«فخاخ الكلام» لعمر حمّش في اليوم السابع

، بقلم جميل السلحوت

ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية الأسبوعية الدورية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس مجموعة القصص القصيرة جدا "فخاخ الكلام" للأديب الفلسطيني عمر حمّش، والتي صدرت في أواخر العام 2013 عن وزارة الثقافة الفلسطينية في رام الله.

ممّا يذكر أن عمر حمّش المولود في العام 1953 في قطاع غزّة من رواد القصة القصيرة بعد الاحتلال، وشغل عضوا منتخبا في الهيئة الادارية لاتحاد الكتاب، عمل محرّرا في مجلة الكاتب المقدسيّة، وكان قد تعرض للاعتقال عدة مرات، و صدرت له قبل هذه المجموعة مجموعات قصصية وروائية أخرى منها:

- أزهار إلى مقبرة المخيم –مجموعة قصصية- صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين عام 1990م.

- الخروج من القمقم مجموعة قصصية صدرت طبعتها الأولى عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين عام 1992م وطبعتها الثانية عن وزارة الثقافة عام 2001م.

- عودة كنعان –مجموعة قصصية- صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين عام 1996م.

- في حزيران قديم - رواية – صدرت عن وزارة الثقافة عام 2001م.

- قصص فلسطينية/ مجموعة مشتركة صدرت عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين عام 2003م.

بدأ النقاش مشرف الندوة ابراهيم جوهر فقال:

في مجموعة قصصه القصيرة جدا الصادرة مؤخرا عن وزارة الثقافة (فخاخ الكلام) يفتح القاص (عمر حمّش) شهية القول ويسمح للدمع أن يجري.

ينتقد حالا عبثية قائمة، ويقارن ما كان وما هو كائن، ويستحضر الشهداء وينقل حال الموتى في حياتهم! ويصف حال الناس المقيم في الحزن والانتظار والخيبة.

إنه بمبضعه السريع يخز ويشير، ويبكي ويستبكي. ويترك صدى الكلمات والمواقف تأخذ مداها وهي تتردد في ذهن القارئ.

ينتقد الفرسان الذين كانوا في الساحة فصاروا تجارا وتنازلوا عن الكرامة مقابل حفنات من ذهب!

باع من باع وبقي من بقي يحاور ألمه وحده.

هي أفكار التقطها الكاتب من واقع في مرحلة البحث عن هوية وكيان. انتقد السالب منها وأعلى الإيجابي ، وساق في سبيل هذا حوادث وأشخاصا ومواقف.

إنها اللعبة الفنية التي تبني من دمار النفوس بنيانا واخزا، ومن عبث المرحلة معادلة حياة.

والقصة القصيرة جدا فن له أصوله التي رسّخها في أدبنا الفلسطيني المبدع (محمود شقير) وهو يدأب في القول والتوصيف والتوجيه بفنية عالية وقدرة على التصوير والتسيير أضحت مطلبا يسعى الكتّاب للتعبير بواسطته عن واقع سريع التغير والتحوّل بشكل لم تعتده الذائقة الإنسانية لناس البلد.

"عمر حمّش"هنا في (فخاخ الكلام) يتلمس طريقه ويعبّر عن مواجعه ورؤاه. تراه حينا يوجز فتكون القصة بضع كلمات لا أكثر، وحينا تطول . لم يعتمد هندسة خاصة مسبقة بل اعتمد على الدفقة الشعورية التي حرّكته واستفزت قلمه مكتفيا بالتلميح لا التصريح فاتحا الباب على مصراعيه للتأويل والاستنتاج.

يكثّف الكاتب ما من شأنه إثارة العاطفة وهو ينتقد ، كما في قصته بعنوان (فرحة) مثلا: " جاءت الثورة بسلطانها المجيد، وجارنا الأميّ صار مديرنا الجديد!" صفحة 25. لا تحتاج القصة شرحا ولا تحليلا، لكنها تعبّر بكلمات موجزة عن واقع متطاول الظلم . يمكن في التشريح الفني التوقف عند الأفعال (جاءت – صار) وعند الفاعل في كل جملة (الثورة – هو " الجار الأمي") والحال الجديد الناشئ عن هذين الفعلين والفاعلين...

