فَلَك" قُطْرهُ...
يدورُ على المِحوَرِ الأوسع
فيا ابنَ "البتولِ" وحَسْبي بها
ضَماناً على كل ما أدّعي
ويا ابنَ التي لم يَضَعْ مِثلُها
كمِثلِكَ حَملاً ولم تُرْضِع
ويا ابنَ البطينِ بلا بِطنةٍ
ويا بنَ الفتى الحاسرِ الأنْزَع

ثم يحل مسك الختام، فتجدد القصيدة تقديس ذلك الصمود والعطاء الذي "نوّر" من ايمان الجواهري، وفلسفته في الإباء والفداء، والتي تجسدت، كما سبق القول، في الكثير من قصائده ومن بينها: "سلام على مثقل بالحديد - 1951 " و"بور سعيد - 1956" و"كردستان - موطن الأبطال- 1962" والى "اطياف الشهداء الخالدين- 1963" و"فلسطين الفداء والدم - 1970" فضلاً عن قصــائد الوثبـة، الشـهيـرة، عــام 1948...

تمثلـتُ يومـك في خاطـري
ورددت "صـوتك" في مسـمعي
ومحصـت أمـرك لم "ارتهب"
بنقـل "الرواة" ولـم أخــدع
ولما ازحـت طـلاء "القرون"
وسـتر الخـداع عن المخـدع
وجدتـك في صـورة لـم أُرعْ
بـأعـظــمَ منهـا ولا أروع

وللاستزادة، نقول أن قصيدة "امنت بالحسين" المتفردة في المبنى والمعنى، والرؤى، نشرت في جميع طبعات ديوان الجواهري، ومنذ العام 1951 وقد خُط خمسة عشر بيتاً منها بالذهب على الباب الرئيس للرواق الحسيني في كربلاء، كما أُنشدت، وتُنشد، في مختلف المجالس والمناسبات الاحيائية لواقعة ومأثرة "الطــف" ...

* جواهرية "آمنت بالحسين" ما برحت الاجيال ترددها، برغم مرور ستة وستين عاما على اطلاقها، وقد وجدت كتابتنا السابقة عنها بعض ما سُمي تقييمات(!!) من "ملثمين" لم يجرأوا ان ينشروها باسمائهم الصريحة، ولربما انهم خجلون من تلكم الاسماء على ما نحسب. وقد لقيت - ونعني"التقييمات"!! المزعومة- تعاطف بعض اخر، وذلكم ايضاً ليس غريباً بحسب ظننا "فلكل ساقطة المتاع ذميمة، سوق تتيح لها ذميما راغبا" ... ولن نعقب او نفصل اكثر، تاركين للتاريخ رصده وحكمه، وما اخلصه من قاضٍ بالعدل، عزوف عن الرياء.


رواء الجصاني

باحث عراقي

من نفس المؤلف