خيبة الأسلحة الذكية! «فانتازيا ساخرة»

، بقلم مهند النابلسي

ضحك الجنرال الأشقر بعجرفة وهو يقول: سندحرهم جميعا بل سنبيدهم تماما، وبدون خسائر كبيرة وجهود خارقة، فخطتنا تعتمد كليا على تفوق تكنولوجي حقيقي مشتق من مشروع حرب النجوم ... ستقوم طائراتنا كالعادة بمهاجمة كافة الرادارات ومنصات منظومات صواريخ أرض- جو، ثم سنهاجم أبراج المراقبة بواسطة صواريخ جو- أرض المتطورة، وفي نفس الوقت ستقذف مدافعنا الثقيلة " الذاتية الدفع"، بحممها على خطوطهم الدفاعية، وستمهد طائراتنا المتفوقة لهجومنا البري الكاسح على مختلف الجبهات، كما سنمهد بزرع ارض العركة بنوع محسن من الألغام الجاهزة، لاعاقة تقدم العدو...انها نوع جديد من الألغام التي تهبط بالمظلات فقاطعه زميله (قائد سلاح الجو) في جلسة الاستماع: لا تكن واثقا هكذا، فنحن نعلم انهم شديدو البأس، وقد حضروا أنفسهم جيدا، وربما لن نتمكن من الانتصار بسهولة! ابتسم الجنرال بلؤم وغرور وغطرسة: لا تقاطعني با عزيزي فأنا لم انته بعد...ثم ستبدا راجمات الصواريخ بقذف مجموعات، مزود كل منها بثلاثة ألغام ذكية تهبط للأرض مظليا...ثم ستبدأ أرتال الدبابات المسيرة ذاتيا، بخوض معركة الكترونية لن نخسر فيها جنديا واحدا ! بالمقابل سترون يا سادة أن جثث الأعداء المحروقة ستغطي أرض المعركة، فقاطعه عقيد ميداني متمرس: تبدو سيدي الجنرال واثقا جدا مما تقوله، وأنا اتوجس دائما من الثقة الزائدة، وهم " أعداؤنا " لا يتحدثون كثيرا عن تفاصيل خططهم..وهذا يبعث على عدم الارتياح ! فعاد الجنرال المنتفخ لمقاطعته باستخفاف لافت: لقد اعددنا أنفسنا طويلا لهذه المعركة الفاصلة، ولكن بهدؤ وبلا تصريحات نارية جوفاء ...ولا تنسى فنحن سنستخدم هنا أحدث انجازات التقنية العسكرية، والمؤهلة لمواجهة دول كبرى متقدمة، ولكني أعترف أننا نفتقد ربما للحوافز المعنوية! ولكن دعك من هذه المثاليات الشرقية التي لا معنى لها...فنحن عسكريين تنحصر وظيفتنا في رسم وتصميم وقيادة معارك جيدة، ننتصر فيها وندحر خصومنا بلا رحمة، ولسنا هنا لنناقش روحانيات الشرق وتعقيداته! ثم تصدى خبير في حرب المدرعات قائلا: لكن هذه الخطة على ما يبدو لا تعير اهتماما يذكر لأساليب التمويه والخداع، الذي يبدو من معلوماتنا الاستخبارية أن جيش العدو يتقنها ببراعة! هراء ! قاطعه الجنرال كعادنه: هذا كلام تبريري لا نحب سماعه هنا، فطائراتنا التي تعمل بالأشعة تحت الحمراء، تعمل ليلا بجاهزية عالية، ولا يمكن أن تضلل باساليب بدائية كالدخان والضباب الاصطناعي، فنحن نعرف تماما ما سنقوم به! أما صواريخ الأعداء التي يتبجحون ليلا ونهارا بامكاناتها وقدراتها الهجومية التدميرية، فهي من وجهة نظرنا صواريخ بدائية ذات دقة متواضعة، ونعرف كيفية التعامل معها وخلال ثلاث ساعات لا اكثر... صدقوني! خرج الجميع من جلسة الاستماع النهائية، ومشى القادة كالطواويس، وخاصة الجنرال الذي حاول تقليد مشية الجنرالات الألمان الشهيرة، داقا الأرض بحذاءه، رافعا رأسه بشموخ واعتداد وتأهب.

