كتاب جديد للباحث المغربي د. حسن المودن

عن دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع بالأردن، صدر للباحث المغربي د.حسن المودن كتاب جديد تحت عنوان: بلاغة الخطاب الإقناعي، نحو تصور نسقيّ لبلاغة الخطاب(الطبعة الأولى 2014)؛ وهو مؤلَّفٌ يتألف من مقدمة ومدخل عام وثلاثة أبواب وخاتمة.

يوضح الباحث في مقدمة كتابه أن الاهتمام ببلاغة الإقناع لا ينفصل عمّا يجري في العصر الراهن، فالإقناع أبرز إشكالية في عالم يعرف تقدمًا سريعـًا ومتواصلا في وسائل الاتصال والتواصل والإعلام؛ فهذا الاهتمام محكوم بوعي حادّ بمسيس الحاجة إلى ثقافة التواصل والإقناع، لأنها تشكّل البديل الإنساني عن العنف والتطرّف، وغير قليل من الباحثين المعاصرين يعتبر بأن لا خيار لخروج العالم من مأزقه إلا الاقتناع بـ " عقلانية تداولية" مرتكزها الحوار وقيم التوسط والتبادل، فما دمنا نتواصل ونتباحث أو نتبادل ونتفاعل، ثمة إمكان لأن نغيّر ونتغيّر.. ويدعو البعض الآخر منهم إلى صيانة الخطاب الإقناعي وحصانته بـــ " تداولية كونية " تجعل كلّ خطاب إنساني يقوم على أسس قيمية أخلاقية متفق عليها...

ويفترض الباحث المغربي حسن المودن أن الاهتمام ببلاغة الإقناع يتقدم على أنه اعتبار للحيوية التي عادت إلى علم البلاغة، ومن أهمّ خصائص هذه الحيوية التي استعادها علم البلاغة:

أولاــ الرهان على الاجتماعي: تنظر البلاغة الجديدة إلى اللغة على أنها خطاب، أي بوصفها شكلا من أشكال الممارسة الاجتماعية؛ ذلك لأن اللغة جزء من المجتمع، وهي سيرورة اجتماعية، وهي مشروطة اجتماعيـا بالجوانب غير اللغوية من المجتمع؛ والعلاقة بين الخطاب والمجتمع ليست ذات اتجاه واحد، فالخطاب يتحدد بالبنى الاجتماعية، ولكنه يؤثر هو نفسه على هذه البنى، ويشارك في تحقيق الاستمرار أو التغيير الاجتماعيين.

فكل اهتمام ببلاغة الخطاب الإقناعي لا يمكن، اليوم، إلا أن يعيد الاعتبار للوظيفة الاجتماعية التي تؤديها اللغة الإنسانية، فهي تلعب دورًا مهما في تقوية الروابط بين الأفراد والجماعات، وهي تسمح بالطلب والحصول على ما نريد، واستعمالها يستدعي معارف لغوية وكفايات إنسانية عامة ليست لغوية فقط.

ثانيا ــ إعادة الاعتبار للبعد الحجاجي: ارتبطت عودة البلاغة في زماننا المعاصر بإحياء بعدها الحجاجي، فقد كان لهذا البعد حضور مهم في البدايات الأولى للبلاغة عند الإغريق أو عند العرب، لكنه سيتراجع مع التطور التاريخي ليفسح المجال لسيادة الصورة والأسلوب، وهو تراجع سيستمر مع الشكلانيات والشعريات وبعض التيارات البلاغية الحديثة التي تريد أن تكون محض أدبية بدون أية علاقة بالإقناع، وتريد أن تختزل البلاغة في أوجه الأسلوب ومحسّناته ومعرفة طرائق اللغة الخاصة بالأدب. وعلى العموم، فقبل عقود قليلة، بدأت البلاغة تعرف طريقها إلى العودة، فبعد الآداب الجميلة والنزعة الوضعية والشكلانية الروسية واللسانيات البنيوية، أدرك الباحثون في النهاية أن ظواهر مهمة من مثل السجال السياسي والخطاب الإعلامي والخطاب الإشهاري تتعلق بطرائق معروفة ومكتسبة من طرف الخطباء والبلغاء منذ قرون.
ثالثا ــ التوجّه نحو مفهوم نسقي للبلاغة: ويعني ذلك أن نرفض الاختيار الذي يفصل بين بلاغة الحجاج وبلاغة الأسلوب، لأنه لا يمكن أن توجد الواحدة دون الأخرى، ولأن البلاغة تتألف منهما معا. ويفترض الباحث في هذا الكتاب أن في تراثنا البلاغي غير قليل من الأعمال البلاغية التي كانت منشغلة بهذه المنطقة البينية المعقدة التي يتقاطع فيها التداولي والشعري، وفيه غير قليل من المحاولات لبناء مفهوم نسقي للبلاغة؛ ولا يمكننا في الوقت الراهن، الذي يعرف عودة البلاغة، إلا أن نعيد قراءة التراث البلاغي الإنساني، والتراث البلاغي العربي جزء منه بالطبع، وان لم يحظ بعد،إلا قليلا، بالاهتمام الذي يسمح بإعادة بناء تصور العرب النسقي المركب للخطاب، وإعادة بناء ملاحظاتهم حول الإشكالات التي يخلقها التعالق بين الشعري والتداولي داخل الخطاب الواحد.

إن هذه الاعتبارات في مجموعها هي التي دفعت الباحث إلى الاشتغال بالتراث البلاغي العربي القديم، فإشكالية الخطاب الإقناعي في عصرنا الراهن لا تفرض العودة إلى الدراسات المعاصرة فحسب، بل تفرض أولا أن نعيد بناء التراث البلاغي الإنساني، ومن واجب الباحثين العرب إعادة بناء تراثهم، خاصة وأن هذا التراث يتميز براهنية يستمدها من مفهومه النسقي للبلاغة، وهو المفهوم الذي يشغل اهتمام بعض الدارسين المعاصرين.

ومع ذلك، فالباحث يستحضر في كتابه مؤلفات بلاغية أخرى قديمة ومعاصرة، عربية وأجنبية؛ والغاية فتح حوار علمي بين مختلف التصورات اللغوية والبلاغية من ثقافات وعصور مختلفة، والاستفادة من كل ذلك في مقاربة موضوع كان منذ القدم والى اليوم مثار اهتمام العلماء و الباحثين، فبلاغة الخطاب الإقناعي من الإشكاليات التي شغلت التفكير الإنساني على امتداد قرون، وعادت اليوم لتطرح من جديد؛ ويفترض د. حسن المودن أن التراث البلاغي العربي يمكن أن يُـقرأ وأن يُـعاد بناؤه بالشكل الذي يجعله يساهم في إغناء التفكير البلاغي المعاصر.