رواية «جدار»

الأفق الجديد لتناول النكبات

، بقلم إدريس يزيدي

اصطلح النقاد على تسمية عنوان النص بالعتبة التي من خلالها يتم الولوج إلى رحابه، أما أن تظل العتبة هي المهين الأول على تفاصيل النص فهذا ما نجده في رواية «جدار» الصادرة عن مطبعة الجسور لمحمد مباركي.

من بداية النص إلى منتهاه يمضي الأسلوب السردي في إيقاع منسجم خال من أية عثرات، وهو ما يبعث في نفسية القارئ راحة تسعفه على متابعة تفاصيل النص دون عناء. إلا أن الذي يلفت الانتباه أكثر هو استغناء الراوي عن الرجوع بالذاكرة إلى الوراء بشكل شديد التشابك، وهو ما نلحظه ـ خاصة في الآونة الأخيرة ـ في العديد من التراكمات النصية التي تربك القارئ وهو يلهث خلف الأحداث يحاول أن يوجه عبثية الزمن في تلافيف النص. كأن هذا ـ أي التسلسل الزمني البسيط في رواية جدار ـ مبعثه ما يطالعنا به في مستهل النص " لم تكن في بيتنا ساعة حائطية، ولم أكن أملك ساعة يدوية" ص9.

تميط الرواية اللثام عن جانب من الصراع الذي ينتقل عبر الأجيال، فالجدار الذي بناه الأخوان ـ عم أحمد وأبوه ـ ليشطر البيت إلى شطرين، لم يكتف بشطر الحيز الجغرافي فحسب، بل أجهز على الأخوة المتينة التي كانت بين الرجلين فتسربت الشحناء إلى الأزواج وتاليا الأبناء الذين كان أحمد ـ بطل الرواية ـ من أبرزهم. لذلك ظل أحمد يصفه بالجدار الملعون على مدار النص " وتذكرت مكانا أكرهه. كان هو الجدار الملعون" ص11، "وفاطمة الصغيرة وقد فصلني عنها الجدار الملعون" ص26، "وسأحطم الجدار الملعون" ص167.

ولا ينفلت النص من ربقة هذا الركن الراسخ في ثناياه إلا عندما يرتمي أحمد في أحضان مومس هي أول خطوة له في درب الغواية، عرَّفه عليها صديقه عبد الباقي " وتمنيت أن يحيد عن طريقي وألا يحول بيني وبين ليلى، فقد أنستني كل انشغالاتي حتى الجدار الملعون" ص124، كأن المومس والجدار ـ في حدود النص ـ كلاهما صُنِعا من طينة ملعونة إذ بمقدور أحدهما أن يستعيض عن الآخر، فقد جعلهما النص يشتركان في نفس الصفة "ملعون"، ولو كان ذلك بحدة متفاوتة. فهذا عبد الباقي يقول لأحمد " هل تعلم أن حب البغايا ينتهي دوما بكابوس ملعون" ص124. والذي يشهد لهذا هي الحياة العفيفة التي اختارها أحمد والتي لم يكدر صفوها إلا الجدار.

ويكشف النص في صفحاته الأولى أن الصراع بين الأخوين ـ عم أحمد وأبوه ـ امتد إلى تجارتهما فأفضى الأمر إلى بناء فاصل آخر في محل التجارة يحدد لكل واحد منهما حصته، إلا أن النص لم يأت على ذكره إلا مرات معدودة، مما يجعلنا نومن بحبكة النص بدقة عالية هو تسمية هذا الفاصل بالحائط " بنى البناء حائطا من الآجر الأحمر وسط الدكان وشطره شطرين متنافرين" ص36، حتى يتميز عن الجدار الذي فصل الأسرة في مقر سكناهم والذي كان له الأثر البالغ في تحديد مسار السرد. إذ نلحظ أن الكثير من المواقف كان الراوي يؤرخ لها بزمن بناء الجدار " ويحملني الشوق في سفر عبر الزمن مع الجميع إلى منزلنا العتيق قبل الجدار" ص51.

