على هضبة أم قيس

، بقلم فيصل سليم التلاوي

على مدى سنوات عمري، التي سيّرتني فيها يد ما كانت حانية ولا رؤومة في يوم من الأيام، فأرغمتني على الحل والترحال، والتطواف في البلاد والحذر من العباد، ألفيت نفسي أقيم في مدينة(إربد) حينا من الدهر. وأكثر ما كنت آنسه في تلك الربوع الحورانية الخضراء في فصل الربيع، و ما كانت تألفه نفسي، ويبعث الشجن في خاطري كلما تذكرته بعد حين، هي تلك الجلسات التي ما كنت أصطحب فيها أحدا، سوى وساوسي وهواجسي وهمومي ومنظاري المكبر، الذي ابتعته من الحجاج الداغستانيين في مكة المكرمة، خصيصا ليرافقني في مثل تلك الجلسات.

كنت أغادر إربد مُغَرِّبا مسافة تزيد على الثلاثين كيلو مترا، فلا أوقف محرك سيارتي إلا على قمة السفح الشمالي لتلة أم قيس، ( جدارا : إحدى المدن العشر الزاهرة في العصر الروماني - الديكابولس- والتي كانت يومها ذات نهضة أدبية وفنية وعمرانية، لقبت من أجلها بأثينا الجديدة )، وكنت أتعمد أن تكون زيارتي في يوم لا عطلة فيه، حتى لا تفسد عليّ خلوتي جموع الزائرين والمتربعين، الراكضين وراء العكوب و الزعمطوط والزعتر وسائر الأعشاب البرية .
لا أقصد التجوال بين الآثار الرومانية كما يفعل سائر القادمين، فقد فعلت ذلك أول مرة وانتهى الأمر، ولم يعد يشدني إليها سوى الكلمات المنقوشة على ضريح الشاعر الروماني (أرابيوس) مخاطبا أي زائر لهذه المدينة :

- (أيها المار من هنا، كما أنت الآن كنت أنا، وكما أنا الآن ستكون أنت ، فتمتع بالحياة لأنك فانٍ) .

عندما تطل من قمة السفح الشمالي لتلة أم قيس و بلدتها، فإنما تجد نفسك وجها لوجه أمام التاريخ قديمه وحديثه، وأمام الجغرافيا الشامية و قد تجمعت أمام عينيك في لحظة واحدة، وفي موضع واحد .

رغما عنك تشدك النظرة الأولى شمالا، ليفزعك الحاجز الجبلي
الشاهق، الذي يصدم ناظريك لدى رؤيته للمرة الأولى، فلا تملك إلا أن تسأل مرافقك، إن كان معك مرافق، و كانت زيارتك هي الأولى لهذا المكان:

- ما هذه الجبال ؟ فيجيبك بنبرة تقطر أسىً :

- إنها الجولان.

تفيق من لحظة الفزع الأولى، لتختلس نظرة أخرى على سلسلة
الجبال المنيعة الشاهقة الجرداء التي أفزعتك، والتي يقول من زارها من الجهة الأخرى أنها جنة خضراء، وأن لا جانب أجرد منها إلا هذا الوجه الذي يطالعنا من هنا، كأنما ليبعث الفزع في نفوسنا.

تتمعن قليلا فلا ترى شيئا، سوى طرقات متعرجة تطوق خاصرة الجبل، وبعض سيارات عسكرية تروح وتجيء، ونقاط مراقبة وأبراج ومحطات تنصت وإنذار، فيحوم فوق رأسك دون أن تتفوه به السؤال الذي سأله كل من صدمه هذا المشهد المروع قبلك:

- كيف تمكن الإسرائيليون من الاستيلاء على هذه القمم الشاهقة بتلك السهولة التي تمت بها ؟ فلا تجد لسؤالك المُحيّر جوابا.

