مسرحية المستوطنة السعيدة في اليوم السابع

، بقلم جميل السلحوت

ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية الأسبوعية الدورية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس «مسرحية المستوطنة السعيدة» للأديب الدكتور احمد رفيق عوض. تقع المسرحية التي صدرت أواخر العام 2013 عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، في 128 صفحة من الحجم المتوسط؟

ممّا يذكر أن الدكتور احمد رفيق عوض أكاديمي وروائي فلسطيني معروف،صدرت له مجموعة من الروايات والمؤلفات، كما صدرت له قبل هذه المسرحية مسرحيتان مثيرتان للجدل هما: مسرحية "تشرشل" ومسرحية"الأمريكي"، وسبق لندوة اليوم السابع أن ناقشت المسرحيتين، وعددا من روايات المبدع عوض.

بدأ النقاش ابراهيم جوهر فقال:

تعيدنا مسرحية (المستوطنة السعيدة) للكاتب (أحمد رفيق عوض) إلى ما يعرف بالمسرح الذهني الذي اختطه في أدبنا العربي (توفيق الحكيم) في نصوصه المسرحية التي تناقش أفكارا يصعب إخراجها على خشبة المسرح مكتفية بعرضها في (مسرح) الذهن.

المسرحية والحالة هذه أفكار تتحاور وتتعارض بجنون وانسجام وتنافر. والنص المسرحي الذي كتبه (أحمد رفيق عوض) ينطبق عليه التوصيف الذهني وهو يعرض الحالة الفلسطينية القائمة سياسيا وجغرافيا في علاقتها مع الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي.

يثبت الكاتب مقولاته الثقافية الفلسفية مستعرضا علاقة الشرق وروحه وثقافته بالغرب والاحتلال الإسرائيلي الذي هو جزء من الغرب وإن حمل أبعادا لاهوتية سياسية بعيدة عن المفهوم الغربي الثقافي بعيدا عن التعامل السياسي القائم حاليا حيال المسألة الفلسطينية.
ينتقد الكاتب العمل (النضالي) المعقّم وينتصر للعمل الشبابي الذي يختاره الشباب ليعيد لهم حقهم المسلوب. كما يشير إلى حال المتقاعدين ممن اشتركوا في العمل الفدائي أيام كان العمل الفدائي مؤثرا وقائما، وينتقد آليات اختيار اللجان اعتمادا على الحمائل وليس على أهليّة الأعضاء، ولا ينسى الإشارة إلى الانقسام الفلسطيني...

أفكار جارحة يستعرضها الكاتب بذكاء وقد ألبسها شخصياته التي تتحرك كأفكار أليفة معروفة لأنها من واقع الحياة.

مرة أخرى يثبت الكاتب قدرته الإبداعية وهو يكتب نصّه المسرحي هنا في لغته المتوترة الساخرة المعبرة. وأرى أن النص المسرحي يصلح للإخراج على خشبة المسرح رغم طول بعض فقرات حواره.

وقال جميل السلحوت:

الدكتور عوض أكاديمي وروائي معروف، وهو ليس جديدا على كتابة المسرحيات، فقد صدر له قبل هذه المسرحية مسرحيتان هما:"تشرشل"عام 2008، و"الأمريكي"عام 2010.
والقارئ لمسرحية"المستوطنة السعيدة" سيجد فيها كوميديا سوداء، فهي تعبير ساخر عن عهر المرحلة السياسية، التي يمرّ بها الصراع العربي الاسرائيلي، وهذا العهر يصاحبه عهر آخر يتمثل في تعامي دول العالم عن معرفة حقيقة وخبايا الصراع، وكيف اختلط العهر السياسي بعهر القوة لفرض وقائع استيطانية على الأرض تبعد الحلول السلمية، وتطيل أمد الصراع.
وتدور أحداث المسرحية حول مستوطنة متخيّلة اسمها"كفار صقر"، قامت بالقوّة على أراضي قرية"كفر صقر" قضاء رام الله، وهي قرية متخيّلة أيضا. وقد لجأ الكاتب الى تخيّل اسم المستوطنة اليهودية، والقرية العربية، لتكون مثالا لبقية المستوطنات اليهودية والقرى العربية.
وقد تشكلت لجنة دولية للتحقيق في مجزرة ارتكبها مستوطنو تلك المستوطنة، بهجومهم على باص يقلّ عمّالا ومواطنين من القرية الفلسطينية، وقتلوا من فيه، وقد لوحظ انحياز اللجنة لصالح المستوطنين، بل إنهم متخوفين من الخروج بنتائج تدين المستوطنين والجانب الاسرائيلي. أيّ أن تشكيل اللجنة اجراء شكلي لامتصاص الغضب، وهو في النهاية يبرئ المجرم ويدين الضحية.
ومن خلال "التحقيقات الوهمية" يتمّ التطرق الى الصراعات الأيديولوجية بين طرفي الصراع.
كما تتطرق المسرحية الى المظاهرات التي يشارك بها أجانب ويهود ضد الاستيطان، لتعطي لفتة للديموقراطية الغربية ودعواتهم لحقوق الانسان الزائفة، كما تبين دور بعض "المنظمات غير الحكومية" العاملة في فلسطين في ترويج ذلك.

