نصف ربيع الأول

، بقلم صالح الشاعر

كانت البلد في عُرس كبير، إنه مولد النبي صلى الله عليه وسلم، الفطرة الإسلامية لم تمت في هذا الشعب، رغم عوامل التَّصحُّر التي تجري على قدم وساق، الحلوى رائجة في كل مكان على امتداد المحروسة، وعلى الأطفال مظاهر البهجة والسرور، وحول أبي عبد الله وحفيد رسول الله كان الصوفية يتعرَّضون لنفحات الله، ويفرحون على طريقتهم بذكر الله.

سار الشيخ في الزحام الشديد، واختلطت الأصوات في أذنيه، عَبَر أمام (كرامة) فنفحته روائح زكيَّة، مسك وعنبر، وصندل وبخور على كل لون، فواكه من كل الأصناف، وانطلق الشيخ عبد الباسط عبد الصمد في الراديو يردِّد: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا.

ثم عبر على مقهى بلدي قديم، أمامه الفحم معدًّا لزبائن "الشيشة"، ونافخ الكير يعمل بكدٍّ، وبجانبه طاولة عليها تلفاز ظهر عليه خيال شيخٍ مُلتَحٍ، ولم تفلح البدلة و(الكرافت) في إخفاء طبيعته البدوية، كان منتفخ الأوداج كمن يعيش في (مَعلف)، منفعلاً كمن لم تَجْرِ طبيعتُه منذ ثلاثة أيام، يكثر من التَّأفُّف والتَّحسُّر، يكاد من يراه يجزم أنَّه لا يتكلَّم في الدين لكنه "يسبّ الدين"، كل ذلك ليقول: إن الاحتفال بمولد (مُحمَّد) بدعة!

وقف كلب بين باب المقهى والتلفاز، ورفع رجله، و...، صاح صاحب المقهى: "هش يابن الكلب".

الناس كثير، والزحام شديد، كلُّ امرئٍ في اتجاه، وكلٌّ يغنِّي على ليلاه.
*

انطلق صوت الشيخ في خطبة الجمعة يقول: إن الاحتفال بمولد النبي قربة من أعظم القربات، وهو تطبيق عملي لصدق محبة المؤمن لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهو سنة حسنة، يدخل ضمن استعراض حياة العظماء والتحدث عن نواحي عظمتهم ليقتدي المسلمون بهم، وهذا أمرٌ مطلوب ومستحبّ، لا سيما في غياب القدوة الحسنة، وانتشار القدوة السيئة من صنعة الإعلام الفاسد.

ومن فضل الله علينا في هذا العام، أن جاء يوم المولد النبوي الشريف موافقًا يوم الجمعة، ذلك اليوم المبارك، وقد فضَّل الله نبيَّه على سائر النبيِّين كما فضَّل رمضان على سائر الشهور، وفضَّل أمَّته على الأمم كما فضل يوم الجمعة على سائر الأيَّام، وبإذن الله سيكون موضوع دروس شهر ربيع الأول عن النبي صلى الله عليه وسلم وما له من المعجزات، وما يتعلَّق بسيرته الشريفة العطرة وسنَّته المطهَّرة.

فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والحمد لله أن أكرمنا بخاتم الرسل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وجعلنا الله في زمرة أحبابه المتبعين لهديه والمستنين بسنته إلى يوم الدين ...

جلس الشيخ في درس الراحة وقد اجتمع له كثير من الناس، منتظرين أول درس من دروس (ربيع) الموعودة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وانطلق الشيخ بأسلوب مبهر، وبلسان طلق فصيح، يقول:

لقد كتب كثير من المفكرين من غير المسلمين عددًا كبيرًا من الكتب التي تشيد بسيدنا محمد وأخلاقه ومواهبه وعبقرياته، ومن هؤلاء المفكرين في بريطانيا: برنارد شو، وبرتراند راسل، وتوماس كارليل، ومنهم في فرنسا: جان جاك روسو، وفولتير، وجوستاف لوبون، وجاك بيرك، وغيرهم كثير، من أمريكا، وألمانيا، وإيطاليا، والهند، وروسيا، وهولندا، وأسبانيا، واليابان، بل في كل العالم تقريبًا.

