شرحُ قصيدة

«يا ابنَ أمّي» لأبي القاسم الشّابّــي فوزيّــة الشّــطّي

يَـا ابْــنَ أمِّــــي خُلِـــــــقْتَ طَلِـــــيقًا كَـــــطَيْفِ الـــــنَّــسِيمِ .....
وَحُـرّا كَــــــنُورِ الضُّحَى فِــــي سَـمـَاهْ
تُـــــغَــــــــــرِّدُ كَــــــــــالطَّـيْـــرِ أنَّــــى انْـــــدَفَعْــتَ .....
وَتَشْــــــدُو كَـــمَــا شَاءَ وَحْــيُ الإِلَــهْ
وَتَـــمْــــــــــــــــــرَحُ بَيْــــــــــنَ وُرُودِ الــــــصَّـــــــبَاحِ .....
وَتَـــنْـــــــعَـمُ بِـالـــــــنُّــــــــــــــــــــورِ أنَّـــــى تَــــــــــــرَاهْ
وَتَــمْشِي، كَما شِئْتَ، بَيْــنَ الْمُــرُوجِ .....
وَتَقْـــــطِـفُ وَرْدَ الــــــــرُّبَــــا فِـي رُبَــــــــــــاهْ
❀ ❀ ❀
كَذَا صَاغَـكَ اللَّهُ يَـــــا ابْنَ الْـــوُجُــودِ .....
وَألْقَتْـــكَ فِي الْــكَوْنِ هَذِي الْـحَـيَاهْ
فَـــــــمَا لَــــكَ تَــرْضَى بِـــــــــذُلِّ الْــقُــــــيُـودِ .....
وَتَــحْـنِــي لِـــمَنْ كَــــــبَّلُــوكَ الْـــجِـــبَاهْ؟
وَتُسْــكِتُ فِي النَّـــــــفْــسِ صَــوْتَ الْــحَيَــاةِ الْـــــــــقَـــوِيَّ إذَا مَـــــــــــــا تَـــــغَـــنَّــى صَــــــــــدَاهْ؟
وَتُطْبِقُ أجْفَانَكَ النَّيِّرَاتِ عَنِ الْفَجْرِ .....
وَالْــــفَـــــــــــــجْــــــرُ عَـــــــــــذْبٌ ضِــــــــيَــاهْ؟
وَتَقْـــــنَعُ بِـــالعَيْــشِ بَيْــــــــــنَ الْكُـــهُــــوفِ .....
فَـأيْـنَ النَّـشِيــــــدُ؟ وَ أيْـــــــنَ الإيَـــــاهْ؟
أَتَــخْـشَى نَشِيدَ السَّـــــــمَاءِ الْــجَمِيلَ؟ .....
أتَرْهَـبُ نُورَ الْـــــــفَـضَا فِي ضُــحَاهْ؟
ألاَ انْهَضْ وَسِــرْ فِـي سَبِيلِ الْـحَـيَاةِ .....
فَــــمَنْ نَـــامَ لَــمْ تَنْــتَـــظِــرْهُ الْـحَــيَــــاهْ
وَلاَ تَــــخــْـــــــشَ مِــــمَّــا وَرَاءَ الـتِّــــــــــــلاَعِ .....
فَمَا ثَــــمَّ إلاَّ الــــضُّـحَى فِي صِــــبَاهْ
وَإلاَّ رَبِــــــــيــــعُ الْــــــــــوُجُـــــــودِ الْــــغَـــــــــرِيـــــــرُ .....
يُــطَــــــــرِّزُ بِـــــالْـــــــــوَرْدِ ضَــــــــــــافِـــــي رِدَاهْ
وَإلاَّ أرِيــــــــــــجُ الــــزُّهُــــــورِ الــــــصِّــــــــبَــاحِ .....
وَرَقْـــــــــصُ الْأشِــــــعَّـــــةِ بَيْـــــنَ الْـــمِـيَـــاهْ
وَإلاَّ حَــــــــــمَــــــامُ الْمُـــــــــــرُوجِ الْأنِـــــــــيقُ .....
يُــــغَـــــــــــرِّدُ مُنْـــــطَـــــــلِــــــقًا فِــــــي غِــــــــنَـــاهْ
إلَـى النُّورِ، فَالنُّــــورُ عَــذْبٌ جَـمِــــيلٌ .....
إلَـى النُّــــــورِ، فَالنُّــــورُ ظِــــلُّ الإلَـــــــهْ.