ومع ايماني بأن المسرحيات تكتب لتشاهد، فان هذه المسرحية اذا ما أتيح لها أن تخرج وتمثل على خشبة المسرح، فانها ستكون فضيحة للموقف الدولي المنحاز لجريمة الدولة، ضد الانسان الفلسطيني وحقوقه.

وقال عماد الزغل:

تعتبر مسرحية المستوطنة السعيدة للكاتب والمسرحي الفلسطيني أحمد رفيق عوض امتدادا لأعماله المسرحية والقصصية، بدءا بقصته الأولى رجل تحت الاحتلال التي صدرت عام 1984 وهو ما يزال في بداية كتابته الأدبية، هذا الامتداد الذي يسلط الضوء على أن مصيبة الشعب الفلسطيني ليست فقط في الاحتلال الجاثم على صدره، بل في التخلف وقلة الوعي عبر مجموعة من من الانماط والتقاليد البالية، التي يجب عليه أن ينتصر عليها كطريق للإنتصار على الاحتلال، فالكاتب يمثل نموذجا للأديب الفلسطيني الواعي الذي يستطيع تجسيد مأساة الشعب الفلسطيني بكل تجلياتها، بل إنه يملك القدرة على أن يرسم ملامح مستقبل القضية الفلسطينية عبر الانجراف وراء السرد القصصي الذي يحكي لنا ملامح المستقبل.
تأتي هذه المسرحية ليس بوصفها عملا فنتازيا أو سرياليا بقدر ما تلامس أرض الواقع على الأرض الفلسطينية بعد أوسلو، حيث أصبحت السلطة بعيدة عن التماس بين المستوطنين وبين القرى المجاورة، وحيث التمدد الاستيطاني السرطاني الذي يأكل الامتداد الطبيعي للقرية الفلسطينية، وصادر مادة الحياة بالنسبة لها وأهمها المياه.

أما الحدث الذي يفجر أحداث القصة فهو مجزرة يرتكبها المستوطنون بحق ركاب حافلة تمر من إحدى المستوطنات، هي كفار صقر القريبة من قرية كفر صقر الفلسطينية، ومجيء لجنة تحقيق دولية لتجريم الاحتلال والاستيطان، ولكن بوصفها لجنة تقصي للحقائق، ولا تكون اللجنة محايدة بل منحازة، فأعضاؤها باحث ومستشرق مشبع بالفكر الصهيوني، وآخر يهدي الأصل، وجنرال أمريكي متقاعد له ماض عريق في الحروب ضد الشعوب المضطهدة، وثالثة الأثافي امرأة عربية الأصل هي خديجة المرزوقي، وهي نموذج للمرأة العربية المنبتة من تقاليد العرب ودينهم وثقافتهم، فهي تروج لتمرد المرأة على مؤسسة الزواج، وتدعو إلى محاربة الفضيلة والحجاب، وربما رمزت هذه المرأة للمباركة العرببة لأيّة لجنة دولية تأتي لتقصي الحقائق، دون البحث في أصل هذه اللجنة ومكوناتها.

ويعري الكاتب شخصية المفاوض الفلسطيني الحريص فقط على الظهور والجاه، فأهل القرية يريدون أن يتقاسموا عضوية الوفد المفاوض حسب الحمائل، وليس حسب القدرة عل التمثيل
وينتقد الكاتب الفعل المقاوم غير المنظم للفلسطينيين، والذي يستغله الاحتلال أسوأ استغلال، وهو ما قام به المناضل القديم الذي انتفض وهاجم المستوطنة بسكين، ممّا أدى إلى مقتله برصاص حرس المستوطنة.

