وكأني لستُ أنا ...

، بقلم سليمان دغش

في القطارِ السّريعِ
المسافرِ بينَ الرباطِ وطنجةَ، بوابةِ الأندلُسْ،
كُنتُ وحديَ في المقعدِ المخمليِّ
أطلّ عليَّ منَ الشُرُفاتِ البعيدةِ في الروحِ
تعبُرُني الريحُ مذعورةً من جنونِ القطارِ الطويلِ
تلوّى كأفعى على جسدِ الأرضِ
لا سرجَ تحتي
ولا سيفَ في قبضتي
كي أعودَ إلى حُلُمِ ضاعَ في غفلةِ الروحِ
يومَ أذلّيتُ سيفي على خصرِ غانيةٍ
تجرحُ الريحُ سرّتها
ونسيتُ على صهوةِ الريحِ سرجَ الفرَسْ
في القطارِ السّريعِ
إلى شاطئ الحُلْمِ، بوابةِ الأمسِ
والذّكرياتِ البعيدةِ في غيهبِ النّفسِ
كانَ القطارُ يغافلُ ذاكرةَ الحالمينَ
على بعدِ ريحٍ وأدنى منَ البحرِ، بوابةِ الشمسِ
والسّفرِ اللانهائيِّ خلفَ شراع الحَدَسْ
 
غادرَ العابرونَ القطارَ إلى حيثما يحلمونَ
ووحدي بقيتُ هناكَ بلا وجهةٍ
قلتُ للبحرِ ويحَكَ هل تتذكّرُ وجهي
وكوفيّتي تسبقُ الريحَ والرّمحَ،
سيفي الدمشقيَّ،
حمحمةَ الخيلِ خلفَ حصاني
وصرخةَ اللهُ أكبرُ
تستنهضُ الشّمسَ من خيمةِ البدويِّ
أما كانت الشمسُ مرهونةً في بناني؟!
 
ترى هل تذكّرتني ؟
كُلُّ ما فيَّ لي
لغتي، زمزَمُ الروحِ، قبلتي المقدسيّةُ، شعري،
معلّقتي الجاهليّةُ، قرآنيَ العرَبيُّ
وصرخةُ جبريلَ : اقرأْ
مضى الوحيُ يومَ أتمَّ الرسالةَ فيَّ
إلى ربّهِ
يا إلهي لقد غادرَ الراحلونَ القطارَ السّريعَ
ووحدي بقيتُ هناكَ على الأطلسيِّ
ألملمُ أشلاءَ حُلْمي البعيدِ البعيدِ
وأبكي عليهِ
وأبكي عليَّ
فهل كنتُ يوماً هناكَ؟
كأني
كأنّيَ لستُ أنا...!?

(من ديوان "سفـــر النرجـــس" الذي يصدر قريباً عن (دار الجندي للنشر والتوزيع) في القدس