وفي انتقاده للحال المتغيرة كتب تحت عنوان (خبر) في صفحة 42 : " الفدائي الذي كان حافيا؛ يشق النهر بسيف من وهج شمس السماء، وصل المخيم بياقة، والناس أدمنت البكاء!".

المضامين التي نقلها القاص عمر حمش ليست بعيدة عن واقع الحالة الفلسطينية الجديدة. إنه يشخّص سريعا وفق ما تقتضيه اللفتة القصصية السريعة ليشير إلى ما هو حاصل في النهاية؛ ضياع وعبث ولا جدوى.

فهل يمكن فهم قصص (فخاخ الكلام) على أنها نعي للقيم الجميلة الأصيلة التي كانت وتلك التي يجب أن تكون!

الأدب يقود، ويشير إلى موطن الخلل بأسلوبه ولغته ورمزه، فالكاتب هنا وهو يشخّص الحال ليذكّر ببشاعته إنما يضع بأسلوبه الخاص الحلول التي تصلح للتغيير. فالطفلة لا تريد البقاء في مقبرة المخيم وحدها حين يعود أهلها إلى بلدتهم الأصلية، وذاك الميت الحي يقرأ على قدميه المبتورتين الفاتحة ويزور ضريحه. وذلك الفدائي صار يتطيب ويتطاوس فلم يعد كما كان.ومثقف المخيم صار شيئا آخر حين غادر خندقه.

الحال الذي كان وهذا الكائن هو ميدان قصص عمر حمش القصيرة جدا. والشخصيات القليلة التي تسيّر الحدث أو يسيّرها هم ناس المخيم وغزة والبلد.

قراءة القصة القصيرة جدا لها شروطها، وفهمها له أسسه. القصة هنا تبرق وتومض وتكتفي بالإشارة، والقارئ يحلل ويضيف ويفهم. إنها القصة التي تطلب قارئا واعيا لم يعتد قراءة سريعة خاطفة. العمق الكامن خلف الكلمات هو المقصود. من هنا جاءت تسمية المجموعة (فخاخ الكلام) فالفخاخ لا تكون واضحة بل إنها تتطلب كاشفا يجسّ معادنها المخبوءة. والكلام هنا يحتاج مجسّا يكشف وقارئا يعي.

القصة القصيرة جدا وهي تأخذ مكانتها بين الأجناس الأدبية تواكب السرعة، وتوصل الرسالة باقتضاب فني يغني عن الإطالة .

فهل قال عمر حمّش ما أراد!

في ظني أن الرجل الموجوع قد قال ما من حقه الوقوف عنده لمعاينته وتدبّره. إنه يبكي وينتقد لا يكتب فقط.

فخاخ الكلام؛ فخاخ سيقع في شركها المارقون وحدهم، أما هؤلاء الصادقون فإنهم يدركون مرامي الكلام.

وقال جميل السلحوت:

تعرفت على الأديب عمر حمّش شخصيّا في ثمانينات القرن الماضي عندما كنّا سويّة في الهيئة الادارية لاتحاد الكتاب الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، لكنّني عرفته قبل ذلك من خلال كتاباته القصصيّة التي كانت تنشر في الصّحافة الأدبية المحلية، فقد كانت بداياته القصصية بدايات جادّة قويّة ولافتة، فهو من جيل الشباب الذين أسّسوا للفنّ القصصي بعد هزيمة حزيران 1967، حيث أن الجيل السابق وجماعة "الأفق الجديد" قد غادروا البلاد أثناء تلك الحرب المشؤومة أمثال ماجد أبو شرار، في حين قام المحتلون بابعاد آخرين منهم أمثال محمود شقير وخليل السواحري، وبقي آخرون مثل محمد البطراوي، ابراهيم العلم، جمال بنورة وصبحي الشحروري.

وظهر قاصّون جدد أمثال: زكي العيلة، سامي الكيلاني، غريب عسقلاني، عبدالله تايه، عمر حمّش، زياد حواري، مفيد دويكات، محمد أيوب، فضل الريماوي وآخرون...وطبعا لا يمكن اغفال قاصّي الدّاخل الفلسطيني ومن أجيال مختلفة أمثال، اميل حبيبي، محمد على طه، محمد نفاع، طه محمد علي، رياض مصاروة وغيرهم.

