فرحة الولد

، بقلم حوا بطواش

وأخيرا نام الولد.

وليلة أخرى انقضت دون نوم ولا راحة. غطيته جيدا، وانطلقت من أعماقي تنهيدة طويلة، عالية، دون وعي، لدرجة خشيت أن يسمعها الولد فيفيق من نومه مرة أخرى. أحسست بالتعب الذي يقبض على كل جزء من أجزاء جسدي واجتاحتني رغبة جامحة في النوم. آه... كم أتوق الى أن أرمي نفسي الآن على هذا الفراش ليأخذني النوم بأجنحته السحرية الى عالم الهدوء والراحة، حيث لا صراخ ولا بكاء. ولكن ساعة استيقاظه هو قد اقتربت، زوجي الذي ينام على الجانب الآخر من ذلك الفراش بكل هدوء وبكل راحة، وعليّ أن أحضّر له فطوره، قهوته وملابسه...

تركت الغرفة وتلمّست طريقي نحو المطبخ. أحسست بفراغ كبير، مرعب، كأن ضبابا ثقيلا من اللامعنى يرتفع من أعماق الأرض ويجتاح جسدي. سكبت الماء في الغلاية ووضعتها في مكانها وباشرت بتحضير الفطور. وبعد أن انتهيت ذهبت لإيقاظه من النوم، وجلسنا لتناول الفطور.

"ما بك يا حبيبتي؟ ألا تأكلين؟" سألني مستغربا.

"لا رغبة لي بالأكل."

" هل تشعرين بخير؟ ما بك؟"

ما بي؟؟ وكيف أقول له ما بي؟ بأية كلمات أصفه له؟ هل سيفهمني إن قلت؟ وهل أنا أفهم ما بي؟! لا أدري ما بي. أحسّ بضيق غريب في صدري.

"لا شيء." كان ردي، وفي محاولة لإخفاء اضطرابي أضفت بعد قليل من الصمت: "لعله الإرهاق، فأنا لم أنل من النوم شيئا طوال الليل."

"حبيبتي، لا تكوني قلقة هكذا. كل شيء سيكون على ما يرام. ها هو الولد نائم الآن. لِم لا تذهبين لترتاحي قليلا؟ أنا سأحضّر قهوتي بنفسي. هذا ولدنا الذي انتظرناه طويلا. يجب أن تكوني سعيدة."

نعم. يجب أن أكون سعيدة. كنت أظن أن قدوم هذا الطفل سيملأ عليّ حياتي فرحة وأملا، ولكن... لماذا إذن لست سعيدة؟ لماذا أنا حزينة طوال الوقت؟ ولماذا تتملكني رغبة دائمة في البكاء؟ لماذا لا أشعر بفرحة الولد التي ينتشي بها الجميع من حولي وهم ينظرون إلى ذلك الطفل الصغير الذي انتظرناه طوال خمسة عشر عاما، يهنّئونني ويباركون لي ويقبلونني فرحة بالولد! لماذا لا أستطيع أن أشعر بهذه الفرحة؟

قمت من مكاني وعدت إلى الغرفة. ارتميت على الفراش، تكوّرت، أغمضت عينيّ... وانتظرت. كنت منهكة القوى. أحسست كأن ثقبا أسود يقضم داخلي.
انتظرت طويلا!

وأخيرا... غادر المنزل إلى عمله وأغلق الباب من ورائه. عندها، أطلقت العنان للدموع المحتبسة في عينيّ فانهالت على وجنتيّ حزنا وابتئاسا كمطر غزير، مرير. ولا أدري كم مرّ من الوقت وأنا أبكي بحرقة، فأنا لم أشعر بشيء من حولي، لم أشعر إلا بذلك الثقب الأسود الذي يكبر ويتمدد في صدري ويهدد بابتلاعي.

حاولت أن أنام. إنها فرصتي الذهبية للنوم. فالولد نائم. حاولت جاهدة. ولكنني لم أقدر. بقيت أتقلب في الفراش، أتلوى، وأبكي... حتى سمعت رنة الهاتف التي أرعشت قلبي. هببت من الفراش وركضت للرد على المتصل.

"صباح الخير، رائدة." سمعت صوت سمية من الطرف الآخر للخط. "كيف حالك؟"
قلت وأنا أمسح الدموع من عينيّ وأناضل للتحكم على اتّزان نبرة صوتي: "أهلا سمية. أنا بخير. الحمد لله."