لقد انشطرت حياة أحمد ـ زمنيا وعاطفيا ـ إلى شطرين، كان بناء الجدار هو الذي يحدد الحقبتين. وهو بخلاف أخيه ـ الوحيد ـ سعيد الذي فر من رؤية الجدار الذي لم يستطع تحمله وهرول إلى باريس بعد أن قال لأمه " اتركيني أسافر. فأنا لا أريد رؤية عمي وزوجته والدار والجدار الذي تواطأتم على بنائه" ص42. لقد سافر سعيد بعد أن ترك موقفا مضطربا متناقضا على وجه النص، فهو يؤكد لأخيه أنه سيعود بالمال الذي به يشتري الجزء الآخر للدار ويهدم الجدار "بل أعدك بشراء النصف الآخر من عمك الطماع، سأعطيه مبلغا مغريا، ونهدم الجدار" ص43 وفي موقف آخر على رصيف محــطة القطار يسر لأخيه أنه ســوف لـن يعــود"أقسم بكل الأوثان ألا يعود. ولم يعد رغم الرفرفات المتكررة لجفن أمي" ص 205.

وبين هذا التأرج لموقف سعيد، يظل أحمد ثابتا في مواقفه يتحدى عقبات الزمن بكل ما أوتي من السلوى إلى درجة يستل فيها الكثير من مقومات النص، خاصة الأزمة النفسية التي أعقبت موت حبيبته زينب والتي دعته إلى زيارة ذلك الطبيب اليهودي " كان الطبيب يهوديا ..." ص101، فقد كان بابا مشرعا يلج من خلاله إلى ثغور النفس وهي تعيش ذلك الارتباك الممض الذي غالبا ما يحرف حياة المرء عن مسارها ولو حينا من الدهر. لكنه ما فتئ أن أوصد هذا الباب مبررا ذلك بقدرته الفائقة على تجاوز الماضي وبالتالي رَسَمَ لنفسه مسيرة خالية من التوترات، فهو يعالج كل المفاجآة بهدوء ورصانة، ولعل هذا ما جعلها ـ إلى حد ما ـ غريبة عن الآداب العربية التي تعج بالفجائع، فقد سامح عمه وزوجته وبناتها وبعد ذلك طوى صفحة زينب " زينب مثلا، ذكرى أليمة حفرت مكانها في الماضي، لكن ذكراها لا تصلح إلا للتحقيب التاريخي" ص112. إلا أنه بهذا التبرير ضيق زاوية من زوايا السرد كانت ستخدم التيمة الأساسية للنص، ألا وهي رحلة أحمد الجوانية خاصة وقد وصفها بمثلث الموت البطيء "قلت، أجرب وأفرج عن نفس توالت عليها الأحزان، وأخرجها من مثلث الموت البطيء كما سماه عبد الباقي" ص113، وهذا ما فعله أيضا مع أمه التي يقول عنها " كانت أمي شبكة من العقد النفسية كشباك الصيد في أعالي البحار" ص227 إلا أنه لم يُرِنا إلا تلك الأم الوديعة المسالمة متسترا على الموجه الآخر الذي كان سيثري النص أيما إثراء خاصة في ظل هذه اللغة السردية الرصينة التي قلما تكبو.

إلا أننا عندما نلتهم آخر صفحة من هذا المتن السلس، نظل نستشعر جانبا من الؤثرات الخارجية التي ساهمت في صنع شخصية أحمد، ألا وهي السياسة العامة للعالم العربي المبنية على القمع. فبعض التعابير بدت مجتزأة بادئ الأمر " هذه الربوع الشرقية من مغرب غير نافع" ص33، " وخرجت من صمتي مكرها كالمبايع المكره" ص70، لكننا نطل على النوايا الكامنة وراء هذه الصياغات عندما يستغل رسالة أخية سعيد من باريس ليكشف لنا عن الحقائق التي كان يضمرها " إلى أخي من أبي وأمي ...عودتي إلى وطن ممسوخ ... تركوا للحاكم وأذنابه عساليج الغابات وسمك البحر ومناجم الماس واحتياطات النفط ...أوطانا تمزقها أيادي النشالين" ص72. لقد نجح في أن يسوق لنا هذه النظرة السوداوية تجاه الواقع بأسلوب هادئ بعيدا عن الانفعالات، وبالتالي يكون هذا النص قد دفع الرواية العربية لتلامس أفقا جديدا بعيدا عن الفجائعية والقلق والأفق الرمادي الذي ظلت تتسم به في مجمل نصوصها.