أبو القاسم الشّابـيّ، أغَانِي الحيَاة، الطّبعة 1، دار مصر للطّباعة، 1955.

تقديمُ النّصّ:

نتناول بالشّرح والتّحليل نصّا شعريّا عموديّا تألّف من ستّةَ عشرَ بيتا. وقد انتخبناه من ديوان الشّاعر التّونسيّ أبي القاسم الشّابيّ «أغاني الحياة»، وهو الدّيوان الّذي ضمّ أشعارا كُتبتْ بين سنتَيْ 1909 و1934. نُظمَت القصيدةُ على بحر "المتقارب التّامّ"، والتزمَتْ رويّا موحّدا هو "هاءٌ ساكنة" ألّفتْ مع ما سبقها من الحروفِ المفتوحة فتحةً طويلة [م، ل، ر، ب، ي، د، ح، ن] مقاطعَ مُتناهيَةَ الطّول.

أمّا موضوعُ القصيدة فهو دعوةُ الإنسان إلى استعادة ما كان عليه في أصل نشأته من حرّيّةٍ غير مشروطة ومن تناغُمٍ مع مكوّنات الطّبيعة ومن تصالحٍ مع الذّات الإنسانيّة فرديّة كانتْ أو جماعيّة.

تقسيمُ النّصّ:

كيْ نضبطَ أقسامَ النّصّ اِخترنا معيارا بلاغيّا لتجاوُرِ الخبر والإنشاء تجاورًا ضِدّيّا أحيانا ونِدّيّا أخرى:

العنوانُ: عملُ النّداءِ،

البقيّةُ: غايةُ النّداء:

① من البيت 1 إلى البيت 5: الخبرُ الابتدائيّ المثبتُ،

② من البيت 6 إلى البيت 16: الإنشاءُ الطّلبِيّ:

ب 6 إلى ب 10: الاستفهامُ الإنكاريّ،

ب 11: التّحضيضُ،

من ب 12 إلى ب 15: النّهيُ،

ب 16: الأمرُ.

شرحُ النّصّ وتحليله:

عملُ النّداءِ: (العنوان = يا ابنَ أمّي)

نحويّا جاء هذا القسمُ من النّصّ جملةَ نداء مختزلة تألّفتْ من مُكوّنيْن هما: [حرف نداء للقريب أو للبعيد + مُنادى جاء مركّبا إضافيّا مزدوَجا]. إذنْ، يجوزُ تأويلُ الـ "يا" على أنّها حلّتْ لمناداة مَن اقترب مِن الشّاعر المنادِي نفسيّا وفكريّا وإنِ ابتعد عنه مكانيّا، أو هي لمناداة شاملة لا تستثنِي أيّا مِن مُتلقِّي النّصّ مهما يكنْ قُربُهم الفكريّ والعاطفيّ من المنادِي أو بُعدُهم عنه.
أمّا المنادَى فألفاظُه ثلاثةٌ: أوّلُها "اِبن" الّذي غاب عنه كلُّ تخصيص، فرجَحَ أنْ يكون الإنسانَ الفردَ بقطع النّظر عن انتماءاته الجنسيّة والعرقيّة والعقائديّة والجغرافيّة والسّياسيّة... هو الإنسانُ الأعزل من كلّ "هُويّة" خانِقة. ثانيها "الأمّ" الّتي دأبَ أغلبُ الرّومنطيقيّين على اعتبارِها الطّبيعةَ البرّيّة العذراء الّتي لم تُدنّسْها بعدُ المدنيّةُ الحديثة بالتّحوير والتّشذيب والتّشويه ولَمّا تُفرِطْ في استهلاكها حدَّ إهلاكها. ثالثُ الألفاظِ ضميرُ المتكلّم المفرد المتّصِل "ي" الّذي ينوبُ المنادِيَ مُنشِئَ الخطاب الشّعريّ. اِتّصلَ هذا الأخيرُ المضافُ إليه بـ "الأمّ" اتّصالا وُجوديّا: فهو الابنُ الوليدُ، وهي الوالدةُ الولودُ.على هذا الأساس النّحويّ المعجميّ يكونُ المضافُ الأوّلُ "اِبن" أخَ الشّاعر بالأمومة أي ذاك الّذي يتّفق وإيّاه في الأصل الطّبيعيّ الواحِد الأحَد. فالأخَوان كِلاهما صنيعةُ الطّبيعةِ الأمِّ الّتي منها البدْءُ وإليها المعادُ، من رحِمها الطّلوعُ وإلى بطنِها الرّجوعُ. بين المنادِي والمنادَى إذنْ، أخُوّةٌ وُثْقَى ليستْ دمويّة ولا دينيّة، إنّما هي أخوّةٌ إنسانيّة أرحبُ ما يكون.
بهذا التّفكيك نخلصُ إلى كوْنِ العنوان تأطيرا لما يلي من الخطاب الشّعريّ: فطرفَا الخطاب شاعرٌ باثّ وإنسانٌ مخاطَب، وزمانُ الخطاب هو لحظةُ إنشاء النّصّ وما يَليها من لحظات التّلقّي المنشود، ومكانُ الخطاب يضيقُ ويتّسع حسْبَ قدرة القصيدة على السّفر في الفضاء حقيقِيّه ومجازِيّه، وموضوعُ الخطاب بيانٌ عامّ ستنكشفُ فصولُه لاحقا ليُجابَ عن السّؤالِ الرّئيسِ: لِمَ يُنادِي الشّاعرُ الإنسانَ؟

