الغناء الإسلامي المعاصر

إفساد للتربية وإنماء للابتذال

، بقلم محمد خالد الفجر

يشهد عالمنا الإسلامي منذ سنواتٍ خلطة ًعجيبةً غريبةً لا هي بالشرقية ولا بالغربية فدماء تسيل في ناحية مهراقة بلا توقف وأفلامٌ وغناءٌ وهزُّ خصرٍ في ناحية أخرى ولكن الذي زاد هذه الخلطة إدهاشاً وكساها ثوبًا أكثر غرابة مشهدٌ آخر صعد فيه أناسٌ سمُّوا بنجوم الفن الإسلاميي وهذ التسمية جاءت بعد خلعهم للقب المنشدين وارتدائهم لثوب الفنانين الموصوفين بالإسلاميين وترافقت هذه التسمية الجديدة مع إدخال كمٍّ هائلٍ من موسيقا تفوق موسيقا فناني السهرات الحمراء ويُضاف إليها خدشُ الذوق الفني الرفيع، فقد أرادوا أن يكونوا بديلاً -كما ادعوا- عن التفلت في الفن وأرادوا أن يوجدوا لنا بديلاً إسلاميًّا؛ وإذ بهم في حقيقتهم يُخفون ماردًا يهزُّ بخصره في دواخلهم وغَيرة من الفنانين والمغنين لعدم قدرتهم على منافستهم في صنعتهم وفي مسارحهم فلجؤوا إلى ما يُسمَّى النشيد الإسلامي؛ ففجئنا بسذاجةٍ وابتذالٍ مللنا بسببهما الفن وأهله مع فورة ٍاسمها القنوات الفضائية (الإسلامية) للأطفال وصار أولئك الذين سُمُّوا بالمنشدين يُطلون عليها معبرين عن رغبتهم في تفجير هزَّة خصر ماردهم المختبئ، فَأَرَوْنا الهزَّ على أصوله، وممّا يثير سخرية ألوي الفجور أنهم احتفظوا لأنفسهم بمسرحهم ولم يدخلوا لنا أولادهم وزوجاتهم ولم يتنافسوا في الإنجاب لصنع نجومية للبيبي وللطفل ومن بعدها للمراهق من أسرهم لا ندري هل صار الأطفال يُغذَّوْن بغذاء اسمُه الميوعة أم أنهم يرون آباءهم قد تمرسوا بهذه الملكة فمنهم ورثوها؛ حتى ظنُّوا أن هذه الميوعة جزءٌ من الرسالة الفنية (الإسلامية) المعاصرة حيث يمكنك في هذه الموجة الفنية أن تبكي على شاشة التلفاز على دماء العراقيين والفلسطينيين وعلى مأساة السوريين وتستطيع في شاشة أخرى أو في لقطة أخرى على الشاشة نفسها أن تتراقص وتتمايل على موسيقا صاخبة وتقول وأنت تصفق وتتمايل حبيبي محمد ويمكنك أن تظهر مع سيدةٍ في سيارةٍ فارهةٍ لا يحلُم بها ألو الفن الماجن أنفسهم وتقول: حياتي كلها لله ولا مشكلة أن تقول بعد هذا الكليب أنا حياتي محافظةٌ ولا أسمحُ لزوجتي بالظهور معي لا تسيئوا الظنَّ بيَّ إن السيدة التي كانت بجواري هي ليست زوجتي وإنما أخت من الأخوات المسلمات !!! لا غرابة وأنت في هذا الوسط الفني (الإسلامي) أن يصبح فنانًا الأب والزوجة والابن والابنة؛ لأنّ الفن الإسلامي المعاصر وراثيٌّ وليس مثل الفن الماجن الذي تختفي جيناته مع وفاة المغني وكذلك فإن الفنان الإسلامي –المعاصر- ماهر في برامج الشو (البرامج التواصلية) فتراه طبّاخًا تافهًا يبُكينا من حيث يظن أنه يضحكنا ربما السبب يرجع إلى كثافة الأعمال الفنية التي أثَّرت على خفة دمه فلم نعد نراها لثقله، لكن الغريب أن يألف الجمهور الإسلامي هذه السخافات فعندما تطالع تعليقات هذا الجمهور تتساءل هل الذوق العام أُفسد كما أُفسِدتِ الأطعمةُ وكما أُفسِد الهواء الذي نستنشقه فأفسدت أذوق عدد ليس بقليل من مجتمعنا بتقبلهن لهذا النوع الساذج من الفن المبتذل، والأكثر سخافةً أن نجوم هذا الفن كل منهم يقول نحن أصحاب رسالة ودعوة.. كنا نسمع من شيوخنا سخريةً لاذعةً على نجوم الفن الماجن هجومًا على تسريحاتهم ولباسهم، واليوم ربما لو تكلَّم أحد الدعاة الفضلاء عن ميوعة هؤلاء المتسلقين ظلمًا للفن فإنّه سيُهاجم وسيُقال عنه ما زال يعيش في زمن الأبيض والأسود حاجزا نفسه في زجاجة الذوق القديم بعيدًا عن تطور الزمن وتغير الطباع.