إن مشكلة الاحتلال الأسرائيلي للأرض ليست هي لب المسرحية بقدر ما يسلط الكاتب الضوء على شرعنة الاستيطان، والتعامل معه بوصفه واقعا يجب إدارة الأزمة معه لا مقاومته، وهذا ما كرسته اتفاقية أوسلو التي جعلت الاحتلال رخيص الثمن، حيث يدبر الفلسطينبون شؤونهم سامحين للاستيطان أن يتمدد على أرضهم كيفما يشاء، وهي نفس الصورة في افتراس ريكهارت لجسد خديجة المرزوقي، فقد لجأ إلى سادية مكشوفة وهو تقييدها وإيلامها قبل إنتهاك جسدها.

إنها الصورة نفسها فالإحتلال لا يريد الأرض فقط، وإنما تسخير الفلسطينيين لخدمته أيضا.
ومن المهم ما أظهرته المسرحية من تعاون بين التجار الفلسطينيين النفعيين والمستوطنة عبر ترويج البضائع الفاسدة والسيارات المسروقة، وهو ما يشير إلى ترويجهم للبضائع التموينية الفاسدة التي حولت الضفة الغربية إلى مكب لنفايات المستوطنات.
لقد شرعن المستوطنون وجودهم عبر اختراع تاريخ المستوطنة كفار صقر بأكاذيب صهيونية، وحاولوا أن يصنعوا ارتباطا مكذوبا مع الأرض الفلسطينية.
لكن اللافت للانتباه هو أن الكاتب قد ختم المسرحية بنهاية مفتوحة، فالفتيان الذين مثلوا الجيل الجديد في قرية كفر صقر لم يعجبهم المظاهرة التي قام بها بعض نشطاء السلام، لأن عندهم حلّا آخر سيقومون به وهو المقاومة غير السلمية.

وقال عبدالله عيسى دعيس:

استوقفني عنوان المسرحية "المستوطنة السعيدة"، فقد ذكرني بقول شهرزاد للملك شهريار في حكايات ألف ليلة وليلة: بلغني أيها الملك السعيد، وهو ليس سعيدا، ولا أظن أن شهرزاد كانت تتمنى له السعادة.

لقد كانت هذا المرة الأولى التي أقرأ فيها للمؤلف، لكنني في الحقيقة لم أستطع التوقف عن القراءة حتى أنهيت المسرحية، وقد تخيلت أحداثها وكأنها تحدث أمامي بعرض حي ليس على خشبة المسرح، وإنما على خشبة الواقع في فلسطين، فالمسرحية تجسد واقع المكر اليهودي والعلاقة مع شعب فلسطين الأعزل، ققد برعوا في إحكام سيطرتهم على مجريات الأمور، ولم يتركوا أي شيء للمصادفة.

يرسم المؤلف شخصياته بعناية فائقة، فتعطي المسرحية وصفا شاملا ليس فقط لواقع لجان تقصي الحقائق التي تتبنى في العادة وجهة نظر الصهاينة، وتصل إلى نتائج تدرج في ملفات الأمم المتحدة ولا تطبق بتاتا، ولكن يمكن عكسها أيضا على واقع التفاوض بين اليهود المسلحين بكل أنواع المكر والدهاء، وبين المفاوض الفلسطيني الذي ينطلق من موقع ضعف ويحسن النية في غير موقعها. وكذلك تظهر المسرحية النظرة الدونية للغربيين والصهاينة للمجتمع الشرقي، هذه النظرة النابعة عن ثقافتهم المشتركة والتي تقوم على أرث طويل من الاستعمار والهيمنة.

ليفي: يمثل الوجه الصهيوني لكثير من السياسيين الغربيين الذين لا يخفون انحيازهم لإسرائيل، ويفسرون كل شيء لمصلحتها، وينبع ذلك من عقيدتهم الصهيونية، والتي طمست معاني الإنسانية في أنفسهم.

كارل: له تاريخ عريق في مجال القانون والسياسة، ولكنه يبدو مهزوزا ضعيفا أمام ليفي الصهيوني، فلا يستبعد أن يكون كارل قد مرّ بنفس التجربة التي سيمر فيها الجنرال ريكهارت فيما بعد. يذكرني الحوار الذي يدور بين كارل وليفي باللقاءات الإذاعية التي تدور بين مقدم برنامج ومحلل سياسي في المحطات الأمريكية، عندما يتم الحديث عن القضية الفلسطينية، فالمذيع الصهيوني يطرح أفكاره بقوة، ويكون دور الضيف أن يعززها بقدر ما يسمح المذيع ليس إلا.