أمّا القاصّ عمر حمّش فقد بدأ كتاباته قاصّا مجيدا، ثم كتب الرّواية، وبعدها كتب مئات الأقاصيص، أو ما يعرف بـ"القصّة القصيرة جدا". وهو من القلائل الذين يجيدون فنّ القصّ الوجيز، ويشار اليهم بالبنان في بلادنا. ففي مجموعته الأخيرة "فخاخ الكلام" ينتقي كلماته بعناية فائقة، ويصوغ جملته بلغة شاعرية معتمدا على التكثيف اللغوي الذي من خلاله يختصر رواية في أقصوصة مكونة من بضع كلمات، فيدهش القارئ، ويجبره على تلقّف الأقصوصة متمعنا ومتفكرا، فدعونا نأخذ بعض الأقاصيص على سبيل المثال، ومنها أقصوصة"نصف انسان" ص8، وهذا نصّها:

"منذ تمّ قصفُه، وكلّما الشمس الى غسق تميل، يمضي فوق عربته الواطئة، ليطرح السّلام على قبره الموعود، وعلى ساقيه المكفّنين يتلو الفاتحة، منذ تمّ قصفُه."

ونلاحظ هنا كيف اختزل الكاتب حربا، ومعاناة وألَما، وعلاجا في المستشفى، وفقدانا لأعضاء في جسم الانسان، وقبرهما لتنتظرا بقية الجسد عندما تحين الوفاة.

والقارئ لهذه المجموعة القصصية سيتضح له أن الأديب حمّش يستمد مضامين قصصه من واقعه المعاش، فهو فلسطيني، ولاجئ في قطاع غزة، ويعيش معاناة الحصار والحروب الظالمة التي يشنها المحتلون على فلسطينيي القطاع، وبالتالي فهو يلتقط مواضيعه من قعر المعاناة، ومن هنا يأتي غضبه وصدق عاطفته، وثورة الانسان في داخله.

وفي أقصوصة"تحرير"ص9 ونصّها:

"صبيّ المنفى كهلًا صار، يرقرق دمعه، وهم بالدّعاء يمسحون له بقايا قمره الغارب."

وهو هنا يفجّر مخزون غضب يختزنه أبناء الشعب الفلسطيني، الذين يولدون ويموتون في المنفى أو تحت الاحتلال، وهم لا يسمعون عن التحرير سوى الدّعاء، وكأن الدعاء مخدّر الى يموت الانسان، وما لم يقله الكاتب هنا، ولكنه يُقرأ ما بين السطور هو: أنّ التحرير بالعمل لا بالدعاء...وهو في هذه الأقصوصة يختصر رواية المنفى والتشرد والحلم بالعودة. وفي أقصوصة تخمة ص22 وهذا نصّها:

"كان ضعيفا ضعْف صرصار، فالتحق بفصيل ثوريّ، فصار عظيما بحجم عشرة رجال"

وهنا ينتقد أديبنا بشدّة من تسلقوا دروب الثّورة، والتحقوا بتنظيمات فاستغلوها لمصالحهم الذاتية، ومع أنّهم كانوا مغمورين لم يسمع بهم أحد، إلّا أنهم وجدوا من يقوم بتلميعهم، ونفخهم الى درجة التضخم ليحسبوا أنفسهم بأنّهم أصبحوا قادة.

اللغة: لغة الكاتب فصيحة بليغة، مكثّفة ولافتة بجمالياتها.

ملاحظة للناشر: كنت أتمنى لو أنّ الناشر قام باخراج ومنتجة هذه المجموعة القصصيّة بطريقة تليق بقيمتها الأدبيّة الكبيرة، فأن توضع ثلاث أو أربع أو خمس أقاصيص في صفحة واحدة أمر غير لائق.

وقال عبدالله دعيس:

ينصب عمر حمش فخاخ كلماته بإحكام، فتحتاج إلى قارئ حاذق ليخوض عباب هذه المجموعة من القصص القصيرة جدا ويخرج منها دون أن يقع في هذه الفخاخ الموجزة والتي تخفي وراءها معان عميقة تحتاج أحيانا لعمق نظر للوصول إلى كنهها.