يعني المحزن أن أصحاب الموسيقا والسهرات الحمراء -يا أخي- يغنون للحبيبة للعشيقة ويحققون شهرتهم غير مختبئين وراء أقنعةِ التدين والدعوة، أما هؤلاء فيتلفظون بأقدس الكلمات المرتبة بالذات الإلهية، وبحبيبه محمد عليه الصلاة والسلام، ويرقصون ويتمايلون عليها تمايل الذين يتغنون بالعشيقة في السهرة الحمراء، وكثيرا كان يخطر ببالي التساؤل الآتي: يا تُرى لو وقف النبي عليه الصلاة والسلام مشاهدًا لهذا الفنان المرافق لأسرته في أغنياته، فهل يا ترى سيغنون الأغنية نفسها في حضرته ويتراقصون بالرقصات نفسها أمام عينه، ويمكن أن نعكس السؤال ليصبح: هل هذا الفن يرضي حبيبنا صلى الله عليه وسلم الذي علَّم الغلام منذ نعومة أظافره أعلى مفاهيم الذوق.

ما سبق يجعلنا نتساءل هل هذا الفن مستقلٌّ عن الفكر أم أن هناك مفكرين استطاعوا تسويق هذا المنتج الجديد ليس على أدبيات الإسلام وحسب، بل على الذوق العام ألا يجب علينا أن نمحِّصَ وندقق في الأيادي التي تلعب بهؤلاء... بالأيادي التي أحسنت تسويقهم كمُنتَجٍ بديل جارحٍ للذوق العام ومُنَمٍّ للابتذال أليس عجيبًا أن يتسارع عدد من أولي الثروة لاحتواء هؤلاء وتسويقهم مع أنهم لا يُمتَّعون بمؤهلات النجومية وإن كان بعضهم مؤهّلاً فلا بدَّ من جعله ساذجًا ممِّلا ممجوجا عند من بقي عنده بقايا ذوق سليم.
كأن الرسالة من وراء هذا الضجيج هي إنشاء جيلٍ يرى أنَّ كلَّ شيءٍ يقرِّبك من الله حتى ولو كان مخالفًا لبديهيات ما فطرنا عليه ربنا عزّ وجل... جيلٍ مؤمنٍ بفكرة قديمة- ربنا رب ألوب- لكن هذه الفكرة العامية تُعرض الآن تطبيقيًّا بالصوت والصورة، فلا مشكلة لو جعلت طفلك يهز خصره المهم أن الهزّ على كلمات إسلامية ولا مانع أن تتصل بك زوجتك و(ببياخة) غير مألوفة تتحدث معك عن طفلها الذي يبكي وتأتي به إلى الاستديو؛ لأنها لا تستطيع إسكاته ولا غرابة أن ترى بعد هذا المشهد مئات من رسائل الإعجاب من مثل: (ياي شو مهضوم ياي شو حبوب ياي ما أحلى شعراتو وهكذا....)

ولا تعجب إن رأيت هذا الفنان (الإسلامي) في مشهد آخر يغني لنا عن الجهاد والموت والدم فكيف يتفقان يا رعاك الله فهل نعومة وتربية أصحاب الخدور تؤدي في يوم من الأيام إلى إعداد من يستطيع النوم على الشوك والتحاف السماء حاشا.....

أفلا يكفي هذا المشهد المليء بالسخافات جذبًا لمن يريد تمييع الأمة فيضخُّ ويضخ مالاً وكوادر من أجل تمرير هذه الثقافة المستهلَكة، ثقافة (التشيؤ) في كل شيء حتى في الذوق العام لنصل إلى إفساد التربية وإنماء الفساد والابتذال كان الله في عوننا ونتمنى أن يأتي اليوم الذي يكون فننا إسلاميًّا ناضجًا يدفع الناس إلى الاحتذاء به لا فنا ممجوجًا يثير سخرية الثَّقَلين.


محمد خالد الفجر

طالب ماجستير - علم اللغة - دار العلوم - جامعة القاهرة

من نفس المؤلف