وإذا كان النهار رائقا والسماء صافية، فإنها تحفزك على إلقاء نظرة ثالثة أنفذ عمقا نحو الشمال، لتلوح لك على البعد قمم جبل حرمون، شيخ جبال بلاد الشام، بيضاء مكللة بالثلوج ولو في منتصف الصيف، ثم يرتد إليك بصرك خائبا عندما تهوي به إلى القاع ، إلى قرارالوادي لتطالع الأخدود العظيم على الحافة الجنوبية لتلك الجبال، والذي يسير فيه بطيئا ونحيلا، يجرجر نفسه ما تبقى من نهراليرموك، الذي لم يعد سوى بقايا جدول صغير. تطالع فوقه بقايا الجسر الحديدي الصدئ، الذي لم يطأه قطار ولا قدم منذ ما يزيد على ستين عاما، والذي كان ممرا للقطار المتجه غربا إلى طبريا فحيفا وسائر مدن فلسطين.

تتحدى ناظريك رغما عنك المسطحات المائية وبرك تربية الأسماك، التي أقامها الإسرائيليون في بلدة الحمة على الضفة اليسرى للنهر، فقد طاردوك إلى ناحيتك التي تجلس عليها، فلم يكتفوا بضفة النهر اليمنى المحاذية لحواف الجبال.

تكتفي بهذه النظرات وتطبق عينيك عن كل نظرة أخرى تجاهها، لكنك ترتد إلى أغوار أعماقك المحشوة تاريخا، لتحاول استرجاع مشهد آخر لهذا المكان، تحفظه عن ظهر قلب وتتغنى به عمرك كله، فليس لديك سوى التاريخ لتهرب إليه من واقعك الذي يجثم على صدرك ويكتم أنفاسك، فتلوح لك عبر الخيال، وعلى مسافة أربعة عشر قرنا، سنابك خيول الفتح وهي تثير غبار النقع في هذه المنحدرات، فتهزم الروم شرهزيمة، وتمزقهم شر ممزق، وتلقي بهم في لجة اليرموك، الذي كان يومها نهرا عظيما، وليس بقايا نهر كما هو حاله وحالنا الآن، ولكن كيف الهروب من الواقع، ولات موضع مهرب؟

وسرعان ما تنعطف بك النظرة التي ما فارقت قلبك ولا عقلك منذ اللحظة الأولى، التي وطئت قدماك بها هذا المكان، تنعطف بنظرك قليلا ناحية الشمال الغربي، ليبهر عينيك سحر الزرقة المتألقة من بحر الجليل، فتود لو تصرخ بأعلى صوتك:

يا يُمّا أعطيني (الدربيل) تنظر شوقي وأشوفه

فتمد يدك متناولا (دربيلك) الذي أعددته خصيصا، وعودته على مصاحبتك في مثل هذه اللحظات، التي تعانق عيناك فيها زرقة بحيرة طبرية، فتتعقب المراكب التي تتبخترعلى صفحتها جيئة وذهابا، وتمعن النظرعن بعد في المدينة ذاتها: شوارعها وبعض عماراتها البارزة المميزة، وحيها العلوي الحديث الذي يطالع ناظريك، تتأملها كأنك تعرفها شارعا شارعا و بيتا بيتا، وأنت الذي ما وطئتها قدماك، ولا طالعت وجهها عن قرب يوما، بل إنك قد جئت إلى هذه الدنيا بعد أيام معدودات من غيابها .

تتمعن في أرجائها وكأنك تبحث عن دكان الخياط ، الذي أخبرك خياطك العجوز في إربد - عصام درويش - أنه قد بدأ رحلته مع المهنة على يديه صبي خياط في مدينة طبرية، قبل ما يزيد على ستين عاما.

فتهمس في أعماقك مخاطبا نفسك وحدها:

- المدينة لا تسقط ، الناس من روعهم يسقطون.