ثم بدأت المعركة الحاسمة، وسار السيناريو ظاهريا حسبما توقع الجنرال " المتبجح "، فقد تحصن في غرفة عملياته مع قادة العمليات، بعيدا عن حرائق ولهيب المعارك وغبارها، وحلقت طائراتهم العجائبية فوق ارتال الدبابات المعادية، محاولة تحديد الزوايا المثلى للانقضاض عليها، ثم بدات باطلاق رشقات من القذائف الفوق صوتية، وبدأت الدبابات بالاشتعال. وهناك على جبهة قريبة، قامت طائرات مسيرة بدون طيار، باكتشاف موجات البث الكهرومغناطيسي الصادرة عن الرادارت المعادية...ثم اندفعت راجمات الصواريخ، وقذفت عشرين صاروخا، فانشطرت هذه لثلاثة اقسام متشابهة ن في كل منها علبة عجيبة معلقة بمظلة عبور وعلى ارتفاع يقارب المتر، ثم تخلصت كل علبة من مظلتها، وسقطت مرتكزة على ثلاثة ارجل، موجهة قذائفها نحو مصادر الموجات الصوتية الصادرة عن الدبابات المعادية...

.....لقد بدا الأمر أشبه بقصة خيال علمي لهاو مبتدىء ومتحمس وساذج وطفولي : وكان القادة " المتوردي الخدود بتاثير الويسكي الفاخرة على لون البشرة الفاتحة"، وهؤلاء المساعدين الأصغر سنا (وبعضهم شباب يافع)، يعلكون ويقهقهون بنشوة وغطرسة واسترخاء غريب: هكذا تكون المعارك الألكترونية العصرية، لا ضحايا من طرفنا البتة، فقط آلآت وروبوتات بالغة الذكاء تسحق المتخلفين وتدك أوكارهم وعلى كل مستويات الأعماق، لتقتلهم وتدمر منشآتهم الخطيرة المحصنة هناك ! هؤلاء الأدعياء الملتحين...أصحاب الياقات البيضاء والحضارات القديمة، ثم صرخ احدهم بحماس: انظروا ايها السادة للتلفاز الثالث، حيث ظهرت على الشاشة مجموعة من الصواريخ، راسمة وراءها خطوطا دخانية بيضاء، دائرة بشكل لولبي وهي تبحث عن اهدافها، مطلقة أربعين مسمارا بسرعة 5000 كم في الساعة، ثاقبة دروع و ابراج الآليات والدبابات الفولاذية، والمواقع الثابتة للعدو، ناشرة قنابل عنقودية صغيرة فتاكة ! ثم صرخ ضابط شاب وهو يعلك: انظر هناك لما يحدث لهؤلاء " الهنود الحمر الجدد "هاهاها ! ثم ظهرت طائرة، وهي تغير شكل اجنحتها من الطيران الثابت للطيران السريع، بعد ان انهت مهمتها بنجاح كامل...وهناك في المواقع المحصنة المموهة وعند جسور الامداد اللوجستي قامت قاذفات عملاقة بتفريغ أطنان من قنابل الأعماق، مثيرة أشكالا "فطرية الشكل" من الأنقاض والركام والغبار والحريق والدخان، كما ادت لارتفاع أعمدة "تسونامية " من الماء المندفع، حاملة بقايا الجسور والقوارب والدبابات...ثم اكملت المهمة الدقيقة مراكب بحرية عسكرية، وقد تحولت بسرعة لطائرات، وبادرت بتنفيذ مهمات "حضارية" استثنائية بالاغارة على المنشآت الحيوية المدنية، مثل التجمعات السكنية والمدارس، والمستشفيات ومصانع حليب الأطفال، ومصانع الذخيرة والعتاد العسكري، أما طائرة الصياد المفترس المشهورة بعمليات الاغتيال، فقد انتشرت في كل مكان لصيد السياسيين والقادة والعملاء على حد سواء، فلن يلزم بعد الان أحد، والعميل المستغنى عن خدماته قد يكون اخطر من العدو نفسه!