"وكيف حال الولد؟ هل نام في الليل أم عذب أمه؟!" سألت بلهجة ساخرة.
تنهدت قليلا... ثم أجبتها: "ظلّ يبكي ويصرخ طوال الليل، وأنا لا أدري ماذا أفعل، ولا أدري لماذا يبكي؟ ما به؟ ماذا ينقصه؟ ماذا يؤلمه؟ ماذا يريد؟ ولماذا لا ينام؟ حتى خِلت أنه لن يكفّ عن بكائه الى الأبد. ثم نام أخيرا قبل دقائق."

سمعتها تطلق ضحكة باردة: "لا تقلقي يا عزيزتي. لا ينقصه شيء وليس به أي شيء وسيكفّ عن بكائه لوحده. هكذا هم الأطفال في بداية حياتهم. ولكن سيتحسن الحال بعد شهر أو شهرين. أنا ربيت ثلاثة أطفال بهذه الطريقة. هذا أمر طبيعي. ستتعوّدين عليه."
"ولكنني متعبة. متعبة جدا."

"لا تحزني يا عزيزتي. أنا سآتي لمساعدتك. ألست صديقتك وابنة عمك وبمثابة أختك؟"
"ولكن كيف؟ وماذا عن أطفالك الثلاثة؟ أين ستذهبين بهم؟"

"لا تخشي، يا عزيزتي. سأتدبّر الأمر."

أغلقت الهاتف وشعرت بشيء من الراحة تنسكب في روحي. وأخيرا! لم أعد وحيدة. هناك من ستساعدني على هذا الحمل الثقيل وتدلني على الطريقة الصحيحة لتدبّر أمر هذا الولد الذي لا أفهمه ولا أفقه شيئا مما يريد ويطلب.

ثم انتبهت فجأة الى البيت من حولي. يا إلهي! أهكذا سأستقبل سمية في بيتي؟! صحيح أنها صديقتي القريبة وابنة عمي وبمثابة أختي، ولكن... كيف أستقبلها في هذه الفوضى؟!
أسرعت لترتيب البيت بكل غرفه وزواياه، أغسل وأكنس وأمسح وألمّع... حتى علا صوت صراخه من جديد. أفاق الولد! وصرخ شيء ما من داخلي: أنت لا تستطيعين مواجهة هذا الولد! لا تستطيعين!

اقتربت من سريره، حملته برقة وقرّبته الى قلبي، قبلته بحنان ودفء، ولكنه ظلّ على بكائه. حاولت تهدئته فهززته هزا خفيفا، ربتّ على ظهره ومسحت برقة على جبهته الصغيرة الطرية. أهو جائع؟؟ لا بد أنه جائع وإلا لما بكى بهذه الطريقة. جلست على السرير وحاولت إرضاعه. ولكن عبثا! إنه لا يرضى بشيء ولا يهدّئه شيء. يصرخ... ويصرخ... ويصرخ... وكل ما أفعله من أجله لا يزيده الا بكاءً وصراخا.

لماذا يصرخ هكذا إن لم يكن جائعا؟ أهو خائف؟ ماذا أفعل حتى يكفّ عن بكائه؟
أحس أنني وحيدة. ليتني أطلب المساعدة من أمي. ولكن كيف أطلب منها ذلك؟ لا بد أنها ستؤنبني قائلة: "أنا ربيت عشرة أطفال لوحدي دون مساعدة أحد! بنات آخر زمن!!"
حاولت إرضاعه مرة أخرى. وماذا عساني أفعل غير ذلك؟!

وأخيرا، وبعد دقائق عصيبة، هدأ قليلا وتوقف عن البكاء شيئا فشيئا، وهدأت نفسي معه بشيء من الحذر. ثم رنّ جرس البيت. سمية وصلت حتى تساعدني!

رتّبت قميصي وقمت من مكاني بسرعة، حاملة الولد بيديّ، فعاد الى بكائه من جديد!
فتحت الباب.

"أهلا سمية". دعوتها للدخول.

رأيتها كيف فوجئت بمنظري وأنا أحمل الولد الذي يضجّ بالبكاء. فقالت وهي تأخذه من يدي: "ماذا هناك؟ أهكذا تعذّب أمك أيها الصغير؟! لماذا تبكي؟ ماذا تريد؟" ثم توجّهت اليّ سائلة: "هل أرضعتِه هذا الصباح؟"

"جلست لأرضعه قبل قليل ثم..."

