شارع الحب....

، بقلم عبد الجبار الحمدي

سار في نفس الشارع الذي أرخى بأنوار اعمدته الخافتة خلسة على مساحات مظلمة، بين شجيرات متناثرة، أسدلت أوراقها لرؤية مسرح الحياة اليومي الذي يضج بالمارة... عشاق، سكارى، راغبي بائعات الهوى كلٍ يبحث عن مراده... حياة متلونة، الحوار فيها شهيق وزفير... اعتاد هو ومن يعشق ان يكون ركنهم في احد زواياه...

أدخل رأسه كسلحفاة الى صدره... بعد ان حسحس وجهه البرد القارس، رفع ياقة المعطف الذي كان يرتديه، إنه هو نفسه الذي أهدته فاتن له في ذكرى لقائهما الأول، أحب دفئه لأنه يذكره بدفء أنفاسها التي كثيرا ما فاحت على شفاهه وعنقه بعد ضمها إليه مع عهود بميثاق حب أزلي... كانت الليلة موحشة جدا بالنسبة له، تثاقلت خطاه مترنحة، لا سكرا ولا سكرة.. بيد أن الصدمة لم تفارقه، تلك التي قفز منها شعر جسده حين رآها بين أحضان رجل آخر، لم ينتظر طويلا، فقط أشعرها انه رآها، بات عارجا يسير بخطٍ ملتوي بين شجرة وأخرى في شارع الحب الذي شهدت مساطبه جلسات أحلام عشقه الخالد، ينظر بعيناه وهي تهمس.. هنا جلسنا، هنا أمسكت بيدها أول مرة، هناك كانت قبلتي الأولى على خدها الأيمن .. وفي ذلك الركن المنزوي كانت قبلتي الطويلة على شفاهها، أليس كذلك يا أبا نؤاس؟ أليس هذا ماحصل في ركنك وشارعك؟!! لقد كنت ودجلة شاهدان، بل حاضران في كل لحظة قضيناها سوية معكما في ليل أنسكما الذي لا ينتهي، إن نديمك يكاد يشعر أن الحياة لا تتجاوز عنق زجاجة يشربها معك ليهادن وجع ذكرياته، حتى الجميلة منها تُشعرك بغصة... هيه.. أنت ألم تسمع ما أقول!؟ قال ذلك بعد أن رمى بجسده في نفس الركن الذي كانت فاتن ترمي بهناتها وشوقها قبلا...
كان أبو النؤاس لاهيا يعب الخمر شيطان شعر أمرد... في بستان بغداد وليل دجلته الجميل، ذاك الذي عصى ان ينال منه، فما أن سمع ملحة عماد عليه حتى ترك الكأس من يده قائلا: ما لك تتبرم يا هذا؟! لقد أخرجتني من باحة بيوت الشعر التي أريد ان أنظمها وجعا على زمن لا صديق له.. ألا تحترم خلوة المنادمة... وما أن رآه شاحبا حتى غير من نبرته فقال: لقد اسميتها ( إني عشقت، وهل في العشق من باسِ) ثم توقف وأضاف.. ولكن!! قل لي أين نصفك الجميل؟؟
عماد: ماذا؟؟ أتراك تعرفها!!؟

أبو نؤاس: ههههه .. يا لك من ساذج، لقد شهدت من شرفتي هاته الآلاف ممن قصوا الشعر قصائد وقصص حب، الكثير منهم لم ينل ما كان يصبو، فيأتي بعدها يتحسس آثارها من ذكريات قضاها بين ليل مع منادمة شعر، عذابات هجر أو فراق، أو ربما عنوة عادات وتقاليد، يعاقرني الخمر ثم يسمعني ابيات شعره.. نادرا ما أبدي الرأي، فذاك هو إحساسه، معاناته، قد تروق لي بعض الابيات او لا، لكني ابقي نفسي صامتا، يكفيني ما أترع من قوافي الشعر التي أتخمت بها.. ماذا عنك؟؟ ما الذي رمى بك على شرفتي وحيدا!!؟ تحمل الألم إزميلا ينحت بداخلك تمثال من عذاب..