ثم اتصل الجنرال الأشقر "المنتفخ الاوداج" "الوردي البشرة" "المتعجرف الوقح، والذي يتحلى" بكاريزما قيادية نادرة"،(والذي يشبه لحد بعيد "مارلون براندو " في فيلم الجحيم الآن لكوبولا)، اتصل برئيسيه الاثنين: التلمودي المندفع والخلاسي الهادىء، وأخبرهما بثقة واعتداد: لقد انتصرنا انتصارا ساحقا ودحرنا الأعداء كلهم: الخضر والبيض والحنطيي البشرة، الحاذقون اصحاب الكاريزما الخطابية وكذلك هؤلاء اللذين يلثغون بلا حياء والمختبئين في الأوكار المحصنة تحت الأرض، أصحاب العمائم والياقات البيض واللحى وكذلك مرتدي البدلات الحريرية وربطات العنق الباريسية، لقد دحرنا كل هؤلاء الأوغاد "أدعياء المقاومة والممانعة "ومرة واحدة
وللأبد....سيدي! ثم استدرك انه يتحدث لسيدين، فقال مصححا: سادتي الكرام! واستطرد بنشوة قائلا: وما هي الا ساعات فقط، وتنتصر تكنولوجيا حرب النجوم مدعمة بتكنولوجيا الروبوت و الكمبيوتر الآلية على أدعياء وخلفاء الحضارات القديمة في هذا المشرق البائس الباطني الاستراتيجي النفطي المتدين، نحن فوق الجميع سادتي، وهتلر كان مجنونا يحب العظمة ولا يسيطر على نفسه، أما نحن فأجن منه في حقيقة الأمرولكننا لا نظهر ذلك! ثم أنهى مواله الخطابي المتبجح بالقول: يحيا التزاوج الفريد بين الغطرسة الاستعمارية الخفية والديموقراطية الغربية الظاهرية والنذالة الحضارية والهيمنة الاستراتيجية، وأضف لذلك المزيج الفريد من مكونات: المال النفطي الوفير المسموم والأنظمة العميلة والطغاة المستبدين وكذلك الطائفية والذهنية التقليدية والباطنية الخفية !ولم يتوقع هو نفسه انه قادر بذكاء على سرد كل هذا الكلام الذي يدل على ثقافة سياسية غير متوقعة، ولكنه نسب ذلك لتأثير الويسكي الفاخر ولنشوة النصر الكاسح، ولكنه استدرك أخيرا أنه استرسل كثيرا في ثرثرة غير لازمة وبخطاب سياسي دعائي، فأعقبه معتذرا: ان سمحتم لي أيها الرؤساء المبجلين الأكارم! ولكن الرئيس التلمودي العصبي الملح أوقفه باستياء قائلا:" لست مرتاحا لما تقول، فالأمر قد لا يبدو بهذه البساطة، وقد تكون هناك خدعة ما، ويجب التحقق أولا والانتظار!! كما أنكم رفضتم طلبي الشخصي بالمبادرة بالقاء قنابل "كهرومغناطيسية" عملاقة لاحداث شلل تام بمشاريعهم السرية واجهزة اتصالاتهم، ولا اعلم سبب هذا الرفض الغير مبرر! ". الا أن الرئيس الخلاسي الواثق بنفسه أوقف بهدؤ اندفاع الجنرال وحماسه الزائد بالقول: هذا الكلام الكبير ليس من صلاحياتك، ونحن لا نريد لأحد على وجه البسيطة اللعينة أن يعرف مرامينا الحقيقية ونوايانا العدوانية ورغبتنا بالهيمنة! وانا شخصيا لا اوافق ابدا على حماسك الخطابي العارم هذا، لذا فأنت أيها الجنرال العتيد المتبجح مقال منذ اللحظة، وستبقى مؤقتا لأيام فقط حتى يتم اعلان النصر نهائيا، ولترتيب عملية نقل السلطة لخليفتك المتوقع ! ألم تعلم أن فحوى "خطاب النصر" للعالم ستتضمن ثلاث او أربع كلمات فقط: لقد انتصر أخيرا العالم الحر بقيمه الديمقراطية الانسانية الرفيعة على الطغيان والفاشية الدينية المستبدة ومصادر الارهاب والتخلف والهمجية "والفوضى اللاخلاقة "!! عاشت الحرية والليبرالية والديموقراطية المنفتحة على كل الأديان والحضارات والشعوب!! كما انك لا تعلم أن " طغيانهم وقمعهم وفسادهم وتسلطهم على بعضهم البعض، وكذلك عمالتهم وتشرذمهم وطائفيتهم وكراهيتهم لبعضهم البعض وتعصبهم الديني الأعمى وتكفيرهم لبعضهم البعض واسلوبهم بقصف المدنيين الأبرياء وحز رقاب بعضهم وظلاميتهم ووحشيتهم الهمجية واضطاهدهم للنساء"، كلها امور لا تعنينا أبدا ولا تعني حضارتنا الغربية المتفوقة في شيء، ولسنا بصدد معالجتها وتنبيههم لها، بل نحن ربما نشجعها بالسر واحيانا بالعلن ! فلا تتورط بالحديث عنها وكأنها مطالب حقيقية عادلة وانسانية نسعى لتحقيقها ! على كل فهذا درس لك ولغيرك، وقد آن الآوان لتتمتع بتقاعد مبكر في اجواء سياحية خلابة،ولتفكر بالتحضير لكتاب يتحدث عن الحرب وأسرارها بعد عشر سنوات على الأقل!!