غايةُ النّداء:

يتكفّل هذا القسمُ من القصيدة بالإجابة عن السّؤال السّالف. وقد تدرّج الجوابُ من "الخبر" الهادئ الرّصين إلى "الإنشاء" المنفعل غضبًا على المنادَى أو غضبًا له.
① الخبرُ الابتدائيّ المثبَت: (من ب 1 إلى ب 5):

بلاغيّا جاء هذا الخبرُ مُثبَتا (خلا من أدوات النّفي) وابتدائيّا (خلا من أدوات التّأكيد). وتَصدّره فعلُ الخلق «خُلِقتَ» مبنيّا إلى المجهول لأنّ فاعلَه الأصليّ معلوم مُستغنٍ عمّا يرفع الإبهامَ عنه: هو "اللّهُ" لدى المؤمنين به، وهو "الطّبيعةُ" أو "الدّهرُ" عند النّافِين إيّاه، وهو الصّدفةُ المحض عند العدميّين...

نحويّا امتدّت الجملةُ الأولى على الأبيات الأربعة الأولى منه. وتألّفت من مكوّنات ثلاثة [فعلٌ ماضٍ مبنيّ إلى المجهول + نائبُ فاعل (ضمير المخاطَب المفرد) + حالٌ (مركّب عطفيّ)]. وقد شملَ المتمّمُ الشّديدُ التّركيبِ معطوفات ثمانيةً تتالتْ يُسنِدُ بعضُها ظَهرَ بعض. وهذا ما يجعلُ "الحالَ" مركزَ الثّقل في الجملة لكونها جوابًا شعريّا على سؤال أقضّ مضاجعَ الفنون والعلوم والإنسانيّات: كيفَ كان البشرُ زمنَ الطّفولة الإنسانيّة؟

مُعجميّا سادت الطّبيعةُ اللّيّنة المسالمة الجميلة: (النّسيمٌ، الضّحَى، السّماءُ، الطّيرُ، الوُرودُ، الصّباحُ، المروجُ، النّورُ، الرّبَى). وعبّرتِ الأفعالُ المسنَدةُ مجازيّا إلى المنادَى عن ضربٍ من السّعادة الشّاملة والشّعور المطلَق بالأمان: (تُغرّدُ، تَشدُو، تَمْرحُ، تنعمُ، تَمْشِي، تقطفُ)، هي سعادةُ الطّفل الغرِير البَخِيت.

أمّا الوصفُ فقد غلبتْ عليه تقنيتان: التّشبيهُ المرسَل المفصّل الّذي يُقرّب الصّورةَ إلى الأذهان والفعلُ الوصفيّ الّذي يرسمُ الموصوفَ- المخاطَبَ في حالة حركة دؤُوب لا تكادُ تَنِي. وأمّا الدّلالةُ فتعدِيدُ خصائص النّشأة الأولى (الطّفولة الإنسانيّة) الّتي خُلق عليها الإنسانُ حسْبَ الفهمِ الرّومنطيقيّ للوجود: لقدْ كان سعيدا لا يُكدّر صفْوَهُ مُكدِّرٌ، حرّا لا تقيّدُه حدودٌ أو موانعُ أو شرائعُ، آمِنا لا تلاحقُه المخاوفُ والمهالكُ.

