سيميائية الرفض والتمرد في سيرية الخبز الحافي

، بقلم يسرا خليل أبو اسنينة

الحمد لله العالم العليم ، مهدنا الصراط المستقيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، النبي الأمي الصادق الأمين ، وعلى آله ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:

فإن السيرة الروائية تطور هجين، استقى مضمونه تمخضًا لينتعش في جنس نثري جديد ، ويسير في خطى واثقة مرتقيًا نحو القمة ، فكانت شكلاً تعبيريًا نابضـًا بالحياة ، معبرًا عما يعتصر ذهن سارده من آلام وآهات وأشجان ، وما يختلجه من أفراح وسعادة وأحزان، باسترجاعه مخزون ذاكرته وخياله ، من مشاهد شخصية وعامة ، تصف الواقع المعيش بحنظله وشهده ، متسلسلاً بأحداثها المتوقدة في ذهنه بإسهاب ، في تقنيات خاصة وأسلوبيات فنية متلونة ، لوصف الحالة التي يتحدث عنها ، ساردًا أدق الأحداث ، مطلاً على ما يعتريه مـن فيض الذاكرة ، ويَنْظِمـها دررًا ولآلئ خــلابة تسلب عقــول وأفئدة القرّاء.

كانت سيرة « الخبز الحافي » مثار جدل بين الأدباء والنقاد ؛ فكلٌّ يقرؤها من منظوره الذي يسعى إليه ، حيث مثلت حياة الموت البؤس والتشرد والجوع والحرمان ، فالكاتب كان يخرج إلى مكب النفايات يفتش فيها من أجل الحصول على فتات يقتات به ؛ وبعضهم يرى أن الألفاظ التي تتشبع بها السيرة ، تمثل ابتعادًا عن اللغة الأدبية الدارجة، بعريها الفاضح ، ويلاحظ أنهم ابتعدوا عن دراستها؛ لرؤيتهم عريّ ألفاظها فقط ؛ ولكنهم نسوا الواقع المزري والمرير الذي خطته أنامله بدقة وعفوية متناهية.

تساهم الدراسة في الحديث عن « سيميائية الرَّفض والتَّمرُّد في سيريّة الخبز الحافي » ، ولعل من أهم البواعث في اختيار الموضوع ، التعرف إلى سيريّة « الخبز الحافي » ؛ لأنها تمثل أيقونة كتابة لها حضورها المختلف ، في نص أدبي يعبر بصراحة عن حالتي الرفض والتمرد في المجتمع، وما يعتريها من أحداث وتطورات ، من مزجها بين فنين سرديين في الأدب الحديث ، السيرة والرواية ، واستقطاب عناصرها وصبها في بوتقة واحدة ، لانبثاق فن جديد ، فن السيرة الروائية ، ودراسة تقنياتها وأساليبها.

وتكمن صعوبة الموضوع في عدم استطاعتي الحصول على بعض الكتب الخاصة بالدراسة ، فموضوعها شائك ، ومتعدد المضامين ، ولم أجد دراسات وافية حولها – فيما أعلم - فمعظم المقالات التي حصلت عليها ، كانت مقتضبة – إلى حد ما – ولا تساهم في دراستها بدقة ، لذلك استقرأت السيرة الروائية مرات عديدة ، وحاولت جاهدة استبانة ما غمض منها ، وتوضيح مدلولاتها الراسخة بين ثناياها، إلى أن تعرّفت إلى الأخ والصديق « حسن بيريش » ، الذي أمدني بمعلومات قيّمة ، ولم يبخل عليّ بأي استفسار أو سؤال ، حول طبيعة وخصائص حياة صديقه الراحل « محمد شكري».

اتبعت الـمنهج السيـمـيائي ، وارتـأيت تقسيم الدراسة إلـى أربعة فـصول ، فـكان الفصل الأول بعنوان : « محمد شكري ، الأديب والتجربة » ، تفرع عنه ثلاثة مباحث ، الأول: حياته وآثاره ، والثاني: ثلاثية السرديّة السيريّة، والأخير: المؤثرات العامة في تجربته.أما الفصل الثاني: « سيميائية البنية الموضوعية في السيرة الروائية » ، تضمـن مبحثين ،الأول:التـعريف بمضمـون السـرد، والثاني : سيـميائية الـموضوع. والفصل الثالث: « سيميائية البنية الشكلية في السيرة الروائية »، كالعنوان الرئيس والغلاف ، وعنوانات الفصول، والشكل الفني. وآخرها الفصل الرابع: « اللغة والتقنيات السرديّة في السيرة الروائية » ، تضمن عدة محاور في ثلاثة مباحث: الأول:اللغة وأنواعها ، والثاني: التقنيات السردية ، والثالث:أساليب السرد، من أسلوب التهكم ، والاسترجاع والمنولوج والديالوج .

كما أفدت من بعض المراجع التي كانت عونًا لي في تدوين البحث ، أهمها: « الخبز الحافي » ، لمحمد شكري ، وكتاب « المعيش قبل المتخيل » لحسن بيريش ،واتصلت بدار الساقي –ببيروت- صاحبة ملكية نشر السيرة ،مستفسرة عنها، وأفادوني بأنها طبعت اثنتي عشرة مرة ، وأيضًا بعض المقالات والـمنشورات في الشبكة العنكبـوتية، ثم ذيلت البحث « بخاتمة » أوردت فيها أهم النتائج التي ظهرت فيه ، ثم ألحقتها ببعض التوصيات ، والمراجع.

وفي الختام ،هاكم عصارة فكري، ومداد أقلامي، أضعها بين أيديكم ، سائلة المولى عز وجل أن أكون قد وفقت ، ولا يسعني إلا أن أتقدم بالحمد والشكر لله- سبحانه وتعالى - ثم إلى أستاذي الفاضل الدكتور: « زين العابدين محمود العواودة »، لما أعطى وأفاد ، فكان نِعم الموجه والمرشد ، والنبراس الذي أضاء لنا حلكة الدروب ، وأتوجه بالشكر والعرفان إلى كل من زودني بالكتب القيمة ؛ ولكن هذا الجهد يعتريه بعض الهفوات والنسيان ، فإن أصبت فمن الله ، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.

والله أسأل السداد في القول والعمل

يسرى خليل عبد الرَّحمن أبو سنينة

الخميس: 9 صفر 1435ﻫ = 12/12/2013م