فالمجموعة التي تتكون من مائة واثنتي عشرة قصة قصيرة جدا في تسع وأربعون صفحة تلتزم بشكل كبير بالخصائص الفنية للقصة القصيرة جدا وسماتها. فبالرغم من إيجازها فهي في معظمها تحمل طابع القصصية وتعتمد على الرمز والإيحاء بجمل قصيرة محكمة البناء وخاتمة مفاجئة محيرة. ويحسن الكاتب اختيار عناوين قصصه لتكون مرتبطة بنص القصة وكذلك بخاتمتها.

ويحسن الكاتب أيضا استخدام علامات الترقيم وتوظيفها لتؤدي غرض القصة, فيكثر من استخدام علامات التعجب التي تثير الحيرة في نفس القارئ وتحثه على إمعان النظر في النص وما وراء النص. ويستخدم أحيانا علامات الحذف (النقاط المتتابعة) من أجل تحقيق التكثيف والإيجاز وتحفيز القارئ على التفكير فيما وراء الكلمات.

تنم هذه المجموعة من القصص القصيرة جدا، في رأيي، عن شخص هو ابن بيئته، ابن فلسطين وابن غزة لكنه متمرد على واقع يوصله أحيانا إلى مرحلة اليأس من تغييره. فيبدو أن الكاتب قد كفر بالتنظيمات الفلسطينية المختلفة وبالأشخاص الذين تسلقوا العمل الوطني فكانوا وبالا على القضية الفلسطينية، أو ركبوا الموجة ليحققوا مجدا شخصيا وأولئك الذين تتغير نفوسهم مع أول بادرة سلطة أو جاه، ومن تبقى فهم ضحية لزملائهم الذين يتسلقون على تضحياتهم وشهادتهم ليصلوا إلى مبتغاهم الوضيع. ويبدو لي أن الكاتب قد مر بتجربة شخصية خاض من خلالها تجربة العمل الثوري وخرج بقناعته عن عقم يشل أرحام كثير من التنظيمات الفلسطينية.

ويعبر عن هذه الأفكار في كلمات موجزة جدا، لكنها تفتح المجال للقارئ أن يفكر بجدية في مضمونها دون أن يتوقف عن قراءتها، عندما يبدأ الاسهاب في الكلام يناقض قناعاته المسبقة. فيعبرالكاتب عن فكرته هذه بكلمات قليلة في قصة "طرق" (للثورة باب ولوج ولها مخرجان؛ حسابات بنوك! أعتاب قبور تتلألأ.) فهنا يبدو جليا تصنيفه لرجال الثورة الفلسطينية إلى فئتين: منتفعين وشهداء. أما " الصمود" فقد أصبح الامعان في السير في طريق خاطئة وتجميل وتبرير الأفعال مهما كان قبحها واضحا للعيان. "وجه الثوري لم يستسلم للبهاق، فهو يجالس المرآة صباحا ومساء، وقد حُمّلت إلى عتبتها مساحيق متجر النساء!"

الكاتب متمرد على الواقع يائس من إصلاح من حوله، لكنه يحمل أملا كبيرا للمستقبل البعيد، وهو وإن فقد إيمانه بالوضع القائم إلا أنه لم يفقد الأمل في الأطفال والجيل القادم إذ نراه يركز في قصصه على تضحيات الأطفال ويمجد شهادتهم في سبيل قضية عادلة وكذلك يثمن دور الأم التي تضحي بفلذات كبدها. لذلك فإن الثوار في قصصه هم أناس انتهازيون أما الأطفال فهم الأبطال الذين يهزون عرش العدو. تأمل هذه النصوص من قصص مختلفة:

"سقطت وعيناها ترنوان، فأمطرت الشمس لعينيّ الصغير لهيبا، وأمطرت دما، وظلت تمطر، والصغير في المكان يعصف مثل موجة ريح"

"لحظتها حطموا باب سقيفتهم؛ فهبّ من اللفة؛ وبحنجرة عالمة صاح: اترك أبي يا سافل!"

"أما على رأس الجسر فلقد كان الطفل سلامة خارجا من الموت، ليحسب على أصابع يده الصغيرة ما تبقى من عمر إسرائيل!"