جاء البيتُ الخامسُ (ب 5) مُجْمِلاً ما سبق تفصيلُه مُلِحّا على إرادة اللّه أو الطّبيعة (سمّاها: الحياة) لتلك النّشأة الأصليّة المثاليّة، هي الإرادةُ الّتي عبّرتْ عن حبّ الخالق لمخلوقاته وحِرصِه على الانسجام بينها، وهي الإرادةُ الّتي سيشرعُ الإنسانُ في تحدّيها شيئا فشيئا ساعيا إلى شقائه.

تخلّلتْ هذا البيتَ جملةُ النّداء «يا ابنَ الوُجود» الّتي تُعادل جملةَ العنوان تقريبا، كأنّما لِتَلْفِتَ انتباهَ المنادَى من جديد إلى لُبّ الخطاب الخبريّ ولِتُهيّئه ذهنيّا ونفسيّا لما سيأتي من الخطاب الإنشائيّ.

لاحظنا خُلوّ هذا القسم من أدوات النّفي، إذْ لا يُكذِّبُ "الحقيقةَ الرّومنطيقيّة" هذه إلاّ جاحِدٌ مُكابِرٌ. وخلاَ أيضا من أدوات التّأكيد لأنّ الحالةَ الأصليّة الموصوفةَ أمرٌ مُسلّم به لا يحتاجُ دليلا. لذا يمكنُ تلخيصُ وظيفة "الخبر المثْبَت الابتدائيّ" في تذكيرِ الإنسان بنشأته الأولَى الّتي أنْساهُ إيّاها الفاصلُ الزّمنِيّ المديدُ: لقد أنْسَتْهُ العصورُ المتلاحقة حقيقتَه الّتي فَطَرَتْه عليها "أمُّه الطّبيعةُ" حتّى صار التّشوّهُ أصلاً والأصلُ نِسْيا مَنْسِيّا. بهذا المعنى يكون الإنسانُ قد خرج من "الفردوس الأرضيّ" بمحض إرادته، ثمّ نَسيَ كيفَ يعودُ أدراجَه بلْ نَسيَ ما كانَ عليه من سعادة وحرّيّة وأمان. وكانَ الابتداءُ بالخبر الهادئ الرّصين "قَرْصةَ أذُن" للذّاكرة البشريّة الخؤُون. والأصلُ في الخبر أن يكون قابلا للتّصديق أو التّكذيب. أمّا خبرُ «يَا ابنَ أمِّي» فصِدقٌ فَنّيّ نقلَ بأمانة أحدَ أهمّ أسُسِ الدّعوة الرّومنطيقيّة شرقا وغربا: ضرورةُ العودةِ إلى الأصل الطّبيعيّ النّقيّ من شوائب المدنيّة الحديثة. وهو خبرٌ يُغرِي باستعادة الزّمن الجميل أكثرَ مِمّا يُخبرُ عنه. لذا تصدّرَ القصيدةَ مُهيّئا نفسيّةَ المخاطَب كيْ يتقبّلَ عُنفَ الإنشاءِ الآتِي وقسوةَ مضامينه.
② الإنشاءُ الطّلبِــيّ: (من ب6 إلى ب16):
تَمثّل الإنشاءُ الطّلَبِيّ في أعمال لُغويّة أربعة يَعضدُ بعضُها بعضا:

الاستفهامُ الإنكاريّ: (من ب6 إلى ب10):

