يا علماءنا المساكين

، بقلم عثمان آيت مهدي

إنّ تسمية فقهائنا ومفتينا ومصلحينا وأئمتنا وشيوخنا في الفقه والتفسير والتشريع الإسلامي بالعلماء فيه كثير من التجني على هذا المصطلح الذي فقد معناه في اللغة العربية. فالفعل هو عَلِمَ، يعْلَمُ، والمصدر هو: عِلْمٌ. واسم الفاعل منه: عالِمٌ، وتعني: المتصف بالعلم العميق. إلا أنّ هذا المعنى غُلّبَ على فقهائنا وأئمتنا، فكلّ من يحفظ كتاب الله ويجتهد في تفسيره وفهمه يطلق عليه العالم، ومنها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي أسّسها عبد الحميد بن باديس ورفيق دربه البشير الإبراهيمي. احتضنت الجمعية كلّ الأئمة والشيوخ والمصلحين الذين برزوا في سنوات الثلاثينات من القرن الماضي إلى ما بعد استقلال الجزائر، وما زالت الجمعية تنشط وتصدر جريدة البصائر الأسبوعية إلى أيّامنا هذه.

لم يعد للجمعية ذلك الامتداد الشعبي مثلما كان عليه في سنوات ما قبل الاستقلال، حيث انتشار الطرقية والأمية والجهل، إذ قامت الجمعية بالتصدي لكلّ ما يشوب الدين من خرافات وترّهات، وحاربت الدّجل والسحر والتبرك بقبور الأولياء، وكانت خير معين لشهدائنا الأبرار الذين رفعوا راية الإسلام في وجه المحتل الفرنسي. بعد الاستقلال، انتهجت الدولة الجزائرية مجانية التعليم لكلّ متمدرس بلغ سن الدراسة مع ضمانها للتعليم الثانوي والجامعي، ممّا قلص من عدد الأمّيين. ومع انفجار الإعلام في العالم وإمكانية متابعة القنوات الأجنبية، وسهولة الوصول إلى المعلومة عن طريق الأنترنات، الكتب والمجلات، أصبح وعي الأميّ في أيّامنا يعادل وعي المثقف العالم في القرون السابقة.

هذا الوعي الاجتماعي والسياسي الذي يعرفه المجتمع الجزائري لم تواكبه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الجمعية التي ما زالت متمسكة بخطابها القديم، ونظرتها للأمور والأشياء من زاويتها الخاصة ولم تستطع أن تغيّر خطابها، ولم تنوع من زوايا تناولها للموضوع ليساير هذا التطور في الوعي والمعرفة الحاصل في المجتمع. ومثال أحداث غرداية شاهد على ذلك: اجتمعت الجمعية واتفقت على تكليف لجنة من أعضائها والتوجه إلى غرداية لدراسة الموضوع عن كثب. وبعد معاينة الأحداث ومناقشة أطراف الصراع عادت بخلاصة، أختصرها وفق ما جاء على لسان بعضهم في التلفزيون أو ما نشر في بعض الجرائد.

كتب محمد الهادي الحسني مقالا بجريد الشروق يوم 06/01/2013، عنوانه: ".. وشيطان في غرداية" حيث أسند الأحداث إلى شيطان لعين لعب بعقول هؤلاء وأولائك وانتصر عليهم، وممّا جاء في مقاله قوله: "من أساليب الشيطان في الفساد ونشر الخراب أسلوب الوسوسة في صدور الناس، وأسلوب الوحي إلى أوليائه القذرين ليثيروا الفتن، ويوقعوا العداوة والبغضاء." أمّا الدكتور عمّار طالبي فقد كتب في جريدة البصائر بتاريخ 06/ 12 جانفي 2014 العدد 686 مقالا عنوانه: "ما كان ينبغي أن يحدث!" بعد النصيحة والتذكير بمبادئ الإسلام والحرص على الأخوّة والتعايش بين الأديان والمذاهب والأجناس، اختتم موضوعه بما يلي: " كما أنه ينبغي أن نحرص أن لا تتسرب عوامل خارجية متطرفة تدعو على العنف آتية من خارج الوطن بأي عنوان كان." وهي إشارة إلى أنّ أحداث غرداية امتدت إليها أيادٍ أجنبية لتعبث بها، ونفس الفكرة ركّز عليها محمد مكركب في كلمة له بقناة النهار، حيث وجد حسب زعمه كلاما في الفايسبوك يدعو باسم الأمازيغية إلى التجمع والوحدة، دون أن يذكر اسم الجمعية ولا التدقيق في مصدر المعلومة، وهل كانت الدعوة قبل الأحداث أم بعدها؟ ولم يبتعد عبد الرزاق قسوم كثيرا عن هذا الطرح الجهوي وهذا التبسيط في دراسة الأحداث، بالرغم أنّ الكثير من الفاعلين في الأحداث بغرداية ينفون الظاهرة العرقية أو المذهبية، ويحمّلون أسباب الاقتتال والفتنة بين الإخوة الأشقاء إلى أمور دنيوية منها التكالب على ريع الدولة عند تسليم السكنات أو المحلات أو الأراضي وغيرها واستغلال الأحداث من طرف البلطجية الذين وجدوا الفرصة للنهب والسرقة.

أهكذا تدرس الأحداث يا علماء جمعيتنا الموقرة؟ أهكذا يدرس الإسلام أوضاع المجتمع ويبحث عن الحلول الملائمة لوقف نزيف الدماء؟ أهكذا أخرج الإسلام أمّة من ظلمات الجهل إلى نور الهداية، وأحدث ثورة على الوثنية، وصنع من صعاليك قريش رجالا وصحابة حملوا راية القرآن إلى شمال إفريقيا وإلى بلاد الصين والهند..؟ ليت علماءنا يسكتون ويتركون الأمر لعلماء الاجتماع والسياسة يدرسون الأحداث بجديّة وموضوعية، ثمّ يستخلصون النتائج والحلول المناسبة.