أما ريكهارت: فهو شخصية عسكرية أمريكية مثالية، فبالرغم من خبرته العسكرية فهو ضعيف أمام شهواته. وتظهر ساديته وعدوانيته جليا في طريقة تعامله مع خديجة، وتبرز أيضا نظرته المسبقة عن الشرقيين والمجتمع الشرقي. وبالرغم من جبروته كقائد عسكري إلا أنه ضعيف أمام ليفي الصهيوني، ويقع ضحية بسهولة بالغة لمكر ليفي.

شخصية خديجة تمثل كثيرا من الليبراليين العرب الذين كفروا بثقافتهم العربية الأصيلة، وبدأوا يلهثون وراء الشعارات الغربية، وتشبثوا بأهداب الحضارة الزائفة، ولم يدركوا المعاني الحقيقية لما يطرحه الغربيون من مفهوم الحرية والديمقراطية، والتي هي كالقميص المفصل لكي يلبسه الإنسان الغربي فقط، أما الشرقيون فهم أقل من أن يلبسوه مهما حاولوا. ويبدو وجود خديجة في اللجنة عملية تجميل للّجنة فقط، وليس لها أي دور يذكر فحوارها داخل اللجنة سطحي.
مقارنة سريعة بين شخصية شابيرا ممثل الكيان ومحمود ممثل السلطة الفلسطينية تبرز التناقض بين شخصية المفاوض اليهودي والفلسطيني. فاليهودي يأتي بتصور واضح لعمل اللجنة، وقد أعد بشكل جيد ليكون كلامه مقنعا، فيتبنى قصة الملك يهودا المختلقة، ويفرض تصديقها على الجميع، ويظهر المستوطنة المغتصبة بصورة حضارية جميلة وبصورة الأمّ الرءوم التي تمد يد المساعدة لجارتها كفر صقر، تلك الجارة المترددة التي ترفض المساعدة فتسبب معاناتها بنفسها. أما محمود فهو يحضر دون فهم لطبيعة عمل اللجنة مفترضا أن اللجنة ستنصف الفلسطينيين، ويفشل في تعميق مفهوم القرية الفلسطينية الراسخة في تلك الجبال منذ الأزل مقابل مستوطنة طارئة مغتصبة، ويحاور أعضاء اللجنة بعاطفية شديدة، ليس لها أثرا أمام كلام شابيرا المنمق، والذي يبدو أنه يمثل دولة قانون ومؤسسات.

أما الشهود الفلسطينيون، وإن كان أحدهم أستاذا جامعيا مختصا بتاريخ اليهود، فيمكن حرفهم بسهولة عن مسار شهادتهم وتشتيتهم وإشغالهم بحوار جانبي، فلا يبدو الشاهد الفلسطيني ثابتا راسخا في شهادته كما يبدو الشاهد الصهيوني.

أرى أن المؤلف وفق جدا في رسم شخصياته، وفي تسلسل أحداث المسرحية بشكل رائع. إلا أنه لم يعجبني دور أبي الوليد الذي يهاجم المستوطنة بأدوات بدائية رغم خبرته العسكرية، فهي تظهر أن العمليات التي يقوم بها الفلسطينيون ضد المستوطنات ردة فعل عاطفية يكون لها تأثير سيء على القضية الفلسطينية، ويقوم الصهاينة باستغلالها الدعائي لمصلحتهم، رغم أن الكثير من العمليات الفدائية ليست كذلك، بل أنها تبث الرعب في قلوب المستوطنين رغم الاستغلال الدعائي السلبي لها. بالمقابل فإن نهاية المسرحية ترسم طريقا بعيدا عن لجان تقصي الحقائق والمظاهرات السلمية، ألا وهي المقاومة. يقول الفتى في نهاية المسرحية: "عندي خطة أفضل، أرجوك أن تسلم على أمّي وعلى كل القرية." وما تلك الخطة إلا المقاومة والشهادة؟

يُبقي المؤلف سبب حدوث المجزرة وكذلك حقيقة سائق الباص مبهمة، وأظن أنه كان موفقا في ذلك، فنحن ليس هنا بصدد إثبات أن الصهاينة مجرمون، فهذا معلوم للقارئ العربي بالضرورة، أما سائق الحافلة فقد يكون له دور في المجزرة أو قد يكون ضحية هو الآخر!
أخيرا، كنت أتمنى أن تكون طباعة الكتاب بمستوى الكتاب نفسه، لكن الطباعة سيئة جدا فلا يكاد يخلو سطر من الكتاب من أخطاء مطبعية.