عماد: كان ينصت لابي النؤاس بشكل غريب!! أخرج يداه من جيبي معطفه، نفخ فيها، ثم فرك وجهه لكأنه يريد ان يعيد تقاسيم حزنه التي اتخذت من وجهه زوايا ندب ونواح، لمعت عيناه شارف مسرح جفونه ان يلقي بشذرات دموع.. سارع الى مسحها خَجَلا، فما أن أراد الحديث حتى سمع ابو نؤاس يقول: دعها .. تنزل إنها بلسم لعذابك، أو تعلم؟ كم هي محرقة تلك الدموع، إنها تحمل رماد جسد ملتهب من ذكرى، فبعد ان تغربله تحفظ لك الصورة التي تريد، ثم تقوم بإخراج ما يشوه صورة من تحب مع ما لا ترغب أنت بتذكره، لذا تراها تداوي وجعك بملح حرقتها لك، إنها برغم كل شيء ترنيمة من سونيتا الشجن، هكذا أراها، فالعشق يا سيدي سلم موسيقي طويل، لا يرتقيه إلا من رشف معتق خمره ليترنح جوا ...

عماد: أجل هو ما تقول يا سيد الخمر والشعر.. أتراك عاقرت قوافي شعرك لتتخلص من ألم؟ أم انك تركتها تترمل بعد أن أضرمت النار فيها...

ابو نؤاس: أقسم لك أني عاقرت شيطان الشعر نفسه، فقط لنيل الشهرة... وها أنت تذكرني بأبيات كتبتها .. قلت فيها...

أضرمت نار الحب في قلبي ... ثم تبرأت من الذنبِ حتى إذا لججتُ بحر الهوى ... وطمت الأمواج في قلبي عماد: لا تكمل أرجوك.. لقد كان منها ما ذكرت، تلك التي تسأل عنها، لقد طعنتي بخنجر غدر لا يمكن ان أبرأ منه، لقد رأيتها مع غيري، بل في حضنه، أني يا هذا أتقد لظاً بل أنا اشعر بمرارة عقم فهمي، تساءلت مع نفسي طوال الطريق إليك.. ما الذي جنيته لتجازيني بالخيانة؟ أفٍ للنساء بل اللعنة على كل النساء، إنهن ثعابين غدر أبو نؤاس: على رسلك ... ارى الغيرة نالت منك، وهذا هو سيف الجلاد بالنسبة لعلاقتكما، احترس ان تُدلي برأس من تحب على مقصلة شكوك، فتندم بعد ان ترى كل ظنونك تتدحرج بعيدا، أنظر هناك الى ذلك النور الخافت... بل الى من هم ينتشون بختلة ظلمته، هكذا كان حالك معها، زمنا لم اعد ايامه، لكن بالتأكيد هو محفور في ذاكرتك، هيا عب من قنينة الخمر تلك وأنسى ليلتك وما رأيت، ولا تكثر الحديث معي فأنا أريد ان أكمل ما بدأت.. أمسك عماد بقنينة الخمر التي أخرجها من جيبه وهمس ... الى الجحيم يا وجعي...

كانت فاتن حين رأته بمنظرها هذا قد عنونت رسائلها خجلا بل حيرة، كيف لها ان تفصح له عما رآه!!؟ كانت باردة أكثر من برودة المساء نفسه، حتى أن مثال قال لها: بعد ان شعر بإرتجافها كجنح فراشة، ماذا حل بك يا فاتن؟ لم انت ترتجفين هكذا؟ لقد تَجَمدتِ!! هيا تعالي ندخل الى المنزل، لتُدَفئي أوصالك، فأنا أرى إن بقيتي مدة أطول ستمرضين، بل تتيبسين لاشك، أمسك بها وعيناها لا زالت شاخصة نحو خيال عماد وهو يبتعد... اجلسها مثال قرب المدفأة، سألها ماذا بك فاتن؟ لم أنت شاردة هكذا!؟

فاتن: مصطكة الانسان بشفاه مرتعشة، لا شيء لقد رأيت... ثم توقفت ... لا شيء لقد بردت فجأة

مثال: قد يكون الجو بارد،ا لكن ليس الى حد ان يجعلك متصلبة كالخشب، هل هناك شيء تخفيه عني؟

فاتن: لا أبدا لاشيء، نزلت من عيناها دموع حزن وخوف دون إرادة منها، حاولت ان تخفيها بكفها، إلا أن يد مثال كانت اسرع لتلقفها... قائلا:...

مثال: ألهذا الحد... وجعك كبير وانت لا تخبريني عنه؟ أتراك تعشقين!! ثم ابتسم وهو ينظر اليها كأنه يريد قراءة ردة فعلها...