وهذا أمرٌ محمود، لكنه في بعض الأحيان يكون مشوبًا مغلوطًا، فيه مكرٌ ومكيدة؛ إذ ينسبون ما حققه نبي الإسلام ورسالته إلى العظمة والعبقرية الإنسانية، ويفرِّغون ذلك من الوحي الإلهي، وهو مصدره الأصلي، وهو معدود في قمة الخوارق والحقائق الغيبية.

كثيرٌ من الناس قد امتازوا بشمائل العظمة وصفاتها، واستطاعوا إحداث تغيير إيجابي في العالم، وبقيت إنجازاتهم خالدة على مرِّ العصور، إلا أن أنبياء الله يمتازون فوق تلك الشمائل والصفات بكونهم مُمَدِّين بمدد من عند الله، وهو الوحي، ومن مظاهر ذلك الوحي، ما أجراه الله على أيديهم من معجزات تشهد لصدق ذلك الوحي، وتعين الناس على تقبُّل الإيمان بهم.

وللنبي صلى الله عليه وسلم معجزات كثيرة،منها على سبيل الاختصار مِمَّا ذكره العلماء:

أنَّه انشقَّ له القمر، ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة، فشرب العسكر كلهم وتوضؤوا من قدح صغير ضاق عن بسط يده فيه.
وحنَّ إليه الجذع الذي كان يخطب إليه لما فارقه للمنبر حتى سمع منه الناس كصوت الإبل فضمه إليه فسكن.

وزويت له الأرض.

وسبَّح الحصى بكفه والطعام بحضرته.

وسلَّم الحجر والشجر عليه.

وكلَّمه الذراع، وشكى إليه البعير، وسلمت عليه الغزالة، وشهد له الذئب بالنبوة، وسعت إليه الشجرة من مغارسها.

وندرت عين قتادة فردَّها فكانت أحسن عينيه، وتفل في عين علي وهو أرمد فبرئت ولم يرمد بعد.

ومسح رجل ابن أبي عتيك لما انكسرت فصحَّت.

وأخبر أنه يقتل أبيَّ بن خلف فخدشه يوم أحد خدشًا يسيرًا جدًّا فمات.

وعد في بدر مصارع الكفار قبل الوقعة فقتل كل منهم فيما عينه.

وقال في عثمان: (تصيبه بلوى عظيمة) فكان ما كان من أمر الفتنة.

وأخبر بمقتل الأسود العنسي في صنعاء ليلة قتله.

وبأن كسرى قُتل بفارس في يوم قتله.

ودعا لعلي بذهاب الحر والبرد، فلم يحسَّ بهما بعد.

ولابن عباس بالفقه في الدين وعلم التأويل، فصار بحرًا.

ولأنس بكثرة المال والولد وطول العمر، فرزق مائة ولد وعاش مائة عام، وصارت نخله تحمل في العام مرتين.

ودعا على عتيبة بن أبي لهب فقال: (اللهم سلِّط عليه كلبًا من كلابك)، فأكله الأسد.

وأطعم ألفًا في غزوة الخندق من أقل من صاع من الطعام.

ورمى الكفار يوم حنين بقبضة من تراب، فامتلأت أعينهم منها وانهزموا.

وأخبر بأن عمار بن ياسر تقتله الفئة الباغية، فقتله جيش معاوية.

وخرج على مائة من قريش ينتظرونه، ووضع على رؤوسهم تراباً ولم يروه.

وقال لنفر من صحبه مجتمعين: (آخركم في النار) فماتوا كلهم مسلمين إلا واحدًا ارتدّ.

وأُطعم السُّمَّ، فمات الذي أكله معه، وعاش هو أربع سنين.

وأنذر بأن طوائف من أمته يغزون البحر، فوقع.

وأخبر بأنَّ فاطمة أول أهله لحوقًا به، فكان.

وأخبر بأنَّ أطول نسائه يدًا أسرعهنَّ لحوقًا به، فكانت زينب أطولهنَّ يدًا بالصدقة وأوَّلهنَّ لحاقًا به.
ومسح ضرع شاة حائل، فدرَّت.

وجاءه الحكم بن أبي العاص يحكيه في مشيته مستهزئًا به، فقال: (كذلك فكن)، فلم يزل يرتعش حتى مات.