وقالت سوسن عابدين الحشيم:

مما لا شك فيه ان الكتاب يتحدث عن مستوطنة إسرائيلية كما باقي المستوطنات، تجاورها قرية عربية هي كفر صقر، وهو اسم وهمي، والمسرحية تعرض المعاناة التي يواجهها السكان العرب من مجاورتهم لسكان المستوطنة، والتي وصفها الكاتب بالسعيدة كنوع من السخرية للميزات التي تعطيها حكومتهم لسكانها، والتي تشمل المواصلات والطرق والزراعة والتجارة وجميع سبل العيش المريحة، مقارنة مع جيرانهم العرب وحالتهم البائسة والبدائية، لكن لا بديل لهم فهم صامدون ويتحدّون واقعهم المرير المفروض عليهم... هنا الكاتب بهذه المسرحية يجعل القارئ يدرك كم أن اليهود لديهم الخبرة والبراعة في قلب المفاهيم والحقائق، حيث سيطروا على عقول الغرب، ونجحوا بامتياز في إقناع الغرب بحقهم في أرض فلسطين، وكما ذكر الكاتب على لسان أحد الشخصيات "غسيل دماغ" جعلوا من حجارتنا وجبالنا وسهولنا ما يثبت أنهم السكان الأصليون لهذه الأرض، باختلاقهم قصصا لا أساس لها من الصحة، فكل مستوطنة تقام على ذكرى لصراع بين اليهود مع الغير، وكيف نجح اليهود بالسيطرة على الأرض من أجل الحفاظ على كيانهم وإنشاء وطن لهم... تتناول المسرحية شخصيات من مختلف الجنسيات، واشتراكهم في لجنة تقصي الحقائق التابعة لهيئة الأمم المتحدة ... شخصيات أميريكية وأوروبية وعربية ويهودية، كانت خديجة وهي عربية الأصل قد اختارها الكاتب لتمثل العروبة والشرق في تبعيتها البحتة لزميلها الأمريكي، واستسلامها له ليغتصبها وينال منها فخورا بساديته عليها، تبدأ المسرحية بأول اجتماع لهم على أثر مقتل سكان عرب من قبل مستوطنين بالرصاص في الحافلة التي تنقلهم الى قريتهم، أثناء مرورها من الطريق الوحيدة داخل المستوطنة .... كان الكاتب ينقل لنا الأحداث الحية وما يحصل في تلك الجلسات في كل مشهد، والتي تعقد لتقصي الحقائق ولم يخفَ عليه تلاعب اليهودي ليفي وهو رئيس اللجنة بإخفاء جميع البراهين والأدلة التي تدين اليهود بهذه الجريمة البشعة، كما كل جرائمهم ضد السكان العرب العزل .... نلاحظ من خلال المسرحية اشتراك ابنة ليفي اليهودي بالتضامن مع العرب، وسكنها مع عائلة عربية وتخليها عن أبيها القاسي، والذي يمثل الصهيونية، وهذا ما يؤكد أن بعض اليهود أنفسهم على يقين بمواقفهم وقوانينهم الظالمة، وغير الشرعية التي يلجأون اليها لتبرير أساليبهم وافعالهم الوحشية ضد السكان العرب .... أظهر الكاتب ما يفعله اليهود بكل مثقف أو متعلم عربي، لأنهم مدركون مدى خطورة هذا المثقف المتعلم عليهم، فكانوا يتخلصون منهم بشتى الطرق، أمّا مضايقتهم بالمراقبة، أو اعتقالهم أو قتلهم كما حصل مع د عزيز استاذ التاريخ في القرية... فهم على وعي ويقظة دائمة للمحافظة على أمن وسلامة سيادتهم على الاراضي الفلسطينية، فهذه ملخص الرسالة التي أراد الكاتب إيصالها للقارئ متبعا أسلوب السخرية والنقد اللاذع، مستخدما لغة الأدب السياسي لتلائم موضوع المسرحية.

وشارك في النقاش عدد من الحضور منهم: آمال أبو عون، رائدة أبو صوي، ديمة السمان، سامي الجندي، ويحيى الحشيم.