تمعن النظر إلى طبرية البحيرة والمدينة الأسيرتين، وإلى ما جاورهما غربا و شمالا بنظرة كسيرة حسيرة، فلا تجد ملاذا سوى الهروب من الحاضر إلى الماضي، مثلما فعلت مع المشهد السابق، فيطالعك وجه أبي الطيب المتنبي في إقامته القصيرة بطبرية، في ضيافة أميرها بدر بن عمار، في الزمن الذي استبدل فيه الذي هو أدنى بالذي هو خير، عندما غادر بلاط سيف الدولة الحمداني في حلب، ميمما وجهه شطر بلاط كافور الإخشيدي في مصر خوفا وطمعا، خوفا من كيد الوشاة والحاسدين، الذين نازعوه و حرموه الحظوة لدى الأول، وطمعا في الظفر بالولاية والسلطان لدى الثاني، فما أدرك الغايتين وما أعقبه ذلك إلا ندما.
وإذا كان المتنبي قد استبدل شرا بخير بملء إرادته ، فقد أبدلنا التيه والضياع بما كان قبله مهما كان شأنه رغما عنا، لكن إقامة المتنبي القصيرة في طبرية، لم تخل من رائعة فنية من روائعه مثلما هو دأبه حيثما حل، فكانت أبياته الخالدة التي وصف بها جمال بحيرة طبرية، من قصيدة يمدح بها الحسين بن إسحق التنوخي ومنها:

لولاك لم أترك البحيرة والغو
ر دفيء و ماؤها شـــــــبمُ
والمـــوج مثل الفحول مزبدة
تهدر فيها وما بها فطـــــم
والطير فوق الحباب تحسبها
فرسان بلق تخونها اللجــم
كأنها والرياح تضــــــــربها
جيشا وغًا هازمٌ ومنهـــزم
كأنها في نهارها قمـــــــــــرٌ
حفّ به من جنانها ظُلـــــم
تغنت الطير في جوانبهـــــا
وجادت الأرض حولها الديم

وقد سار على نهجه في الافتتان بجمال طبرية في مطلع القرن العشرين، أمير البيان شكيب أرسلان، الذي حل فيها ضيفا على ابن عمه، الذي كان وقتها قائم مقام طبرية ، فوصفها في قصيدة مطولة تقع في 143 بيتا، منها:

بحيرة كل شأنها عجـــبُ
وهي من الحسن كلها غررُ
لله در الكنديّ واصفهــــا
كأنها في ســــــــمائها قمر
كأنها فـــــي صفائها فلك
وفلكها فيه أنجمٌ زُهُــــــــر
أقبح بقوم رأوا محاسنها
يوما فما أنشدوا ولا شعروا!

تعاود تقليب نظرك شمالا وغربا، لعلك تظفر بالنظر إلى موقع قرية حطين أو قـرون حطين، فتتذكر المعركة والنصر المبين، الذي أبدل أحوالا كأحوالنا اليوم بأحسن منها، وأعـاد لنا ما كان مسلوبا و مغتصبا منذ عشرات السنين، فكان صلاح الدين الذي أصلح الله على يديه الدين والدنيا، وكان فتح بيت المقدس، الذي لا نزال نتغنى به حتى يومنا الحاضر، دون أن نتأمل ما تبعه من أيام، مثلما هي عادتنا الدائمة في انتقاء الأيام والأحداث والأشخاص التي تروق لنا، فنتعلق بها ونغمض الطرف عما سواها وكأنها لم تكن.

فكم من أبناء أمتنا اللاهجين بالثناء على صلاح الدين، المنشدين بملء حناجرهم ليوم حطين وفتح بيت المقدس، من يعلم أن الملك الكامل بن الملك العادل الأيوبي، قد أعاد القدس للصليبيين سلما دونما قتال، عندما استنجد بالملك فردريك الثاني ملك ألمانيا، لينصره علـى خصميه السياسيين وهما شقيقاه، ووقع مع الصليبيين معاهدة يافا، التي سلم بموجبها القدس للصليبيين سنة626 هـ وتوج فردريك الثاني ملكا عليها.

واستمر حكم الصليبيين لها عشر سنوات، حتى طردهم منها الملك الناصرالأيوبي سنة 637هـ، والذي ما لبث أن تحالف مع عمه الملك الصالح إسماعيل، ضد الملك الصالح نجم الدين، واستنجدا بالصليبيين عليه، وسلما المدينة للصليبيين ثانية دون قتال سنة 638هـ، مما أثار حنق المسلمين واستنكارهم، وبقيت القدس تحت سيطرة الصليبيين حتى سنة 643 هـ،عندما قام الملك الصالح نجم الدين باستردادها للمرة الأخيرة.