لا يَطلبُ هذا النّوعُ من الاستفهام جوابا لأنّه يقدّم الإجابات صراحة أو يحتويها ضِمْنيّا أو يُلمِحُ إليها رمزيّا. واستفهاماتُ الشّابّي مُنشئِ الخطاب الشّعريّ تُلحّ في هذا السّياق على نَقْلِ الحيرة إلى نفس المنادَى، عسى أن يحفرَ في ذاكرته الجمْعيّة بحثا عن بردِ اليقين.
شغَلَ استفهامُ الحيرة الأبياتَ الأربعة الأولى من هذا القسم، تَصدّرهُ اسمُ الاستفهام «مَا» صريحا ثمّ مُقدّرا. وتألّف من سبعة استفهامات فرعيّة تنهالُ على المتلقّي بنسقٍ سريع يكادُ يُبكّتُه. كأنّما الشّاعرُ حريصٌ على أن ينقلَ حيرتَه إلى "أخيه" (بحكْم الأمومة الطّبيعيّة) مُنكرا عليه الرّضا بالاستعباد والخنوعَ للظّالمين الطّغاة والتّعسّفَ القهريّ على الرّغبة الفِطريّة الدّفينة في الانعتاق. يفعلُ الإنسانُ هذا بنفسه رغم انفتاحِ السّبل أمامَه وكثرةِ دواعي الانطلاق الحرّ. أمّا استعادةُ الحرّيّة الأصليّة فحدثٌ مُمكنُ الوقوع بلْ "واجبُ الوجود"، وأمّا الامتناعُ عن السّعي إلى ذلك فعادةٌ بشريّة أضحتْ كالطّبيعة الثّانية. مُخاطَبُ الشّابّي يرفضُ فكّ «القيود» الّتي تكبّله سياسيّا واجتماعيّا وثقافيّا وأخلاقيّا ودينيّا... لا لعجْزه عن تحطيمها ولا لخوفِه من سوء العاقبة ولا لإدمانِه وخْزَ الأصفاد، إنّما لكونِه فاقِدا لإرادة الفعل أي "إرادة الحياة" .
وتحضرُ "الطّبيعةُ الأمّ" حضورا طاغيا يَرُجّ سكينةَ هذا "الابن الضّالّ" ويُزعزعُ يقينَه بحتميّة العبوديّة. من ذلك كان معجمُ النّور (النّيّرات، الفجر، الضّياء، الإياة، النّور، الضّحى) السّبيلَ إلى إفْحام المنادَى بصرا وبصيرة.

مِن محاولة بثِّ الحيرة وإنكارِ السّكينة الواهمة، يتدرّجُ المتكلّمُ بمخاطَبه إلى التّعجّب من أمره متسائلا عن سرّ الْخَرَس الّذي ألمّ به وهو «المغرِّدُ الشّادِي المنشِدُ» بالفطرة وعن سببِ العمَى الّذي أظلمَ قلبَه عن كلّ حقّ باهِر.

مِن التّعجّب يَصل الاستفهامُ في سياق البيت العاشر والأخير من هذا القسم، إلى حدّ السّخرية السّوداء. فلا معنى لأنْ يُخْشَى نشيدُ السّماء الجميلُ أو يُرهَبَ إشراقُ الشّمسِ- الحقِّ الأبلج إلاّ الْهُزْءُ بمن سكنَه الخوفُ من أنْ يرَى حقيقتَه في مرآة الذّات. ابنُ الطّبيعة خائفٌ من طبيعته فَزِعٌ من إدراكِ حجمِ التّشوّه الّذي أصابه.

لذا تصاعدتْ لهجةُ الخطاب في القسم الاستفهاميّ حِدّة وانفعالا بما يُوافقُ تصاعُدَ حسرةِ الشّاعر على "ابن أمّه" وحرصِه على نقلِ عدوَى الرّفض والتّمرّد إليه. لم يكنْ المتكلّمُ مَهموما بتلقّي الجواب بل بغرس حيرة التّسْآل في مُخاطَبٍ تجنّبَ دُهورا ألَمَ السّؤال كلّما عزَّ الجوابُ. وإذْ يبلغُ الانفعالُ مداهُ، يلوذُ الشّاعرُ بالتّحضيضِ، الأسلوبِ الإنشائيّ الطّلبيّ، عسى أنْ يفعلَ في المتلقّي فعلَه.