المفاجأة الكبرى "الغير متوقعة !

وفجأة...ساد صمت رهيب، وظهرت بقايا الآلات والدبابات والمدافع ومواقع الرادار ومنصات الصواريخ المحروقة والمتفحمة على ساحات المعارك، ومسحت كاميرات التلفزة المتقدمة المركبة على طائرات الاستكشاف والرصد، صور ساحات المعارك ونتائج الدمار الشامل على مختلف جبهات القتال: دمار رهيب غير مسبوق، ثم ساد صمت كصمت القبور داخل قاعة العمليات الرئيسية في عاصمة عربية، وبدات ابتسامات الجنرالات الصفراء "المتغطرسة" ومساعديهم وكبار الضباط، تتحول لنظرات ذهول وتساؤل: أين اذن قادة العدو المدحورين
وجنودهم المستسلمين؟ واين مشاهد جثث العدو المتفحمة؟ واين صور وجوههم الفزعة وسحناتهم المرعوبة؟ اننا لا نرى أحدا!

وبالفعل فالذي حدث كان مفارقة رهيبة وخدعة عسكرية غير مسبوقة يكتنفها غموض كبير: فقد تعطل كمبيوتر العمليات والتجهيزات القتالية الرئيسية بفضل فيروس شيطاني ماهر، وشبت بفضله معركة رهيبة بين أسلحة العدو الذكية ذاتها، فقامت بتدمير بعضها البعض، مرسلة صورا مضللة لقاعة العمليات الرئيسية.. وربما دمرت نماذج وهمية متطابقة لمعدات ودبابات ومنصات صواريخ ومواقع رادار ومدافع مقاومة للطائرات! ثم انشقت الصحراء عن متاريس محصنة، وانفاق مموهة بمهارة، وخرجت منها جحافل العدو ودباباته الحقيقية، وظهرت في سماء المعركة فجأة طائرات وصواريخ موجهة، قامت بقصف مراكز الرادار والتحكم والقيادة في مواقع عديدة، ثم صورت كاميرات مركز القيادة الرئيسي طائرة تقترب وتنقض عليه، وكانت آخر عبارة تم تمييزها من صراخ الجنرال "المتبجح": لقد خدعنا هؤلاء...انها نار الجحيم!
ويقول نفس الراوي " الغير مطلع على خفايا الامور " ن سيناريو ثالث محتمل قد دخل على الخط، ويتمثل في نجاح المفاوضات الدورية والمناورات العسكرية المتتابعة لكلا الطرفين،وكذلك التهديدات والتصريحات "النارية" المتبادلة لتصعيد نمط حافة الهاوية"، وكل ذلك بغرض تجميد الصراع والاحتقان "الغير مسبوق" ولو مؤقتا أو تأجيله لسنة على الأكثر! ولا غالب الا الله في كل الأزمان والعصور!