حائطيات طالب المقعد الأخير ١٤

، بقلم نوزاد جعدان جعدان

جدّي الذي كان يصلي في العراء والبراري
قال لي وهو ينظف بندقيته التي كانت أطول من قامتي
أن المراعي طهارة الرعاة الحفاة
وأن المطر الذي تتنفسه غلاصم التراب أوقات الجفاف
سكن قريتنا عندما طبخ القرويون حلة واسعة من الطعام
كانت النار متقدة جدا كعيني فلاح وزع الفطائر على المزارعين
لم تك تلك الملاعق الخشبية التي تناقلتها الأفواه حطب الشتاء
جدّي الذي اصطاد العصافير ببندقيته القديمة
دفناه تحت شجرة زيتون تاركاً بارودته في فناء الدار
وأذكر جيداً أن مخرن الرصاص كان خاوياً
ورائحة البارود كانت بعضاً من رائحة جدي
كانت شيئاً لم يعد يخيف عصافير قريتي
***
هناكَ كان ثمة صوت ما لم يكْ صوت الشاي المغلي
رغم غياب ضيوف المساء
بحث هناك ووقف قريباً هنا
كانت القوارب المبحرة في الليل كناسكٍ فقد كل تعويذاته
حين يهرم البحر ويصبح القمر عكازاً
جمعَ النجوم كحبات قطن في السلة التي تركها يوماً
في ذلك الكوخ الذي سرف فيه القبلة الأولى و بعضاً من حبات اللوز المسروق
كانت السماء قريبة حين مرّ بائع البوشار قريباً بعربته
لم يك هناك اطفال حوله عندما ركن عربته
و لم يضع أحجاراً وراء عجلاتها
وحدها الأشجار التي بدّلت ثوبها حين مرّت الريح
كانت تدفئ أقدامه في الشتاء
عندما بدت السماء كعاشق يرمي أحجاره في البحيرة
كان هناك ثمة صوت ما
صوتٌ يملأ الغرفة بالدخان
***
بريئاً كأحلام الأطفال
أُلبس قبعة نومي الطويلة بعض المهرجين وأخفي فيها القنابل
مجنوناً كجدران المراهقين
أشمر عن عضلاتي المفتولة
أضع وشماً بكل الأسماء يخفي تشوهات الحروب
وحيداً كالعجائز أضع كرسياً أمام عتبة البيت
يأخذني العكاز الأطول من كنف جدّي إلى المراعي
التي كان العشب فيها أخضر
القارب الذي مضى وحيداً قدّ من أغصان
تلك الأشجار التي ظللت المقبرة عندما نام جدّي ذات حكاية
جدّي الذي حزن كثيراً ذات مساء
عندما استيقظ ولم يجد أشجار الرمان في فناء دارنا
***
لي حزن مقدس أحياناً ولي صمتي الموحش كمقبرة في الليل أحياناً
ممتلئاً بالذكريات كجرة ماء
تعرفني الطرقات منذ أن فاضت بقطراتي
وإني لا أعجب وأعجب بتلك النوافذ اليوم
المذيعة الجميلة في النشرة الإخبارية قالت أن الخارج غبار
وأن الأبواب الخشبية سخرية الريح وحطب المتسكعين
كانت الأشجار الأب الضال
وتلك الأبواب التي لا تطرق إلا لأهازيج المطر اهترئ خشبها
لي كل هذا الفضاء الجاذب كوجبة غداء عمال البناء
تجعلني أحمل خيمتي
***
أحيانا أشعر أني سعيد جداً لدرجة أدق بها أبواب الجيران وأختبئ
سعيدٌ كمحارب ينام لدقائق وسط الحرب
عندي صندوق مليء بالذكريات كصندوق الدنيا أستطيع أن احدثك عته كل مساء ...
وأحدثك عن تلك التي كانت في العيد لا تخبئ حزنها
توزعُ علينا السكاكر وبعضا من دمعها
كان لها أسئلة عديدة وأنا بسيط جدا تستهويني قصص الجن وأفلام الرعب
وحين لا أعرف الجواب أكون عنيفاً
أحياناً أكون سعيداً جدا أكتب اسمك على جدار الكنيسة القديم
واحفظ كل التعاويذ التي ربما تمسح عن ثغرك الاسئلة وطعم السكاكين الصدئة
لأزرع مكانها شجرة غاردينيا بيضاء بيضاء جدا لا تهرب عنها الحمائم
أشغل أغنية و أعطي البقال بقشيشاً
أوزع الحلوى على كل الجيران
عندما اكون حقاً سعيداً سعيداً جدا
***
كانَ عليَّ أن أكذبَ عليكِ مرتين!
قلتُ لكِ لا أحبُّ الصيف
يشتعلُ الصباحُ ولا أبحث عن أحد !
أمسك الجريدة بيدٍ وبالأخرى رغيفاً ساخناً
أبحثُ عن بائعِ اليانصيب وأوزع أحذية لتلك الأقدام التي تيبّست من تسلق الجدران
كانت المصابيح اغنية الأجنحة يا صديقي !
يؤلمني هذا الصباح أن أنظف مداخن المدينة
من حطب الغابة التي بنينا من أخشابها بيوتنا
وكم كانت تدفئ خبزنا الأسمر في فرن التنور وأيدي الضيوف قبل أن يلبسوا القفازات !
كان يجب أن أكذب عليكِ مرتين هذا الصباح
إنه نيسان والكذبة بيضاء بيضاء جدا كصحن مهلبية في الصالحية
كالسحاب الذي مرَّ قبل قليل سريعاً
هل رأيته؟!.. افتحي النوافذ هل من مطر ؟!..