إن أمرنا غريب عجيب في قراءة التاريخ، وانتقاء صفحاته التي تروق لنا، فنوسعها ثناءً وإطراءً، ونتسمرعندها فلا نغادرها، ونظل أسرى لها ولو بعد ألف عام، وكيف نغمض طرفنا عما لا يروق لنا، لنحسبه قد محي من تاريخنا بإغماض عيوننا عنه.

وتنتقل بخواطرك مع طبرية وجوارها من ماضيها إلى حاضرها، فتلتقي مع الروائي المبدع يحيى يخلف في رواياته الثلاث (بحيرة وراء الريح) و(نهر يستحم في البحيرة) و(ماء السماء) البحيرة التي صارت فعلا بالنسبة لأهلها وراء الريح و وراء الشمس، وأبعد لناظرها من الخيال، والنهرالذي لم يعد يسـتحم في البحيرة، بدخوله إليها و خروجه منها عند موضع (باب التم) إلى الغرب من بلدة سمخ، مسقط رأس يحيى يخلـف، والتي هي نقطة البداية لتسلسل الأحداث، والمسرح الأول لرواياته الثلاث، فقد غير النهر مجراه قسرا عند نفق عيلبون وخزان البطوف،عند الطرف الشمالي الغربي لبحيرة طبرية، حيث تم تحويل مجراه، لتصبح رمال صحراء النقب هي التي تستحم بمياهه، فيحيل اصفرارها خضرة ومواتها حياةً .

فلم يبق من نهرالأنبياء والرسل سوى واد ضحل،لا يسمن أرض الغور ولا يروي ظمأها، مثلما اعتاد أن يفعل على مر الحِقب والأزمان، وحتى البحر الميت الذي كان يلقي فيه نهر الأردن عصا ترحاله، فيحافظ على مستوى سطح مياهه، بما يقذفه فيه من مياه متدفقة، أوشك أن يموت حقا ليصبح اسما على مسمى، فقد تضاءل إلى أقل من نصف حجمه السابق، وتعرت قيعانه الجنوبية وانكشفت سوءاتها.

ولعل الإسرائيليين يرمون من وراء ذلك إلى البحث عن آثار سدوم وعامورة تحت قيعانه، بعد أن أعيتهم الحيل في إيجاد آثار تاريخية، تدعم زعمهم بوجود صلة لهم بهذه الأرض في غابر الأزمان، فلم يجدوها فوق سطح الأرض فجربوا أن يبحثوا عنها تحت قيعان البحر بعد تجفيفه.

أعود إلى بلدة سمخ التي تعرفت على موضعها صغيرا على أطلس سعيد الصباغ، الذي تتلمذنا جغرافياً على خرائطه، أبحث عنهاعلى الضفة اليسرى للنهر عند خروجه من بحيرة طبرية .

أركز منظاري على عينيّ وأصوبه ناحية الشمال الغربي تجاه الموضع المحدد لسمخ، التي حفظت حاراتها ومواقع بيوت أهلها، وموضع محطة سكة الحديد فيها من روايات يحيى يخلف، فلا أجد في الموضع من أثر لما قرأت عنه وتخيلته.

ليس ثمة سوى ملامح مستوطنة ومزارع حديثة، ولا شيء يشي بوجود أثر لقرية عربية كانت هناك ذات يوم، فقد محيت سمخ من الوجود بعد رحيل أهلها، مثلها في ذلك مثل عشرات بل مئات من قرى فلسطين.

