عرّاب الريح يتألق بشاعريته

، بقلم جميل السلحوت

من يطالع «عرّاب الرّيح» وهو الديوان الشعري الثاني للشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري، والذي صدر في أواخر العام 2013 عن دار الشروق للنشر والتوزيع في رام الله وعمّان، سيجد نفسه أمام جماليات متعدّدة ومتميزة، فشاعرنا الذي يمتلك موهبة بائنة، لم يكتفِ بالموهبة ولم يرتكن لها، بل نمّاها وصقلها بثقافة نهلها من صفحات الكتب، ومن معايشته الواعية للواقع، فاستفاد من تجارب غيره الشعرية، وبنى لنفسه نهجا ربّما لم يتقصده، لكنّه جاء معه عفو الخاطر، واذا كان البعض يرى أن «الشعر لحظة شعور» فان القارئ لقصائد عبد السلام العطاري سيتأكد من صحة هذه "النظرية" فالرجل يكتب أغنياته في لحظة صدق مع الذّات، لا يتصنع ولا "يتنطّع"، وتتجلى روعته بمفرداته السلسة الانسيابية المنتقاة، وهو بهذا يؤكد من جديد بأن المبدع ابن بيئته، ومن يعرف شاعرنا عن قرب، فسيرى أن قصائده انعكاس لشخصيته، فهو انسان رقيق، قلق، غاضب، ومرح أيضا، وهي تناقضات من صفات المثقفين. وبما أنه ابن بيئته فقد تميّز باختياره لصوره الشعرية من الرّيف الفلسطيني، حيث عاش ويعيش، لذا فان السنابل والأشجار والجبال وتقلبات المناخ، هي نبع ينهل منها صوره الشعرية، وكذا الانسان الفلسطيني الكادح، والفلاح الذي يعتني بأرضه، وراعي الأغنام، وقاطفو الثمار، والمعذبون على الحواجز وفي السجون من أبناء الوطن الذّبيح من الوريد الى الوريد. وبعمق ثقافته فانه يستلهم التراث الديني والثقافي والموروث الشعبي، وقد نجدها كلها في قصيدة واحدة، ومن هنا فان قصائده" من السهل الممتنع" لا تعقيد فيها، ولا ابتذال، وتنبع سهولتها من بساطة كلماتها الانسيابية، ويمتنع فهمها لمن لا يتحلى بثقافة تضمن له فهم المقروء ورمزيته الشفافة.
والقارئ لشعر عبد السلام العطاري سيجد أن هذا الشاعر المقلّ في نشر الدّواوين، له مخططه الشعري سواء قصد ذلك أو لم يقصده، ففي ديوانه الأوّل "دوناثان" ارتكزت قصائده على المكان، وهذه بادرة تسجل لصالح الشاعر، الذي يرى أنّ المكان مستهدف في وطنه، ولا يقتصر الاستهداف على سرقة المكان فحسب، بل يتعداه الى سرقة تاريخه وثقافته، لذا فهو يعيد للمكان بهاءه وأصالته.

أمّا في ديوانه الثاني"عرّاب الرّيح" فان التركيز فيه على الانسان، وهنا تأتي جدلية ربط الانسان بالمكان. لذا فانه يفتتح هذا الديوان ص 5 بمقطوعة:

"أحبّ من الطعام ما تطبخه أمّي
أحبّ ما كنت أرفضه
وأصرخ..لا أحبّه أمّي
أحبّ أمّي وطعامها الذي كان"

وفي هذه المقطوعة تناص بشكل وآخر مع قصيدة" خبز أمّي" للراحل محمود درويش"، لكنّها تحمل أكثر من سؤال، فما هو الطعام الذي تطبخه أمّه؟ وما هو طعامها الذي كان؟ وللاجابة على هذه الأسئلة سنجد أن الشاعر ينبش الذاكرة الفلسطينية، ويحرضها على البحث عن الأكلات الشعبية دون أن يسمّيها، ومن هذه الأكلات:" المفتول، الرّشتاية، المجدّرة، الخبّيزة، العلّيق، خبز الصّاج، خبز الطّابون وغيرها." وجميعها أكلات شعبيّة شهيّة، ما عاد كثيرون يجيدون تحضيرها. وفي هذا لفت انتباه الى ما يتعرض له الموروث الشعبي الفلسطيني من سرقة وطمس وتشويه.

وفي أغنياته عن العرّاب نرى قلق الشاعر وخوفه على عروبة الانسان والأرض في وطن أضاعه عربان العصر فيقول:

"أبي أبو الأنبياء
وأنا ابن الجارية الحرّة
لم ألعب بين الموائد
لكنّني أسلمت جيدي للرّؤى
فكنت كما شئت"ص12

ونلاحظ هنا استلهامه للقصّ الدينيّ، فالعرب ينحدرون من سلالة أبي الأنبياء ابراهيم عليه الصلاة والسلام، وهم أبناء اسماعيل ابن ابراهيم عليهما السلام من هاجر جارية سارة، وهو يستعيد هنا قصة يوسف عليه السلام، وكيف اقتيد من بيت فرعون الى السجن ليفسر الاحلام هناك، وليتحرّر نبيا، فهل معاناة الفلسطينيين كمعاناة يوسف عليه السلام، عندما ألقى به اخوته في الجبّ، وليعود اليهم نبيّا منقذا؟

ويؤكد ذلك عندما يقول في القصيدة نفسها:

أهيّء من كلام الطير مغناة
وأطلق صوتي من غياهب الجبّ
يا سيّارة هذي بلادي أنا من سادتها
لا أباع ولا أشترى في سوق العبيد"ص13

وكما خرج يوسف من الجبّ، فان الفلسطيني سيتحرّر من نير الاحتلال لأنه لا يرضى العبودية.
وفي قصيدة"تداعيات عرّاب الرّيح"ص44 وصف لغرفة العرّاب الذي قد يكون هو الشاعر نفسه، واللافت هو ما على جدار الغرف:

"على جدار الغرفة
صورة تشبهك
قربك جيفارا
آية الكرسي
وسفر انجيل قديم"ص45

وهذا دلالة على التعدّدية الثقافية، فجيفارا ثائر شيوعي أممي، وآية الكرسي اشارة الى الاسلام، والانجيل اشارة الى المسيحية.

ومن اللافت كثرة استلهام الشاعر للنص الديني، وتضمينه لقصائدة مثل:" غياهب الجب" و"أيّ أغنية تشدو بها ولا تكون كلماتها طلقات ترمي إذ رمي بجمرها وجعك" و"الوقت عصاك...فهشّ بها على زمنك".

ودعونا نأخذ مقطوعة"لحد" ص114 كنموذج لاستلهام الشاعر للنص الديني:

"في عينيك لحد قلبي

والهدب كفن" اللحد هو القبر، واكرام الميت دفنه، وتكفينه واجب، وهنا استعارة غاية في البلاغة، حيث استعار القبر لعيني المعشوقة لتكون قبرا لقلب العاشق، ولتكون أهدابها الكفن.
"لا ملائكة تسألني...عن المعاصي" وهنا استعار الموروث الديني لمن يؤمنون بسؤال القبر وعذابه...لكن لا ملائكة تسأل وتحاسب في عيون الحبيبة. فان وضعته في عيونها يكون الجواب..."فشيّعاني يا عيني الغزالة... شيّعاني...هذا الكحل وسم حدادي" وهنا استعار الكحل الذي يزيّن عيون النساء ليكون دلالة الحداد كونه مقبور في عينيها.