التّحضيضُ: (ب11):

بعدَ الاستفهام المستفزّ الّذي أُرِيد به زعزعةُ الرّكُون إلى مُسلّمات كرّستْها الجماعةُ البشريّة عبْر الأزمنة، يأتي التّحضيضُ في البيتِ الحادي عشرَ باعتباره نتيجةً عمليّةً يُغري بها الشّابيّ إنسانَ عصره. تلاَ حرفَ التّحضيض «ألاَ» فِعلا الأمر «اِنْهضْ، سِرْ» لبيان الحدثِيْن الْمَحْثُوثِ عليهما. أمّا "النّهوضُ" فيستبطنُ إقرارا بأنّ "ابنَ الأمّ" غارقٌ في أعمق سُبات، كأنّما هو قطعةٌ من "أهل الكهف" النُّوّم. وأمّا "السّيرُ في سبيل الحياة" فدعوةٌ إلى الفعل في الوجود أو هي دعوة إلى أن نحيا الحياةَ الحقَّ. فالرّومنطيقيّةُ الثّائرة ترفض الوجودَ الزّائفَ الّذي لا يُحقّق إنسانيّةَ البشر أفرادا كانوا أو جماعات. ولأنّ الشّاعرَ يُدرك مدَى عبوديّة هذا المخاطَبِ المطلوبِ تحضيضُه على استردادِ طفولته وتحريضُه على كسْر القيود الصّناعيّة، ألحقَ الإنشاءَ الطّلبيَّ بخبر يقين أقربَ ما يكون إلى الحكمة بلْ إلى القاعدة العلميّة: إنّ سيفَ الزّمان ماضٍ لا يتوقّف وسبيلَ الحياة مفتوحٌ على مِصراعيْه في وجوه الطّامحين إلى ولادة جديدة. ورغبةً في طمأنة "الأخِ في الطّبيعة" الخائفِ المرتبكِ الْخُطَى، يتدرّجُ المتكلّمُ نحوَ النّهي.

النّهي: (من ب 12 إلى ب 15):

بلاغيّا تمثّل النّهيُ في صدر البيت الثّاني عشرَ فحسبُ: «وَلاَ تَخْشَ مِمَّا وَرَاءَ التِّلاَعِ». أمّا بقيّةُ القسم فجملةٌ مستقلّة من الخبر الطّلبيّ المثبَت، كان فيها أسلوبُ الحصر [مَا ... إلاَّ.. وإلاَّ.. وإلاَّ.. وإلاَّ...] توكيدا لمضمونها يُثبتُ الحكْمَ بوجود العناصر المحصورة وينفيه عمّا سواها. إذْ عدّد النّاهِي عن الْخَشْية، العناصرَ الطّبيعيّةَ البهيّةَ الّتي ستكون في استقبال المخاطَب إنِ استفاق من سُباته [الضّحى الصّبيّ، الرّبيعُ الغرير، أريجُ الزّهورِ الصِّباحِ، رقصُ الأشعّة، حمامُ المروجِ الأنيقُ] مؤكِّدا خُلوَّ الوجود المدْعوّ إليه من نقيضها. وهي، كما تُظهرُ صفاتُها، عناصرُ تنضحُ حيويّة وسعادة وطفولة. إنّها من جنسِ "ابن الأمّ": مُقبِلةٌ على لذّة الحياة طامحةٌ إلى السّعادة الّتي لا يُكدّرُ صفوَها مُكدِّرٌ.

ولأنّ هذا الخبرَ تعليلٌ للنّهي وتفسيرٌ للغرض منه فقد ألحقناه به. فجملةُ النّهي إنشاءٌ لفعل الرّفض (رفْضِ الخوف). فيها يُنهَى المنادَى المتردّدُ في أمر نفسه الرّاهبُ كسْرَ أنساق ألفها عن الفزع من "الجنّة" الّتي هيّأتها له الطّبيعةُ الأمُّ. أمّا جملةُ الخبر فإغراءٌ بالتّمرّد وترغيبٌ بما سيترتّبُ عن دفْع الخوف، استعادتْ ما في معجمَ أوّل النّصّ من نور وخصوبة. هو خبرٌ يُطمئن المنْهِيَّ بأن جمّل له العالمَ المنظورَ الّذي يدعوه النَّاهِي إلى اقتحامه بجرأة الثّائر وحماسة المؤمن. لذا نعتبر معنَى النّهي قد شغلَ الأبياتَ الأربعةَ جميعَها.