والكاتب لا يخفي إيمانه بأنه لا بد من يوم للنصر ويوم للعودة إلى الديار، وإن كان هذا الأمل يبدو بعيدا فلا بد أنه سيتحقق يوما ما. ففي قصة "تواصل" يقول الكاتب: "نجمة المساء أصابها الجنون، فدارت باتساق مثل قرنفلة؛ ثم هوت خلف الحدود، وفوق بستان جدي المفقود؛ ظلت متعلقة." وكأن هذه النجمة تحرس هذا البستان إلى حين العودة. وفي "أمنية أخيرة" يعلن الكاتب عن عدم يأسه من العودة رغم الواقع القاتم: "طريحة الفراش وهبها الملاك صحوة، فهبت في وجه الزمان، الشَعر ماج يسترد سواده، والبنون والبنات في دهشة المثول تمايلوا، يحدّقون في فمها الذي فجأة اتقد؛ ليعلن رغبة أنفاسها الأخيرة:

- يوم عودتكم لا تتركوني هنا في قبر المخيم وحيدة"

ويعبر الكاتب عن أفكاره بلغة موغلة في التهكم والسخرية بالواقع المرير (فالثوار المتخاصمون كالديوك المتخاصمة على دجاجات حظيرتها، بينما ديك الجيران يصول في الحظيرة ويجول.)، "والشاعر يقوم بإلقاء نسخ ديوانه في المدفأة عندما ينضب القراء، والصحيفة التي تحمل في أول النهار على حمار لتوزيعها يعود الحمار بها آخر النهار إلى موازين الباعة".

ويخرج بنا الكاتب من هذا الواقع الكئيب في بعض قصصه لتحمل فكاهة حقيقية كما نرى ذلك في قصة المتصابي وقصة شيخوخة.

ويختم الكاتب مجموعته بأحجية تبين مدى امتعاضه من الواقع العربي المعاصر فيقول: (من هو؟ اصطفت له الخيول، ورجفت الطبول، تاجه ذهب! وقلبه خشب، وبلاده في ذلة أثارت العجب!) ومَن ذاك إلا الحاكم العربي؟

أمّا محمود شقير فقد قال:

حين ينصب الصيّاد فخًّا لما يريد أن يصطاده من كائنات الطبيعة، فهو يعرف تمامًا الوظيفة التي سينهض بها الفخ. إذ يضع الطعم والفخ يكمل المهمة في اللحظة المطلوبة بانطباقة حاسمة في مثل لمح البصر.

هنا، في فخاخ عمر حمش يحدث الأمر نفسه تقريبًا، ذلك أننا نجد أنفسنا أمام قصص قصيرة جدًّا محكمة البناء. لغتها في الغالبية العظمى منها، مكثفة محدودة الكلمات، كما لو أنها فخاخ تنتظر القارئ الذي يشتبك معها، ليقع في لحظة خاطفة أسيرًا لمعانيها الفسيحة ولدلالاتها التي لا تغيب.

وربما كان خير دليل على ما أقول، قصة "فحولة" ص27 ، فهي مؤلفة من ست كلمات، وبين الكلمات الست خمسة أفعال ماضية تنمّ على ما كان بين الرجل والمرأة من دون استطرادات: همَّ... فانطفأ، زمجرت، فردّها بمخالبه... بهتت!

وفي هذه الفخاخ، أو في أغلبها على الأصح، ثمة لغة رصينة فيها قدر من الشعر حينًا والشاعرية حينًا آخر، مسبوكة في جمل قصيرة، توحي ولا تقرّر، وتعتمد التلميح بديلاً من التصريح. وتلك واحدة من تقنيات القصة القصيرة جدًّا، علاوة على تقنيات أخرى استثمرها الكاتب بشكل جيد، وأقصد بالتحديد تقنية المفارقة التي وردت في عدد غير قليل من القصص، كاشفًا من خلال هذه التقنية، ومن خلال الفانتازيا في بعض الأحيان، عما في واقعنا المعيش من خلل فادح ومن خطايا وأخطاء . وأدلل على ذلك من خلال قصة "فرحة" ص25 إذ نقرأ ما يلي: جاءت الثورة بسلطانها المجيد، وجارنا الأمي صار مديرنا الجديد!

