التطهر والتطهير في ديوان «أساور البنفسج» هايل المذابي

إذا إتفقنا أن الحياة المادية والتكنولوجيا الحديثة قد طمست على معالم الجمال في النفس البشرية ودأبت على تشويه القيم الجميلة في قلوب الناس وحثتهم على ترك الإنتباه إلى ماخلق الله من جمال في هذه الدنيا وسلبت المرء دهشته بعوالم الطبيعة وسحرها، فإن المادية والتكنولوجيا هي مرض العصر بامتياز ، ولاسبيل إلى التطهر من كل ذلك القبح والتشوه إلا بتذكر كل إنسان لميلاد مرضه المادي الأول عن طريق جولة سريعة بين الورود ومفاتن الطبيعة وهذا مايبدو جلياً لنا من أول وهلة تقع أعيننا فيها على ديوان " أساور البنفسج " للشاعرة سميرة عبيد وتشعر بذلك بمجرد أن تفتح المجموعة التي سطرت بالاهداء الذي يقول:

((إهداء ..
لوجه أبي الذي لون أحلامي بالبنفسج ...
ذان ... لعطر وضوئه ساعة
لميسلون التي شربت ضحكته...
لخبز أمي الذي لايشبه أحد ...
لرائحة الياسمين في حدائقها))

التطهر Catharsis:

يرى أفلاطون كونه أول من استخدم هذا المصطلح أن المأساة تطهر المتفرجين من عواطفهم وانفعالاتهم المكبوتة عن طريق استثارتها في نفوسهم. وحين تناوله أرسطو قال أن المأساة تطهر المتفرجين من "الانفعالات والعواطف المتطرفة".

وفي القرن الماضي دخل مصطلح "التطهر" أو "التطهير" في علم النفس التحليلي من مجالين المجال الثاني وهو ما يعنينا ، في العلاج النفسي عند المدرسة التحليلية منذ ابتكر عالم النفس "جوزيف بروير" أسلوباً للعلاج أطلق عليه اسم "الأسلوب التطهيري" حيث يطلب من المريض النفسي أن يحاول أن يتذكر أول مرة لاحظ فيها أعراض المرض فإذا تذكرها شفي المريض كما زعم "بروير" وفي قصيدة (يوم ميلادي ص 124) تتعافى الشاعرة ويتعافي اللاوعي الجمعي بقولها:

أيها النور لا تنطفئ فخلفك سيول من الآوجاع تحتضر
وشجرة أمي المزروعة بالياسمين صدق أبي حين قال
إنها لا تنكسر ..... لا تنقصر .... لا تندثر
لو مر عليها الخريف ستعود من جديد يا بنفسج ))

واقتبس فرويد هذا الأسلوب في بداية تكوين نظريته المتكاملة في التكوين النفسي للإنسان وفي علاج مرضاه وكـان لا يزال يؤمن بأن الحالات العصابية (أو الأمراض العصبية) ترجع إلى أحداث بعينها في حياة المرضى ولكنه عاد فعدل من فكرته وأرجع كثيراً من حالات "العصاب" إلى ما وصفه بأنه "صراع" بين الدوافع الغريزية والقيم التي رسختها الثقافة أو المجتمع. وعمل "فرويد" بعد ذلك على تطوير أسلوب "التداعي الحر" حيث كان أسلوب التطهير أحد جوانبه فحسب.

إن النظر العميق يهدي إلى أن مسألة التطهر تقتضي وجود مأساة أولاً وشيء يخافه الإنسان ويخشاه، ولعلنا نفطن جيداً أن المادة هي قبح الحياة بما تفعله في قلوب البشر من بغضاء وكذلك ما تولده من كراهية بينهم ولأجل ذلك أصبحت المادية الحديثة تشكل مأساة بل هي المأساة الحقيقية للإنسان في العصر الحديث خصوصاً بعد أن تخلى الإنسان عن قيمه النبيلة وقتل كل ما يمت إلى الجمال بداخله فأصبح في أمس الحاجة إلى من يوقظ بداخله ميلاد افتتانه بالجمال وكذلك ميلاد مرضه بالمادة كما زعم "بروير".

وكما أفترض مصطلح التطهر أو التطهير لدى أرسطو ومن قبله أفلاطون وجود مأساة فإن مجموعة " أساور البنفسج " التي سعت الشاعرة من خلال ما جاء فيه من نصوص عن الورود والجمال تقوم بفعل التطهير للإنسان من مأساة المادية والبغضاء لأن الشعر يقوم بفعل التداعي الحر لدى المتلقي وهو ذاته ما انتهجه فرويد في علاجه لمرضاه.

وكما رأى "كارل يونج" أن الفنان لا يعدو كونه أداة يستخدمها اللاوعي الجمعي، الذي يتحكم في مختلف سلوكيات الإنسان وممارساته، ومن ضمنها الممارسة الفنية.

والامتياز الوحيد الذي يتفاضل به الفنان عن غيره من آحاد الناس هو قدرته على الإنصات لهذا اللاشعور والتعبير عنه، تقول سميرة في قصيدة (صهيل الريح – ص 118):

لك هذا الجبل / ولي بنفسجياتي، / لك هذا المطر/ ولي أمنياتي،/ إما أن نبتل معا فننتشي / وإما أن نختفي من هذا الوجود / بين أفنان ليلة ماطرة،))

. وبذلك يصبح الفنان والشاعر لسان حال مجتمعه وعصره الذي يصغي فتبوح له الأرض بأنين روحها ، وذلك اللاوعي الجمعي هو الذي يتحدث في ديوان "أساور البنفسج"فيكون بذلك المجتمع في أمس الحاجة إلى تذكر ماقتلته المادة في نفوس الناس من جمال وافتتان ودهشة بالطبيعة.

ذلك القبح للمادة في النفس البشرية ينطبق عليه قول الشاعر:

" هو هذه الكف التي تغتالنا / ونقبل الكف التي تغتالُ "

إنها المازوشية التي تجعل الإنسان يتلذذ بتعذيبه لذاته، فهو يشاهد الخوف ويستلذ بمشاهدته ولاسبيل إلى تطهيره من كل ذلك القبح سوى بإعادته إلى مواسم البراءة والجمال في الحياة كما يتحدث اللاوعي الجمعي في ديوان "أساور البنفسج " على لسان الشاعرة وفي (قصيدة: الشارقةُ زهرةُ الدنيا- ص 24) تقول الشاعرة:

ياشارقة الحلم البنفسجي / يامن ترجين في القلب مراكب الحب المسافرة
منذ خلق عطر بنفسجي ب حي "ميسلون ")).

وتماماً مثلما تحن الشاعرة في أساور البنفسج إلى ميلاد العطر الأول والوردة الأولى في حياتها يحن المجتمع الذي مازالت بكارة الحياة تحرضه على المادية والتكنولوجيا إلى التطهر بالورد والشعر والغناء من درن المأساة .

نجد كذلك من الأمثلة والشواهد أكثر من اربع قصائد للورود والبنفسج ك"أساور البنفسج" و"لوعة البنفسج" و "سحر البنفسج " وغيرها.