ويبقى دريد لحام

قامة فنية وطنية شامخة

، بقلم زياد شليوط

أطل علينا مساء الثلاثاءالماضي، عبر شاشة الميادين المميزة، وفي البرنامج الثقافي الراقي "بيت القصيد" الذي يعده ويقدمه الشاعر والاعلامي زاهي وهبي، أطل الفنان القدير دريد لحام، بوجهه البشوش الذي اكتسحته مساحة كبيرة من الحزن على ما آل إليه وطنه الحبيب سوريا، وبابتسامته المجروحة من شدة الافتراءات والشائعات التي لحقت به في الآونة الأخيرة على خلفية الأزمة التي يعيشها الوطن السوري، وبروحه الثائرة التي تعرضت للندوب والجروح واليأس ليس نتيجة الجمود فحسب، بل نتيجة تراجع كل ما نادى به وسعى اليه من قيم من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية ومنع الفساد والاعوجاج.

وكنت قد باشرت كتابة مقال منذ ثلاثة اسابيع تقريبا، ارد فيه على الهجمة المركزة والمعيبة على الفنان الكبير والأصيل دريد لحام، وعزمت على نشر المقال هذا الاسبوع، لكن بعدما علمت ان قناة الميادين وبالذات برنامج " بيت القصيد" الذي يقدمه الشاعر زاهي وهبي، سيجري لقاء خاصا معه مساء الثلاثاء، قررت التروي، ومشاهدة الحلقة ومتابعة اللقاء مع الفنان الكبير علني أعدل ما كتبته.

إن اللقاء مع الفنان الكبير دريد لحام عزز قناعاتي بالنسبة للأزمة السورية، ودعم حججي مقابل المفترين على الفنان لحام، حيث اعتدنا في الأشهر الأخيرة أن يخرج علينا بعض الأشخاص وخاصة من الكتاب والصحفيين، متهجمين دون حق وبشكل فظ على النجم العربي الكبير دريد لحام (غوار الطوشة)، بحجة تأييده لنظام "القمع" نظام بشار الأسد ووقوفه ضد "الثورة"، مستذكرين مسرحيات لحام وما حملته من نقد سياسي واجتماعي والمطالبة بضرورة الاصلاح الداخلي. وهنا يتجاهل أولئك المنتقدون مواقف دريد لحام الوطنية والتي عبر عنها في كثير من المناسبات وكذلك في مسرحياته. ودعونا نتساءل هل عندما انتقد دريد لحام النظام وأشار إلى ضرورة الاصلاحات، طالب بالتدخل الأمريكي والغربي ودعا الى التنسيق مع اسرائيل من أجل تنفيذ الاصلاحات الداخلية، وهل دعا دريد لحام يوما الى جلب المقاتلين المأجورين من الخارج من أجل بناء الديمقراطية؟ طبعا لم ولن يفعل ذلك فنان بقامة دريد والذي يحمل شعورا ومسؤولية وطنية كبيرة تجاه وطنه وخاصة في أوقات المحن، وان تجاهل مواقفه هذه انما يأتي من باب المزاودة على دريد وفي محاولة لاحراجه أمام جمهوره العريض. وليس مصادفة تجاهل وتناسي مواقف دريد لحام الوطنية والقومية من قبل راصدي تفوهاته وتحركاته في المسألة السورية، فهو سبق وأن حضر الى جنوب لبنان في بداية الألفية الحالية وقام بقذف الحجارة صوب الجيش الاسرائيلي في خطوة رمزية، تخلى في أعقابها عن لقب سفير النوايا الحسنة من قبل منظمة "اليونيسف" التابعة للأمم المتحدة، وقال عن ذلك بكل وضوح " عندما تخيرونني بين موقفي الوطني وبين لقب سفي النوايا الحسنة أختار موقفي الوطني والقومي." وسبق لدريد لحالم أن نعت الرئيس الأمريكي بوش بهتلر العصر، واعلن انه يقف الى جانب المقاومة اللبنانية، ولماذا يتناسون تعليقاته السياسية اللاذعة في برنامج التلفزيوني "على مسؤوليتي" قبل عدة سنوات؟
لقد جاءت المقابلة المميزة والمشوقة مع الفنان الكبير دريد لحام في "الميادين" في وقتها المناسب، لترد وبشكل مباشر على حملة الشائعات والأقاويل التي طالته، والتي أزعجت ملايين المعجبين بهذا الفنان الأصيل والملتزم، ولكي يذكر من يتناسى بمواقفه الثابتة فهو يصف نفسه بـ«المعارض الأول للسلطة في العالم العربي»، فهو ضدّ الفساد، وضدّ حجب الحريات، وضدّ انعدام الحراك الديموقراطي.. لكنّه يميز بين السلطة والنظام بمعناه الدستوري لأنّ نقيضه الفوضى. وبالتالي ليس كل من انتقد أخطاء السلطة من فساد ومحسوبيات، بات يكره البلد أو لا يعمل لمصلحته، بل العكس صحيح، فهو أكثر من يبحث عن التغيير الايجابي.

لقد ثبت أن هناك هوة كبيرة بين المطالبة بالاصلاحات الداخلية وبين التآمر على الوطن والدولة والاستقواء بقوى غربية واستعمارية بحجة محاربة "النظام"، فالقضية لم تعد اصلاحات كما لم تكن من قبل المتآمرين والعملاء والخونة، انما هي أطماع شريرة للسيطرة على الحكم واستنزاف موارد الوطن والقذف به نحو التهلكة، وهذا ما نراه يوميا من خلال أعمال القتل والتدمير العشوائية التي تقوم بها عصابات الارهاب المأجورة، وقوى وتحالفات الشر ضد سوريا الوطن والشعب، وتخاذل وخيانة عناصر حاقدة داخل الوطن السوري التي هربت ولجأت إلى دول وأنظمة، أقل ما يقال فيها أنها ليست أفضل من النظام السوري الحاكم ولا بأي شكل من الأشكال، لا من حيث احترام الديمقراطية وكرامة الانسان والمواطن، ولا من حيث احترام الكرامة الوطنية ولا بالالتزام العروبي ولا في صيانة الوطن والذود عنه أو حماية الشعب وصيانة منجزاته.

لقد تساءل دريد لحام والغصة في حلقه، كما تساءلنا، لماذا هذا الحقد على سوريا؟ لماذا التدمير والقتل والتفجير؟ ودعا كابن مخلص لوطنه الى الحوار والاحتكام الديمقراطي، الذي يقوم على فهم الآخر واحترام الرأي الآخر، وأولا وقبل كل شيء "أن نفهم الديمقراطية قبل أن نمارسها". والحل لن يكون إلا سورياً ومن خلال فهم الديمقراطية من قبل أبنائها ومن ثم ممارستها، للتوصل للحل الوطني الذي يجمع كل السوريين.

لقد بكى دريد لحام وأبكانا في هذا اللقاء، وهو الذي اعتدنا أن يضحكنا وفق مقولة "شر البلية ما يضحك". واليوم نبكي نتيجة مقولة يمكن لنا أن نبتدعها اليوم "شر العبث ما يبكي"، فهذه الحالة العبثية التي تعيشها بلاد الشام والتي يحتار العقل في فهمها، لم يكن يتصورها أي مبدع أو مواطن مخلص. فهل لنا أن نحلم بأن يعود غوار ليضحكنا ضحكة صافية.. يمكن ذلك إذا ما توقفت المؤامرة على سوريا، وعادت بلاد الحضارة الانسانية والعيش الانساني والتعددية الإنسانية كما كانت وأفضل.