ليس في هذه "الجنّة" الرّومنطيقيّة سوءٌ ولا نقيصة. فيها الجمالُ كامل، والحرّيّةُ مطلقة، والأمنُ شامل، والسّعادةُ دائبة. إنّها استعادةٌ للعالم المثاليّ الّذي نعِمتْ به الكائناتُ الحيّةُ زمنَ الطّفولة البشريّة، أي قبل "العقوق الجماعيّ". بل هي أشبهُ ما يكون بالجنّات السّماويّة الّتي تداولت الأديانُ تجميلَ محاسنها وتعديدَ خيراتها. الفرقُ الرّئيسُ بين الجنّتين أنّ إلَهَ جنّة القصيدة هو الإنسانُ نفسُه وقد وعَى ذاتَه وملك كيانَه دون حاجة إلى التّرهيب بغياهب الجحيم وويلاته.
وحتّى يكون النّهيُ عن التّردّد حاسِما، أردفه الشّابّي بإنشاء طلبيّ أشدَّ استفزازا. هو الأمرُ.
الأمر: (ب 16):

نحويّا احتوى قسمُ الأمر جملة مختزلة [إلَى النّورِ] حُذفتْ نواتُها الإسناديّة الفعليّة الّتي تقديرُها "اِمْضِ أو اذْهَبْ أو سِرْ" وحضرَ منها مكوِّنٌ وحيد هو المتمّمُ "مفعول انتهاء الغاية". تمّ إسقاطُ النّواة الحدَثيّة لفْظا لأنّ المتمّمَ كفيلٌ بالدّلالة عليها وبملْء محلّها. تكرّرتْ جملةُ الأمر مرّتين: في الصّدر ثمّ في العجُز. وفي الحاليْن لحقتْها جملةٌ خبريّة، أولاهما تمدحُ "النّورَ" إغراءً به [فالنّورُ عذبٌ جميلٌ]، ثانيتُهما تعلّلُ الدّعوةَ إليه [فالنّورُ ظلُّ الإلَهْ]. لكنْ أيَّ "نور" يعني الآمرُ: نورَ الحقّ أم نورَ الإيمان أم نورَ المحبّة؟.. وأيَّ "إله" يقصدُ؟ أهو "الإلهُ الدّينيّ" الّذي أخبرتْ عنه الكتبُ المقدّسةُ سماويُّها ووضعيُّها؟ أم هو "الإلهُ الطّبيعيّ" الكامنُ في كلّ عضو من جسدِ "الأمّ" الهائلِ؟ أم هو "إلهُ القصيدة" باعثُ الكونِ الشّعريّ الرّحب؟.. سكوتُ الشّاعر عن التّعيين يوسّع أبوابَ التّأويل، فتتعاضدُ الدّلالاتُ أكثر ممّا تتنافر. إذْ لا شيءَ في السّياق يمنعُ أن يكونَ "الإلهُ" كلَّ هذا وأكثر.

أمّا تكرارُ كلمة "النّور" أربعَ مرّات في بيت واحد فأكّد إلحاحَ الشّاعر على رمزيّة "النّور"، وهي رمزيّة قديمةٌ قِدمَ الإنسان. وإذا علمنا أنّ "النّورَ" عند فلاسفة الصّوفيّة هو ظهورُ الموجودات من العدم إلى الوجود ، أدركنا المعادلةَ المنطقيّة التّالية: النّورُ هو الوجودُ، واللّهُ هو الواجدُ، إذنْ "فالنّورُ ظلُّ الإله" [أيّا يكنِ الإلهُ].

في نصّ انفتح على هدوء "الخبر" وانغلق بحماسة "الإنشاء"، يبشّر "الدّاعيةُ" الرّومنطيقيّ "مُريدِيه" بالجنّة الأرضيّة المثلى الّتي سيدركونها ما إنْ يُجدّدُوا العهدَ الطّفوليّ مع "الأمّ" الوالدة المرضعة الحاضنة. حسْب الشّاعر، سيستعيدُ "ابنُ الوجود" سلامَه الرّوحيّ وانسجامَه مع الكون إن اهتدَى إلى "سبيلِ الحياة" الّذي سار فيه قبْلا مفعَما بالسّعادة كاملَ الجمال خيّرَ الفِعال، أيْ عندما كان هو نفسُه "ظلَّ الإله" في الأرض.