وفي فخاخ الكلام يستثمر الكاتب إيقاع اللغة بشكل جيد، حين ينهي قصته بما يشبه التقفية أو السجع، وبذلك تنتهي القصة نهاية مريحة للقارئ، وتفسح في المجال للمعنى بأن يغدو أكثر تجلّيًا، وللنص بأن يغدو أكثر استقرارًا.

لكنه، أي الكاتب، حين تستبدّ به الرغبة في استثمار الإيقاع، وغيره من تقنيات الشعر، فإنه يخرج من إطار القصة القصيرة جدًّا إلى حقل قصيدة النثر، بل إنه يكتب قصته على النحو الذي تُكتب به القصيدة. وتلك واحدة من نقاط التماس التي ما زالت تُدخل القصة القصيرة جدًّا، بقصد أو بغير قصد، في حقل الشعر. وهي إشكالية ما فتئت تبحث عن تنظير نقدي قادر على وضع الأمور في إطارها الصحيح. وللتدليل على ذلك، أدعو إلى التدقيق في قصص "ال "إف 16 " ص29 ، "عناق" ص32 ، "إبليس" و "ركوب" ص34.

كما أن الرغبة في التكثيف، وفي اقتناص المفارقة والسعي النبيل للتعبير عن الهم الوطني والاجتماعي والإنساني، ولتقديم أهجيات سياسية متقنة، توقع الكاتب، مثلما توقع غيره من كتاب القصة القصيرة جدًّا، ومنهم أنا كاتب هذه السطور، في غواية النص المفتوح أو المشهد الذي لا نعثر فيه على شيء من سمات القصة القصيرة جداً سوى تقنية التكثيف، وهي لا تكفي وحدها لكي تعطينا قصة قصيرة جدًّا. وللتدليل على ذلك نقرأ: "طرق" ص10 : للثورة باب ولوج، ولها مخرجان، حسابات بنوك! أعتاب قبور تتلألا!

أخيرًا، يمكن القول إن لعمر حمّش بصمته الخاصة في القصة القصيرة جدًّا، وهو مؤهل لمزيد من العطاء في هذا الميدان.

وقالت نسب أديب حسين:

أتجول بين فخاخ الكلام أو كمائنه أم بين نبضات قلبٍ نازف أنهكته مسيرة الوجع المتعبة.

هذا السؤال الذي راودني وأنا أطالع كتاب (فخاخ الكلام) الذي يجمع قصصًا قصيرة جدًا للكاتب الغزي عمر حمّش، هذا الكتاب الدافق بالوجع، ينقل لنا أوجاع غزة، دون تكلف، بعبارات قصيرة جدًا ومكثفة جدًا، يأتي البوح بالوجع وبحر من الدمع يتخفى وراء الكلمات. كأني بها عدسة كاميرا متنقلة من منطقة الى أخرى في القطاع.. تلتقط مشاهد قصيرة، ورغم قصرها جاءت في معظم الأحيان معبرة وذات رسالة واضحة ومتكاملة. يصل طول القصص القصيرة جدًا في الكتاب الى تسعين كلمة، وفي أحيان أخرى تنتقل الى التصنيف (قصص قصيرة جدا جدا) لتتكون من عشر كلماتأو أقلّ.

المواضيع التي تطرقت اليها المجموعة:

كما ذكرتُ سابقًا الكتابُ يفيض بالوجع فالشمس لا تشرق فيه إلا لتقبل وجه الشهيد، ولاحظت أنّ المواضيع التي تطرحها المجموعة يمكن إدراجها تحت ثلاثة عناوين:

أحزان وأوجاع غزة

عناوين كثيرة تناولت أحزان القطاع بشكل خاص وفلسطين بشكل عام، دون تحديد موقع محدد، رغم أنّ المخيم برز كمكان أكثر من غيره.

فنرى في هذه القصص أن الطفل لا يمكنه أن يحيا طفولته الطبيعية، يتعلم كلمة أسود كأولى الكلمات (قصة – أترك أبي) ص4، ويهبُّ من لفافته صارخًا بالمعتدي "أترك أبي يا سافل"

لنشهد الدمار وصعوبة المشهد في قصة (استماتة) ص8، حيث رجل الانقاذ يبكي ككلب كسيح، والأمّ بنصف جمجمة، والرضيع على صدرها صار كهلا أشيب.

