نظرة، فعبوس، فشتم، فغضب، فقتال.

، بقلم عثمان آيت مهدي

بداية أستسمح شاعرنا الكبير أحمد شوقي عن هذا التشويه غير المقصود لهذا القول الجميل:
نظرة، فابتـسامة، فسلامُ == فكلام، فموعد، فَلِقاء

قد تكون هذه النظرة البريئة التي أثمرت ابتسامة وجادت بعد لحظات تحية وسلاما رائجة في عصر الشاعر، حيث كان الناس على فطرتهم النقية متحابين، متعاطفين، متسامحين، ولا غرابة حين تصادف شخصا في طريقك أن تبادره بالتحية والسلام مشفوعة بابتسامة لطيفة تخفف عن المكلوم جرحه، وعن الكئيب حزنه، وتحدد للمعجب والمحب موعدا ولقاءَ.

لكن، أن تتحول النظرة إلى مصدر الشكوك والأوهام، وإلى العين البغيضة القاتلة في تراثنا الإسلامي المليء بالترهات والخزعبلات، فهو أمر يستدعي الغرابة والتعجب! فالعين حق كما تذكره كتب الحديث، وهي مصدر مرض الكثير من المسلمين النفسية، إنها باختصار شرّ يجب تجنبه ومحاربته.

يروى أنّ شابّا لم يراقب نظرته الموجهة لأحدهم بالقرب منه، وسهى، لقد شدّته متاعب الدنيا وألقت به في متاهات أحلام اليقظة، ولم يفق إلا بغضب المرئي وسماع تحذيرات شديدة منه لهذه النظرة المشؤومة، بعد لحظات تطور الغضب والتهديد إلى الفعل، وامتدت يد المرئي إلى موس بجيبه ليغمده مرات في جسد الرائي جزاء نكالا لهذه النظرة المشؤومة. وأقاصيص عن العين كثيرة في بلداننا العربية الإسلامية.

يقول علماؤنا في الفقه والشريعة أنّ العين حقّ، شحنة من البغضاء وشرارة غير مرئية تحدث ضررا في المرئي، وتسبب له أضرارا خطيرة في جسده أو في أبنائه، أو في ماله.. بحسب توجيه النظرة وقوة مفعولها، ولإبطالها يستعين المرئي بالمعوذتين وقراءة آية الكرسي وبعض من آيّ القرآن الكريم، أو ما يسميه البعض بالرقية الشرعية. هل للعين هذه القوّة؟ وهل بالفعل تحدث هذا التأثير المرغوب من الرائي في المرئي؟ وماذا يقول العلم في كلّ هذا؟ أم أنّ العلم يقف مشدوها أمام خوارق الطبيعة ولا يجد تفسيرا مقنعا لها؟ المتتبع لكتب أهل الفقه والحديث يجد عناوين لا حصر لها تتناول هذا الموضوع بكثير من السذاجة والبلادة وضعف البصيرة. أمّا القرآن الكريم فلا أثر فيه للعين، باستثناء الحسد الذي ربطه القرآن بالفعل "ومن شرّ حاسد إذا حسد" وقال علماء اللغة أنّ "إذا" تفيد التحقيق، بمعنى أنّ الحسد لا معنى له إذا لم ينتقل إلى الفعل.

هل الإيمان بالعين حقّ أم هو عدم ثقة بالنفس وضعف في الشخصية؟ الناظر إلى واقع المسلمين وما أحدثته العين من اقتتال بين الناس، وعداوة بينهم، وإقبالهم المتزايد على الراقي يطرح أكثر من سؤال؟ الراقي الذي انتقل إلى مهنة المشعوذ، والمشعوذ الذي انتقل إلى مهنة الساحر، ولا يُفلح الساحر حيث أتى، يلحظ جليا شدة ميل المجتمع إلى الغرائب والأوهام وإعراضه الشديد عن العقل السليم. يروى أنّ ابن الرومي الشاعر الذي غرّد خارج سربه كان مصابا بالطيرة، وعزل نفسه أيّاما ببيته خوفا من نظرة أحدهم له، وهو رجل أحدب. ألا ينمّ هذا التصرف عن شخصية مضطربة، خائفة، لا تقوى على صدّ هجمات الأيّام له ولا تقلبات الدهر؟

إنّ المتسلح بالإيمان بالله، الواثق من نفسه، لا يخشى من نظرات الناس له، ولا يأبه للعين المتربصة به، ولا يولي للعائن أهمية، فالهدف النبيل الذي يسعى من أجله ويعمل لتحقيقه أولى وأسمى من شغل النفس بما هو تافه، كأن يتستر وراء انهزاماته وضياعه بسبب العين الخبيثة التي حالت دون نجاحه، فيسقط فشله ومرضه وفقره على الناس، لا على نفسه.