حائطيات طالب المقعد الأخير ١١

، بقلم نوزاد جعدان جعدان

من ترك القمرَ وحيداً فلن يأكلَ خبز الليل
كجندي على الحدود يغني
لا في المهرجانات ولا لحبيبته بل في حراسته الليلة
ستبقى أغانيكَ تهزها الريح والمناسبات
كشاحنة مليئة بالبطيخ تمر في حقول القرية
لن تقف لإشارات المارة ستمضي
تحمل البطيخ وبعض الجرائد القديمة
الطالب القصير في المقعد الأخير رفع يده
قلتُ له إن التوزيع في هذا العالم غير منصف لم يصدق!
سأل بفم كبير كأنه مضغ علبة كاملة من العلكة
في آخر مرة وقفتُ فيها على الشاطئ كانت السفن بعيدة كما وجه أمي
وبعض الصيادين جلسوا وجلسنا
كان القمر شهياً كقرص فلافل
سحبَ شباكه وأغلق كل النوافذ والأبواب
ترك القمر وراءه كأم تنسى طفلها في السوق
في تلك الغرفة المحكمة كمخبر طبي
نمت فيها بيوت العنكبوت وبعض المسامير الصدئة
شرّح كل ذكرياته فيها وشرّحها
تماماً كما طبخ الفاصولياء داخلها
من ترك القمر وحيداً
لن يأكل اللوز في ليالي الصيف
سيملأ جيوبه بالملح
***
لا تفتحوا الأبواب في الليل حين يحين الصباح كل أبوابنا مفتوحة
والكراسي الخشبية نضعها أمام العتبة للضيوف
وللقطط في قيلولة الظهيرة
وحين تفتح النافذة في الليل لن يطرق القمر الباب
إنما يجلس في كراسي العيون
بدون استئذان كالحب الطازج
أمسكه من رقبته وأصنع مثلجات من حليبه لكل الأطفال
الأطفال الذين سرقهم «الحرامية» حينما فتحوا الباب
في ليل غريب كعيون الماعز
كانت تعويذة الليل بعض كلمات علي بابا
بعض أخشاب أبوابنا عندما مرّوا في الممر الضيق بأقدام حافية
***
كنتُ أعرف أن القطار سيعود إلى محطته
وأن صناديق الفاكهة التي حملناها إلى المدن البعيدة
لن تعود إلا بالصراخ
في البيت الذي شمّرت فيه الريح عن سواعدها
ولكن ما لا أعرفه أن تبقى القرية خالية عندما تمر الحصادات
وأن يبقى بائع المزادات وحيداً يبيع أجهزة الاستقبال في مدينة لا كهرباء فيها
كان علي يا أبي أن أستوعب دخان القطارات
وأن القرى الكبيرة تنفجر حين تأكل الخبز الحاف كل يوم
ما لا أستوعبه أن أمي حين كانت تنظف العدس من القش
كانت تحرق في أغانيها كل أسباب الحزن
كل يوم يلتصق وجهي بالنافذة تدنو مني سحابة بيضاء كوشاح صلاة أمي
لم أصطد الفراشات يا أمي
أذكر الذباب كثيراً والوحل و
ذلك اللحاف الذي كنتِ تغطينني به وأنا صغير أنفخ على البلور
وأنتظر المطر
السفر وحيداً ..
حزين أنا يا أمي
حتى لو وزعوا علي في رحلتي عصير برتقال وجرائد مجانية
أنا أسعل كثيراً هذه الأيام وأزعج الجيران
***
لا يهدأ الليل إلا حين تشعل كل مصابيحها
تلك التي تحب أغنيات خوليو وأكل البوشار في الشارع
سحبتني من يدي وأخرجت علبة مكياجها وقطعة شوكولا
وأنا هنا جالس كطبلة العرس من كثرة الأعراس لم أعد أشعر بالألم
في الليل
أخرج من البيت ولا أسأل إن أخذت مفاتيحي أم لا أ
بحث في المولات عن بضائع عليها تخفيضات
أشتري علبة شاي لأحصل على كأس مجاناً
لا أهدأ كثيراً وحين يمر القمر كالشبح في الزقاق شاحب اللون
أجرح كل من يدانيني كالقصب الحاد
وحدها حين تشعل مصابيحها تروض الأفعى فيّ وتحولني إلى ناي.