الخاتمة:

نخلص من هذه القراءة إلى بعض الاستنتاجات:

الإيقاعُ:

لم يخرجْ أبو القاسم الشّابّي عن عمود الشّعر [اعتمد بحرَ المتقارب] ولا عن وحدة الرّويّ [اعتمد الهاءَ السّاكنة المسبوقة بفتحة طويلة]. ولسْنا نرى في الأمر التزاما صارما بأنساق القول الشّعريّ القديمة، إنّما ذاك لأنّ أغلبَ الرّومنطيقيّن تمسّكوا بالإيقاع كيْ تعكسَ القصيدةُ ما في الطّبيعة من تناغم واتّساق وموسيقى كونيّة مُتجاوبة.
ربّما من أجل ذلك وجدنا الشّابّي يقوّي الإيقاعَ العروضيَّ الخارجيّ بإيقاع صوتيّ داخليّ قوامُه التّرديدُ اللّفظيّ والتّماثلُ التّركيبيّ. كأنّما يُوشّي القصيدةَ على قدر جمال العالم المنشود الّذي يبشّر به.

المخاطَبُ المفردُ:

توجّه الشّاعرُ بنصّه إلى مخاطَب مفرد سعيا إلى تنفيره من السّائد المناقض لأصلِ النّشأة ولعلّةِ الخلْق معا. يمكن أن نرى في تخصيص الفردِ بالخطاب دليلا على احتفاء الرّومنطيقيّة بذاتيّة الإنسان ورفضها تغييبَ الفرد في المجموعة حدَّ الذّوبان. ثمّ إنّ الثّوّارَ عادة ما يكونون أفرادا يكسرون حاجزَ الصّمت الّذي تطوّقهم به "الجماعةُ الضّالّة"، وعلى عاتقهم تقع مسؤوليّةُ إيقاظ الجماهير من سباتها المديد. بهذا التّأويل يصيرُ المخاطَبُ "جمْعا في صيغة المفرد" يُنهِض بعضُ بعضا.

الثّورةُ على السّائد:

نشأت الرّومنطيقيّةُ حركةَ رفضٍ لكلّ مظاهر التّشوّه والانحراف في الوجود البشريّ. ونصُّنا تجسيدٌ لهذا الطّموح في تأسيس عالم بديل. بيد أنّ "الثّورةَ الرّومنطيقيّة" عودٌ على بدْء: إنّها استعادةٌ لعالم مثاليّ كان في سالف الأزمان أو لجنّة أرضيّة تَقلّب البشرُ في نعمائها وقتَ طفولتهم البريئة. من قوانين الثّورات أن تكون قفزةً هائلة إلى الأمام. وإذا بثورة الرّومنطيقيّين "ردّة" بخطى عملاقة إلى الزّمنِ المحالِ. فكأنّها "ثورةٌ" في القصيدة لا تكاد تغادرها. بهذا نفهمُ صورةَ "الإنسان الجديد" الّذي لبّى النّداءَ: تجلّى كالطّفلِ الطّلَعةِ الغِرّ السّاذج اللاّعب اللاّهي النّقيِّ الفؤاد الخالِي الذّهن... ولأنّه كذلك بدا أسعدَ الخلق وأبعدَهم عن الشّقاء. إنّها، إذنْ، ثورةٌ من أجل السّعادة الّتي جوهرُها الوعيُ بحرّيّة الذّات وبكمال الكيان وبالتّناغم مع الوجود.
منزلةُ الشّاعر:

في النّصّ الرّومنطيقيّ الشّاعرُ هو النّبيّ صاحبُ الرّسالة الكونيّة. لا يكتفي بإنشاء الخطاب، إنّما يَـجِدُّ ليُنشئَ عالَما من لحم ودم. وهو عليمٌ ببواطن النّفس البشريّة قادرٌ على الرّحلة في مجاهلها المعتِمة وعلى تفكيك عُقدها الجماعيّة المتراكمة. مطيّتُه الحدسُ والخيالُ والبصيرةُ [لذا طغى في نصّنا الإغراءُ وغاب الإقناعُ]. وكثيرا ما يتضخّمُ صوتُه، فيبدو كَمنْ يمتلك الحقيقةَ كلّها ويريد أن يفيضَ بها على الخلق أنصارا كانوا أو روافضَ.
بهذه الصّفات تكلّم أبو القاسم الشّابيّ في قصيدته "الدّعويّة". فكان الدّاعيةَ إلى انبعاثٍ جماعيّ، كأنّه القيامةُ، انبعاثٍ يحقّق القطيعةَ التّامّة والأبديّة مع حاضرِ العبوديّة والشّقاء والعِداء، انبعاثٍ ينسجُ على منوال البعث الإلهيّ الأوّل حيث "الطّفلُ" طلِيق و"النّورُ" مطلَق.