كانت هي قد لملمت كل اوصالها الى صدرها، ضمت رأسها على ركبتيها، شردت عن مواجهته حين أشاحت بوجهها صوب نار المدفئة التي أخذت تكسر ظهر اخشاب يابسة بلظاها، هكذا كانت النار بداخلها تحرك خلايا أوردتها وهي تطقطق على شغاف قلبها اسم عماد كنبضها الذي بهت، ساد الصمت بعد ان جلس مثال قبالتها محاولا فهم احوال فاتن، لم يتسرع بالحكم عليها، فقط قام بهدوء وأمسك بيدها واخذ يحدثها...

في تلك الاثناء كان عماد رغم ما شربه لا زال وجعه أقوى من مارد الخمر، بل جعل وجعه يزداد، أراد أن يُسمِع ابو نؤاس ابيات نظمها فصاح ... أين أنت يا أبا نؤاس؟؟؟ تعال اسمع وجعي
ابو نؤاس: أكاد اجزم أنك سترتاد ركنك وقنينتك تلك، أتراك ستكون شغلي الشاغل؟! ألا ترى من حولك، أن الحب يا هذا خلق ليُعَذَب ويُعَذِب... هكذا اراه فلا تزد همي ودعني...

عماد: لا أرجوك استمع لي فقط..

ابو نؤاس: هيا هات ما عندك...

راح عماد واقفا ينشد...

أدمى فراقكم روحي ... وأصاب مني العلل

وبكيتكم عمري حتى... جرحت المقل

ثم اخذ يجهش بالبكاء... ويعب من زجاجة الخمر في جوفة الملتهب...

ابو نؤاس: على مهلك كلمات صاغها الكثير ممن لطمتهم الاقدار دون توقع، الاجدر بك يا هذا ان تعود ادراجك وتنسى، فالنسيان خير علاج لمن هو في مثل حالتك..

عماد: أجننت كيف لي أن أنسى!! أتريدني أن أنسى عمري، حياتي، وجودي، هل جننت؟؟؟ اشتعل غيضه بات يكيل الشتم والسب الى أبو نؤاس وشارعه الذي عنون ذكرياته شجون ضائعة، عليك اللعنة.. أراد ان ينهض ليقتص ... إلا ان ثمالته ووجعة أسقطاه على الارض...
لم يعره أي أحد الانتباه، فمثله تراهم يتوسدون قارعة الطريق او المساطب لا عجب، أغمي عليه، مر الزمن وهو يحمل نسيمه البارد صفعات، لم يشعر بها حتى دوت صفعة قوية على وجهه... عماد هيا أفق، هل أنت بخير؟

تحرك جسده المتنمل خدرا كأن تيارا كهربائيا قد صدمه قائلا: أظن ذلك!! ...

هيا افتح عينيك ..

كان عماد يشعر بأن الحياة قد بدات تدب فيه من جديد، انه في عالم آخر غير الذي كان فيه، وتساءل عماد: أين أنا؟؟

كان سؤاله محاط بالغرابة، فرغم ما يراه يجد انه بعيد عن عالم اليقظة، شرعت الأيدي التي تساعده على لفلفة جسده بدثار وقدح شاي ساخن، فعاد وسأل: من أنت؟ هل أعرفك؟ أقصد هل تعرفني؟؟

الصوت: لا بل تعرفت عليك منذ فترة قصيرة جدا.. لقد كنت ابحث عنك بسبب هذه....
حرك رأسه عماد بغتجاه الأشارة ليرى فاتن أمامه وهي ترتعش خوفا عليه... بدموع شوق
فاتن: عماد أني آسفة جدا، لم أكن أقصد جرحك، لكن الظروف هي من فرضت علي ذلك، قد أكون اخفيت الحقيقة عنك وعن مثال، لكن بالتأكيد كان ذلك بسبب عدم علمي بأن مثال حي وأنه سيعود، لقد اخبرته بكل شيء عن علاقتنا، فخرج يبحث عنك بعد ان أطلعته بأنك ستكون في ركننا المعهود ذاك... أليس كذلك؟؟

عماد: ما لهذا الجنون الذي يسمع!! من أين جاءت بالجرأة لتغرر بي وبه؟ كيف سمح كبرياء من اسمته مثال ان يروم البحث عني؟ أتراه يريد الانتقام مني ومنها؟!!

فانتفض لا شعوريا صارخا... بعد ان دفع بفاتن خلف ظهره، أسمع يا هذا... لو كان هناك لك جريرة عليها فعليك ان تتخطاني للنيل منها، وأعلم أني على استعداد للتضحية بحياتي من أجلها.. أسمعت، دعها وشأنها فخصومتك معي أنا لا هي...

فاتن: أمسكت بعماد وقد وقفت أمامه وهي تقول له ... أنه مثال أخي ...