أبدع الكاتب في قصته (أمنية أخيرة) ص 21، حين تنطق العجوز في المخيم قبل موتها بلحظات بأمنيتها الأخيرة (يوم عودتكم لا تتركوني هنا في قبر المخيم وحيدة). كما أبدع في قصة (نصف انسان) ص8، حين يصور كسيحًا إثر القصف يمضي كل يوم الى المقبرة ليتلو الفاتحة على ساقيه المكفنتين.

هموم اجتماعية ذاتية:

أدرج تحت هذا الباب كمثال قصص (توظيف)، (جناحان)، (شيخوخة)، "لقاء"

وجاءت رائعته في هذا المجال برأيي الشخصي عند وصفه لفقر الشاعر أو المبدع في هذا الوطن، والتي كانت تحت عنوان (شاعر!) ص9: (ابتهج لصدور ديوانه الجديد، وشرع يتأمل كومات الرّزم ، وجاء الشتاء، فجالس المدفأة الى أن ألقمها أواخرَ النسخ). لقد أتقن الكاتب بجملة واحدة هنا أن ينقل لنا زخمًا من المشاعر والوجع، حين يضطرّ شاعرٌ بسبب عوزه أن يحرقَ كتبه في سبيل الدفء، بل وانتقل بين مراحل زمنية، وقمتين من المشاعر المتناقضة، وفي هذا ابداع كثير.

النقد لمستغلّي الوطنية والثورية:

لمستُ لدى الكاتب تلميحًا وإشارة الى أبناء من مجتمعنا ضعيفي النفوس (ضعف صرصار) كما يشير في وصفه ص22 تحت عنوان (تخمة) ، تقنعوا بالثورة أو بالدفاع عن الوطن ليصيروا عظماء، أو يتعالون على أبناء شعبهم كما نرى في قصة (حصانة) ص9 إذ يقول: (صار فدائيًا، فخلع نعله الممزق، ثم شيّد قصرًا في مدخل المخيم، وقد تألق). وفي قصة (وليمة) ص42 "الفدائي الذي كان حافيًا، يشق النهر بسيف من وهج شمس السماء، وصل المخيم بياقةٍ، والناس أدمنت البكاء".

لنراه ينتقد بصورة لاذعة في موضعان آخران ليقول تحت عنوان (طُـُرُق) "للثورة بابُ ولوج، ولها مخرجان، حساباتُ بنوكٍ!

أعتابُ قبورٍ تتلألأ!"

ويستطردُ تحت عنوان (رفاق): (دخلا الثورةَ اثنين، وخرجا اثنين، الأولُ دومًا مزهوًا يشيعُ الثاني بخطبه الثورية). ليستمر الكاتب تحت هذه العناوين في نقده لمن يستغل الوطن والثورة لأهدافٍ شخصية.

ويستمر بسخريته اللاذعة تحت عنوان (فرحة) إذ يقول: "جاءت الثورة بسلطانها المجيد، وجارُنا الأمّيّ صار مديرنا الجديد"

لغة الكتاب

اللغة زخمة وبليغة وتحمل الكثير من الشاعرية، أحيانًا استخدم الكاتب أسلوب السجع في مواقع أضعفت النص، ليُقدم ومضات كانت أضعف من غيرها. عدا ذلك وفق الكاتب في لغته وتكثيف جمله.

أخيرًا هذه هي المرّة الأولى التي أقرأ فيها عملا أدبيا للكاتب عمر حمش، لقد وفِق الكاتب بتقديم رسائل عدة في أقصر الجُمل وأقلّ الكلمات، مما يدلنا على إبداع وقدرات الكاتب العالية، الذي قدّم لنا وجبة أدبية دسمة نتناولها بسرعة للوهلة الأولى، لكنّها تدفعنا للعودة مرة أخرى للتدقيق في الكلمات ومعالم رحلة طويلة لا نعلم كيف قضيناها بهذه السرعة.

وشارك في النقاش عدد من الحضور منهم: سوسن عابدين الحشيم، رفعت زيتون، طارق السيد، محمد موسى سويلم، ديانا أبو عيّاش، ولمى الخيري.