أتتبع من خلال منظاري آثار الطريق الذي سلكه أهلها عندما غادروها، مع خط سكة الحديد شرقا إلى الحمة، ثم عبروا نهراليرموك إلى قرية (المخيبة) الأردنية، وكيف مكثوا هناك مدة من الزمن، يتأملون سمخ عن بعد مثلما أتأمل موضعها الآن، ويؤملون عودة قريبة موعودة إليها، حتى إذا انجلت الحقيقة عن سـراب الوعود، وتقطعت بهم الأسباب فإذا بهم يصعدون الهضبة التي أجلس فوقها الآن في هيئاتهم المزرية، يجرجرون أقدامهم نحو أم قيس و ملكا، سالكين الطريق الترابي يومها، الذي قذف بهم إلى السفح الشمالي لتل إربد، في الموضع الذي صاريعرف منذ يومها بمخيم إربد، وبعضهم لم يقو على صعود الهضبة، فآثر السير مع مجرى نهر اليرموك شرقا و شمالا، لتنتهي بهم السبل فــي مخيم درعا، وفي سائر دروب الشتات التي سلكها غيرهم، إلا من غامر بالعودة من حيث أتى في أيامه الأولى متل فطيمة، أومن لم يطق فراق سمخ طويلا، ولم يعتد على الحياة في المخيم بعيدا عنها، فقضى نحبه مثل فرس خالد الزهر،(البيضاء الشهباء الأصيلة سليلة الأصايل المدللة، التي ماتت مهانة مثلما تموت الكلاب والقطط والحمير، ماتت في مخيم إربد لاجئة بين لاجئين).

أو من اختار الموت على ضفة النهر في الطريق إلى سمخ، ولو بعد حين من الدهر مثل عبد الكريم الحمد، حين توجه إلى داره، دار الأمان في سمخ، ولقي مصرعه على الأرجح لدى عبوره النهر، حيث اختار ميتة كميتة الغزلان، فالغزال إذا شعر بدنو أجله انتحى مكانا قصيا، ليموت بعيدا عن الأعين، وهكذا فعل عبد الكريم الحمد.

أفارق سمخ وذكرياتها، وقلبي يقطر دما، لألقي نظرة أخيرة هي أقرب إلى أقدام تلة أم قيس التي أجلس فوقها، أنظر إلى غور الأردن القريب الشاهد الأبدي على كل تلك الأحداث الجسام قديمها وحديثها، أتأمل قرى المخيبة والباقورة والعدسية والشونة الشمالية و وقاص ووادي اليابس والشيخ حسين ، فلا أجد رفيقا مؤنسا يصحبني في رحلتي هذه خيرا من الشاعرالدكتورمحمود شلبي في غورياته، فقد أرغم على مغادرة بلدته (دنّه) في قضاء بيسان مع أسرته وهو ابن خمس سنوات، حاله في ذلك حال سائر شعبه، لكن أسرته لم تمض بعيدا في غربتها، فقد بقيت على مرمى حجر من دنّه، ونزلت في قرية الباقورة في الغورالشمالي، عند ملتقى نهراليرموك بنهر الأردن، كأنما لتواصل النظر والأمل إلى ما خلفته وراءها من مكان وزمان، فعاش الشاعر ممزقا بين نفس تطير به إلى دنّه، التي تفتحت عيناه على أرضها، ونفس تنازعه إلى ذكرياته القريبة، ومدرج طفولته وصباه في الباقورة التي يخاطبها بقوله:

قرية تصحو على النهر وتمشي للزفـــاف
وبعينيها حبيب شفه الوجد فيأوي للضفاف
النهارات اشتعال الجسد الأسمر
في حقل من الحلفاء والغور جفاف
ويسترسل الشلبي مع ذكريات الصبا، ومشاهد الصبايا

المتوجهات صوب النهرحاملات جرارهن ليملأنها، ورجع أغنياتهن الريفية لا يزال يرن في أذنيه:

يا زريف الطول واردفني وراك
تِعبن اقدامي وانا أركض وراك
وان طلعت للسما لطلع معاك
وان حدّرت أنا وياك بمحرمه

ويمزج بين حبه وتعلقه بالباقورة وجوارها، من أرض الغور مرابع فتوته وصباه، وبين حنينه لوطنه الماثل أمامه على مرمى البصر، لكنه على رأي شوقي:

أحرام على بلابله الدوح
حلال للطير من كل جنس؟!

فيقول الشلبي معلنا عشقه للباقورة، وشوقه لما وراءها غربي النهر:

قرية يعشقها القلب وفي القلب جراح و مداد
تفصل القلب عن القلب فيمتد السواد
ليس إلا النهر
هذا الولع اليوميّ
هذا الوجع الحتميّ
وعين الوطن الموغل في الأهل وتصهال الجياد
شوقنا أبعد منا، شوقنا أقرب منا
والذي يقتلنا أن البلاد
قاب قوسين وأدنى من شرايين الفؤاد.