"اهه، إذن أكملي إرضاعه يا عزيزتي. أنا سأرتب لك البيت."

"لا، لا داعي لذلك. لقد قمت بترتيب كل شيء. تعالي فقط."

أحسست بشيء من الراحة وهي بقربي، تحاول أن تخفّف عني... تحمل عني شيئا من حملي الثقيل. وبعد أن أرضعت الولد ونام أخيرا، خرجنا من الغرفة وجلسنا في غرفة الضيوف.
"ما بك يا رائدة؟" سألت سمية بقلق.

انطلقت من جوفي تنهيدة بائسة. "سأحضر لنا القهوة."
تركتها وذهبت الى المطبخ. ومرة أخرى راودتني الأفكار: ما بي؟؟ لم أجد كلمات مقنعة أصف بها ما بي؟!

عدت اليها مع القهوة، وجلست بجانبها. سكبت القهوة في الفنجان وقدمته لها.

جلست في صمت، أهزّ جسدي، أبحث عن الكلمات طويلا... ثم سمعت سمية تسألني:
"ماذا حدث لك؟ إن منظرك لا يعجبني أبدا. أين رائدة التي أعرفها؟ رائدة المرحة، النشيطة، المحبة للحياة ولكل البشر؟"

قلت وفي صوتي تسللت رجفة تهزّ الكيان: "أنا... حزينة. حزينة جدا."

"لماذا؟" تعجبت مني سمية.

"من المفترض أن أكون سعيدة مثلما يقول لي الجميع، ومثلما يشعر من حولي الجميع، أعرف ذلك جيدا، ولكن... لست سعيدة. أنا مخنوقة. أشعر بالوحدة كما لم أشعر بها في حياتي، رغم أن الجميع من حولي، ولكن، أحسّ كأن صخرة كبيرة جاثمة على صدري لا أستطيع حملها أكثر من ذلك. لا أستطيع! ولا أستطيع القيام بمهامي. إنه دائما يبكي وأنا لا أستطيع تهدئته. أنا أم سيئة جدا... لا أستحق هذا الولد... حقا أنا أشعر بالخجل من نفسي. أنا أم فاشلة."
"لا تقولي ذلك يا رائدة. بل أنت أم رائعة."

" أنا فظيعة. لا أستطيع تحمل صراخه الذي لا ينتهي. أنا لا أعرف ماذا يريد؟ وماذا يحتاج؟ إنه أخذ مني كل شيء، وأخذني من نفسي. أنا عالقة معه مدى الحياة. صراخه سيحطم روحي. أعصابي لم تعد تحتمل. لم تعد بي طاقة على الاستمرار. أشعر برغبة أن أهرب الى البعيد... أهرب من هذه المصيبة التي وقعت على رأسي، من حزني وضيقي وتعاستي. لم تعد لي حياة. أصبحت إنسانة أخرى، غير مألوفة حتى لنفسي. فقدت نفسي وحياتي، فقدت كل شيء... بعدما حصلت على هذا الولد. أين الفرحة؟ أحس أن رأسي سينفجر!" قلت ذلك وأجهشت بالبكاء، فاقتربت سمية تحتضنني، تواسيني.

أكملت: "أنا خائفة... مرعوبة. أنفاسي تختنق من الرعب. أحسّ أنني فقدت عقلي واتزاني. ماذا يحدث لي؟؟"

"عزيزتي،" قالت سمية فجأة وهي تنظر عميقا في عينيّ. "عليك التوجّه الى الطبيب."
صدمتني بقولها. "ماذا؟"

"إنه الوحيد الذي يمكنه مساعدتك." قالت بنبرة واثقة. "لا تدعي نفسك تغوص في هوة الاكتئاب. أنت لست وحيدة ولم تفقدي عقلك. هناك علاج لحالتك."

فجأة، أحسست بسعادة عجيبة تتسلل الى نفسي. وسط هذا الخراب أحسست ببصيص من الأمل قد عاد يلفني من جديد، فإن كان الذي يحدث لي ظاهرة معروفة، إذن، فأنا لست سيئة الى هذا الحد. بل أنا مريضة. أحسست أن ذلك هدّأ من روعي. وفجأة، وجدت حافزا جديدا على الحياة.